; الخطَّاؤون | مجلة المجتمع

العنوان الخطَّاؤون

الكاتب د. إيمان الشوبكي

تاريخ النشر الأحد 01-نوفمبر-2015

مشاهدات 78

نشر في العدد 2089

نشر في الصفحة 76

الأحد 01-نوفمبر-2015

  • كلما كان الشريكان من بيئة متشابهة تحكمهما عادات وتقاليد ومفاهيم متقاربة كان أسهل في الانسجام والتآلف
  • لو تعاملنا بمبدأ "كلامي خطأ يحتمل الصواب وكلام غيري صواب يحتمل الخطأ" لهانت أمور كثيرة بيننا.. لكننا نصدِّر الأخطاء لغيرنا ونحملهم تبعاتها
  • تسعة أعشار الأخلاق في التغافل والتغافر لأن ذلك يفتح باب الرجوع والاعتراف بالخطأ وتصحيحه

هنا سنتحدث عن أمر مهم وخطير جداً، يصل إلى الطلاق بين الزوجين أحياناً، وإلى التناحر والخصام بين الفرقاء والشركاء والأصدقاء. 

قالت: أكيد عدم الاحترام بينهم. 

قلت: لا. 

قال: لا.. لا.. بل هي الواجبات والحقوق. 

قلت: لا.. ذلك نتيجة عدم الاحترام والتقصير في الواجبات. 

قالا: وما هو؟ 

قلت: الخطأ. 

قال: وماذا فيه؟ 

قلت: كلنا خطاؤون، وكما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏:‏ ‏"‏كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الخطَّائين التَّوَّابُونَ‏"‏‏.‏

فالخطأ وارد ومتوقع من الجميع، مع تفاوت مستواه ونوعه وأسبابه، لكن معالجة الخطأ والاعتراف به هو المشكلة الحقيقية. 

قالت: وهل منا من لا يعترف بخطئه وذنبه؟! 

قلت: أنا هنا لا أقصد الخطأ الشرعي، فهذا بينك وبين ربك، ولكن الخطأ السلوكي في حق الآخرين وغيره. 

قال: بالفعل، في الحديث خير الخطائين التوابون يعني أنهم علموا بخطئهم واعترفوا به وسلكوا طريق العلاج. 

قلت: أحسنت، ها هي أخطاؤنا تمر بمراحل قد يخفق بعضنا في بعضها أو كلها فتكون النتيجة غير سوية. 

قالت: وأي المراحل في تلك يكون أصعب على الإنسان؟ 

قلت: يتفاوت الناس حسب شخصياتهم وأنماطهم. 

قال: اذكري ما عندك من تصنيفات. 

قلت: كما أن الناس أنواع في تفكيرهم وتصرفاتهم؛ فأكيد أيضاً هم أنواع في الخطأ وكيفية التعامل معه، وهنا يكمن الخطر؛ فكلما كان الشريكان من بيئة متشابهة تحكمهما عادات وتقاليد ومفاهيم متقاربة؛ كان أسهل في الانسجام والتآلف، بغض النظر عن الدخول في تفاصيل هذه العادات والتقاليد في تصنيفها الشرعي أو منطقها العقلي, فالتقارب يضيق مساحة الاختلاف بينهما. 

قالت: على هذا؛ هل تفضلين أن يكون الشريكان من منطقة واحدة أو بلد واحد؟ 

قلت: لا.. هذا صعب ضبطه، لكن الحاكم في ذلك هو كلما تشابهت قيم وعادات الأسرتين؛ كان أفضل، بغضِّ النظر عن مكان سكنهم وإقامتهم. 

قال: لِمَ؟ أليس من التكيُّف أن نتأقلم مع بعضنا؟ 

قلت: انتبه، إن ما يراه أحدهما واجباً قد يراه الثاني شكليات وكماليات مثلاً، وهنا رؤيتنا للخطأ ستختلف، هذا بالإضافة للقناعات. 

قالت: وماذا عن الاعتراف بالخطأ؟ 

قلت: هنا يسكن الخطر الحقيقي.

قال: لماذا؟ 

قلت: كل ما سبق قوله يمكن أن نقارب وجهات النظر فيه، ويتم التفاهم والتعاطي مع مفرداته، وأن يتنازل كل طرف حتى تستقر الأمور والحياة بينهما، أما الاعتراف اللفظي فهو يخضع لشخصية كل واحد. 

قال: أليس هذا التنوع نوعاً من أنواع التكامل؟ 

قلت: ليس في كل الأحوال؛ لأن هناك من لا يعترف بخطئه أبداً ولا يصلحه، ومنا من لا يعترف ولكن يصلحه بصمت مع الوقت، ومنا من يعترف ولكنه يعجز عن الإصلاح لضعف عزيمته، ومنا من يصلح ويعترف مع الوقت والعشرة الطيبة بأن الخطأ خطأ، خاصة في الرجال؛ قد يصعب عليهم الاعتراف اللفظي بالخطأ، لكن لديهم من الوسائل الضمنية للاعتراف. 

قالت: هل يختلف الرجال عن النساء في الاعتراف بالخطأ؟ 

قلت: قليلاً.. فقد يكون لسمْت الرجل الذكوري وقوامته ودوره كزوج وأب وأخ ومسؤول يصعِّب المهمة قليلاً على الاعتراف اللفظي فقط، لكن فيما عدا ذلك الأمر يتساوى بين الرجل والمرأة. 

قال: هل ممكن أن يكون الإنسان بين هذا وذاك؟ 

قلت: بين ماذا؟ الرجولة والأنوثة؟ 

ضحك وقال: لا طبعاً.. أقصد هل ممكن الجمع بين هذه الأنواع في شخصية واحدة؟ 

قلت: قد يبدو لك هذا. 

قال: كيف؟ 

قلت: يتحكم في هذا أحياناً طريقة تعامل الطرف الآخر مع خطأ الطرف الأول التي تكون بمثابة البوصلة التي توجه الخطأ إلى الاعتراف به أو العناد والتعنت والتمادي فيه، أو الامتنان للشريك بصبره عليه والاعتراف الكامل، وهذا مع حسن العشرة والمعاملة الطيبة ووجود الثقة والمودة. 

قالت: بالفعل، كثير من المشكلات أساسها لوم على خطأ يقابله خطأ من الطرف الآخر.. وهكذا. 

قلت: لو أننا نعطي لأنفسنا فرصة لسماع الآخرين، ثم فهم ما يقولون كما هو، ثم تحديد الخطأ للعلاج، ولو تعاملنا بمبدأ "كلامي خطأ يحتمل الصواب، وكلام غيري صواب يحتمل الخطأ" لهانت أمور كثيرة بيننا، لكننا نصدِّر الأخطاء لغيرنا ونحملهم تبعاتها. 

قال: سبحان الله! الخطأ في حق الله عز وجل تمحوه العودة والرجوع عنه، أما نحن العباد لا نسامح ولا نغفر. 

قالت: ولذلك يتعاظم على الإنسان الاعتراف بالخطأ أحياناً. 

قلت: يقال: إن تسعة أعشار الأخلاق في التغافل والتغافر، هنا يفتح الباب للمخطئين والمسيئين في حق الآخرين، الرجوع والاعتراف؛ لأن من أكبر أسباب الخوف من الاعتراف بالخطأ وتصحيحه هو لوم المحيطين بنا، بل يصل لدرجة الجلد والشماتة أو الاستهزاء. 

قالت: إن أسوأ ما فيها هو الاستهزاء.

قال: بالفعل، اعتماد أسلوب الاستهزاء كنهج للتعبير عن غضبنا أو عقابنا للآخرين يفقدنا جميعاً احترامنا لبعضنا ولذواتنا ويهرب الآخرون منا. 

قلت: نحن نركز دائماً على الاعتراف بالخطأ لفظياً وصراحة، ونريد استنطاقه ممن أمامنا، ولا نركز على العلاج والنتيجة النهائية. 

قال: وهل نمط الشخصية له دور في ذلك؟

قلت: بالتأكيد، فبعض الناس لا يهمه إلا ذاته، يعتبر الاعتراف بالخطأ نقيصة أو ضعفاً، فمن الأفضل لهؤلاء أن تدعهم ولا تطِل الجدال معهم حتى تحفظ ماء الوجه ليصححوا بأنفسهم دون الاعتراف اللفظي، ولا تعلِّق على تصرفاتهم بعد التصحيح، مثلاً "ما أنا قلت لك ذلك.. هذا ما كنت أقصده.."، وهكذا. 

ونوع آخر يستجيب سريعاً؛ مرضاة للآخرين، وحباً للعيش في سكينة وهدوء بعيداً عن أي منغصات، حتى ولو كان ثمن ذلك الاعتذار عن أي شيء حتى ينتهي الموقف، ثم هناك الشخصية المعتدلة إلى حد ما التي تعترف وتصحح وتعترف لفظياً، ولكن يصاحبها أحياناً النقد أو الصمت أو الدعابة مع الاعتراف حفظاً لماء الوجه له. 

قال: ونحن حفظاً لماء الوجه والاعتراف بأننا أطلنا النقاش، نتركك لعملك على وعد اللقاء القادم معك. 

قلت: وأنا اعترافاً لكما؛ كم أستمتع بنقاشكما الذي ينبئ ببيت زوجية راقٍ وسعيد إن شاء الله، وإلى اللقاء. 

 

الرابط المختصر :