العنوان حول الاحتفال بالمولد النبوي
الكاتب محمد بن صالح العثيمين
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-1977
مشاهدات 85
نشر في العدد 339
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 01-مارس-1977
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسله الله تعالى بين الساعة بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا فجمع به الله بعد الفرقة وألف به بعد الشتات وهدى به بعد الضلالة وأغنى به بعد العيلة فلله الحمد على هذه النعمة العظيمة التي منّ الله بها على عباده ونوه عليها بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (سورة آل عمران:164).
أما بعد فإنه بمناسبة حلول شهر ربيع الأول الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنني أحببت أن أكتب في هذه المجلة المحببة لجميع المؤمنين أن أكتب فيها ما تيسر حول نعمة الله سبحانه وتعالى لهذا الرسول الكريم وبيان حقوقه عليه الصلاة والسلام أو شيء منها فنعمة الله على رسوله صلى الله عليه وسلم لا يعرف قدرها إلا من عرف الجاهلية من قبل ودرسها وعرف ما فيها من ضلال في العقيدة والعبادة والعمل وغير ذلك من المسائل التي لا تخفى على كل ذي لب ولا يمكن أن يعرف قدر نعمة الله علينا بهذا الدين إلا من درس أحوال أهل الجاهلية وما هم عليه من الضلال المبين.
لقد من الله على عباده بهذا النبي الكريم بما دعا إليه من إخلاص العبادة لله وحده وتعلق القلب به وحده حتى يفرد بالعبادة ويفرد بالتوكل والاستعانة كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (هود:123). وكما جمع بينهما في قوله تعالى: «إِيَّاكَ نَعبُدُ وَإِيَّاكَ نَستَعِينُ﴾ (الفاتحة:5) في السورة التي فرض على مصلِ أن يصليها في ركعة ومن نعمته علينا بهذا النبي الكريم أن الناس كانوا قبل بعثته في ضلال فهداهم الله به إلى صراطه المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ومن نعمة الله على المؤمنين به أن الله ألفهم به بعد أن كانوا مشتتين متفرقين لا تجمعهم كلمة ولا هدف ولا رأي وقد نوه الله تعالى عن هذه النعمة بقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (آل عمران:103).
ومن نعمة الله علينا بهذا النبي الكريم أن الله سبحانه وتعالى جعل تلك الأمة الضعيفة الذليلة بين الأمم جعلها أمة قوية عزيزة وجعل لها السيطرة والظهور بسبب هذا الدين الذي جاء به هذا النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- ولا يمكن أن يعود للأمة الإسلامية مجدها إلا إذا تمسكت بما يمسك دين أوائلها لأن به العزة وبه التمكين وأن من نعمة الله علينا بهذا الدين العظيم الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أن جعل نظامنا الاجتماعي والاقتصادي نظامًا كاملًا عادلًا يجمع بين الشيئين المشتبهين والمتماثلين ويفرق بين الشيئين المتضادين لأنه دين العدل، والعدل أحب إلينا من كلمة المساواة التي ترد في كثير من الكتابات لأن إطلاق المساواة يقتضي التسوية بين الشيئين في كل الأمور حتى ولو كان بينهما افتراق وهذا ليس من العدل وإنما العدل بين الشيئين المؤتلفين المتماثلين ولله علينا نعم كثيرة في بعثة هذا النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه وحيث إن هذه النعم قد جرت على يده صلى الله عليه وسلم فإن الله أوجب علينا تعظيم هذا النبي بل جعل هذا هو الغاية من الرسالة كما قال تعالى﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (الفتح:8،9).
ومن تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم أن نتمسك بشريعته بحيث لا نتعدى ما شرعه لنا وأمرنا به وجعله لنا عبادة يقربنا إليه حتى وإن كنا نستحسنه بعقولنا فليست هي العقول معيار الشرع ولكن الشرع معيار العقول ولذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ ۚ ﴾ (الشورى:21) جعل من شرع شيئًا من الدين لم يأذن به الله شريكًا لله سبحانه وتعالى ومن اتبعه من ذلك فقد اتخذه شريكًا مع الله عز وجل وإذا اجتمع المسلمون على ما شرعه الله ورسوله من العبادات تحققت فيهم الوحدة التي أشار الله إليها في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ (الشورى:13). وإذا امتثل المسلمون هذا الأمر أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ورجعوا إلى ما شرعه الله سبحانه وتعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم زال عنهم التفرق وزالت العداوة والبغضاء وصاروا أمة واحدة كما أراد الله لهم ﴿وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (المؤمنون:52). هكذا يقول سبحانه وتعالى.
ومما يدخل في فروع هذه القاعدة العامة أعني أنه يجب أن نعبد الله بما شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم مما يدخل في هذه القاعدة وإن ذلك داخل في تعظيمه القاعدة العامة ما اختلف فيه الناس عملًا في أحداث عيد المولد أو بعبارة أصح في اتخاذ ليلة مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيدًا يجتمعون فيه ويتلون فيه عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم شيئًا كثيرًا ونحن نقول لا شك أن الثناء على النبي صلى الله عليه وسلم أمر مطلوب وأنه من تعظيمه وأن الصلاة عليه من أفضل العبادات وأنها مشروعة في كل وقت وربما تتعين في بعض الأحوال وبعض الأعمال ولكننا نقول إن من تعظيمه أيضًا ألا نتجاوز ما شرعه لنا وأمرنا به ينبغي للمسلمين أن يأتلفوا فيه ولا يختلفوا وأن يجتمعوا على كلمة سواء بينهم فلنتأمل هل ثبت أن الليلة الثانية عشرة من شهر ربيع الأول هي الليلة التي ولد فيها الرسول صلى الله عليه وسلم الجواب لا لم يثبت ذلك وهذا التاريخ أمامنا والمؤرخون اختلفوا في ذلك اختلافًا معلومًا ولا يمكن أن يثبت بأي طريق صحيح أن الليلة الثانية عشرة هي الليلة التي ولد فيها النبي صلى الله عليه وسلم فتعيين هذه الليلة بالذات هو أمر لا يصح من الناحية التاريخية.
أما من الناحية العلمية التي قصد بها الإنسان التعبد لله والتقرب إليه فإننا نتفق جميعًا على أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والثناء عليه بما يستحق هو من تعظيمه الذي أمر الله به ولكن هل شرع لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نعظمه في الليلة المعينة في ذلك التعظيم المعين الثناء والصلاة عليه لو تأملنا الأحاديث الواردة عن الرسول صلى عليه وسلم ما وجدنا في ذلك حديثًا صحيحا ولا حسنا يدل على الأمر أي أن نحدث له ليلة مولد في مساء اليوم الحادي عشر من شهر ربيع الأول إذن فهي عبادة ولم يشرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ما زعم أنه عبادة ولكن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام لم يشرعه فإنه ليس بعباده لأن العبادة ما أمر الله به ورسوله ثم نقول أيضا لو كان هذا الثناء المعين والصلاة على النبي صلى عليه وسلم في تلك أمرا مشروعا ما أهمله النبي صلى الله عليه وسلم فإنه ما ترك شيئا يقرب إلى الله إلا دل أمته عليه فنحن إذا أثبتنا مشروعيته أمامنا أحد أمرين إما أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كتم شيئا مما شرعه الله وحاشاه من ذلك وإما أنه صلي الله عليه وسلم جهل مشروعيته ولم يتبين للناس إلا في القرن الرابع الهجري وهذا أمر مستحيل بالنسبة لرسالة النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله سبحانه وتعالى يقول في القرآن : إنه ﴿تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ يعني مما يحتاج الناس في أمور دينهم ودنياهم.
ونقول أيضا إذا كان هذا الاحتفال في ليلة عيد المولد من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم حيث إنها مضت القرون الثلاثة كلها ولم يحدثوا شيئا من هذا العيد الذي اتخذه الناس بعدهم وهذا أمر يقتضي بلازمه أن يكون الخالفون بعدهم خيرا منهم في العبادة وتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا أمر لا يمكنه أن يقوله عاقل ونقول أيضا إن من مضار هذا العيد الذي يتخذ لمولد النبي صلى الله عليه وسلم أن كثيرا ممن يفعلونه إذا فعلوه قد يشعرون بأنهم أبدوا التعظيم الواجب للرسول عليه الصلاة والسلام ثم يكسلون بعد عما له من حقوق التعظيم الأخرى التي هي مشروعة وثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن من عمل هذا العمل شعر بأنه الآن بعد عمله ذلك انتهي ما يجب عليه من تعظيم الرسول الكريم في هذه المناسبة ثم بعد ذلك قد يطرأ على نفسه شيء من الفتور وهذا أمر خطير ثم إننا نقول أيضًا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حينما جاء إلى المدينة ورأى للأنصار عيدًا يلعبون فيه قال لهم الرسول الكريم: «إن الله أبدلكم بعيدين خير منه»، وذكر عيد الأضحى وعيد الفطر ولو كان للمسلمين عيد ثالث سنوي لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم فالذي ندعو إليه إخواننا المسلمين بهذه المناسبة أن يتقيدوا بما جاء من شريعة الله على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مغالين فيه ولا مجافين عنه وكفى بالعبادات التي شرعها النبي صلى الله عليه وسلم كفى بها تعظيمًا له عليه الصلاة والسلام.
وإننا لسنا ندعو إلى أن يدع الناس كثرة الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم بل نأمرهم ونقول لهم أكثروا من الصلاة على الرسول الكريم في كل وقت وفي كل مكان لأن الله أمر بذلك في قوله :«إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا»، فأنت تجد تأكيد الأمر بالصلاة عليه والسلام حيث صدره بذكر أنه يصلي عليه وملائكته ثم نادى باسم الإيمان ووصف الإيمان يا أيها الذين آمنوا ومعنى ذلك أن الإيمان من مقتضى امتثال أمر الله سبحانه وتعالى بالصلاة والسلام على الرسول «يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما». فالصلاة والسلام عليه والثناء عليه بما يستحق وذكر فضل شريعته وحكمها وأسرارها والدعاء إليها كل ذلك من الشرع ومما نؤكده لعموم المسلمين كما أن محبته واجبة ولا يتم الإيمان إلا بها ومن قدم على محبة الله ورسوله شيئًا فإنه قد عرض نفسه للعقاب يقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ ﴾ (سورة التوبة :24) فمحبة النبي عليه الصلاة والسلام فريضة وتقديم محبته على النفس والإيمان على النفس والولد أمر واجب لا يتم الأيمان إلا به كما ثبت عنه ﷺ أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب اليه من ولده ووالده والناس أجمعين».
وقال عليه الصلاة والسلام: »ثلاثة من كن به ذاق حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار».
إنني بهذه المناسبة أدعو جميع إخواني المسلمين إلى كلمة سواء لنرجع إلى كتاب الله وإلى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وأن نقتصر على ماجاء بهما من عبادة الله سواء ما يتعلق بحق الله الخالص أو ما يتعلق بحق الرسول صلى الله عليه وسلم غير مقصرين في ذلك ولا غالين فيه وبهذا تتم لنا السعادة في الدنيا والآخرة ويحصل لنا محبة الله ومغفرته «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم» والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل