; الحلقة الخامسة والخمسون: إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة: العلاقة بين دولة الخلافة: والحركة الوهابية العلاقة بين دولة الخلافة والحركة الوهابية | مجلة المجتمع

العنوان الحلقة الخامسة والخمسون: إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة: العلاقة بين دولة الخلافة: والحركة الوهابية العلاقة بين دولة الخلافة والحركة الوهابية

الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 31-مارس-1981

مشاهدات 116

نشر في العدد 522

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 31-مارس-1981

▪ الأمير عبد الله يقر للسلطان محمود بالولاء، وينفي دعوى الخروج.

 

▪ الأمير عبد الله استعمل الأسلوب السائد في مكاتبات ولاة دولة الخلافة عند مخاطبته السلطان كأحد ولاته أو أتباعه.

 

 تعرضنا في الحلقة السابقة إلى محاولة تصور العلاقة التي ربطت بين الحركة الوهابية ودولة الخلافة في عهد الأمير سعود، وتوصلنا إلى خطأ الطرفين الذي أدى إلى تلك النتيجة التي خسر فيها الطرفان جهدًا وقوة، كان المجتمع الإسلامي في أمس الحاجة لهما.

 

 وفي هذه الحلقة سنتعرض لتلك العلاقة التي يمثلها عن الحركة الوهابية الأمير عبد الله خليفة الأمير سعود رحمه الله، ويمثلها عن دولة الخلافة السلطان محمود.. ولم نتتبع بالتفصيل السير التاريخي بالأحداث والتقلبات، إلا بقدر ما يفيدنا في إبراز العلاقة بين الطرفين وتقييم ذلك.

 

 وقبل هذا وذاك نود أن نلمح إلى جزئية مَّا نظنها تخفى وهي على جزئيتها إلا إنها ذات أبعاد شرعية وواقعية هامة، خصوصًا في مجال الحكم على الأشخاص في تصويب أعمالهم أو تخطئتها، ونعني بذلك مبدأ الخروج عمومًا والخروج فعلًا على دولة الخلافة، فصورة عصيان دولة الخلافة والخروج عليها ولو بحد السيف لا يماثل الخروج حقيقة على دولة خلافة راشدة تحكم بكتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، فإن الخروج حينئذ خروج حقيقي تترتب عليه أحامه مجتمعة، أما وضع دولة الخلافة في تلك الفترة التي تتكلم عليها فإن ما فيه من عدم الاستقرار الشرعي.. والوضع المنافي في كثير من جنباته لما يستلزمه السير على كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، بل إن بصمات القانون كانت واضحة فيما خلا الأحوال الشخصية والقضايا المدنية.. وتجنيب كتاب الله وسنة رسوله سدة الحكم لا يعلوه ذنب. أضف إلى ذلك الممارسات السلطانية الخاطئة.. كل ذلك ينبغي ألا يخلو منه ميزان التقييم في سير الأحداث.

 

 إلا أمرًا واحدًا ومن زاوية واحدة تجعلنا نستعمل كلمة الخروج، وبكل اطمئنان، ذلك أن إجماع المسلمين الواعين الرامين إلى عز الإسلام، وحفظ بيضته من أن تثلم أو تهدم كان مستقرًا على أن وضع دولة الخلافة العثمانية ينبغي إصلاحه لا هدمه، وأن هدمه لن يكون في أي صورة أو وضع من الأوضاع في خدمة الإسلام والمسلمين، ولا شك أن من صور هدمه حربه، وبالتالي الخروج عليه ومن تلك الزاوية فحسب.

 

 ونكتفي بهذه اللمحة والوقفة اليسيرة، ولعلنا نستطيع بسطها في وقت آخر إن شاء الله.

 

ونتابع ما بدأنا به فنقول: إن العلاقة بين دولة الخلافة والحركة الوهابية أخذت طابعها وإطارها النهائي في إعلان الحرب وتسيير الجيوش، ودخول قوات محمد علي باشا مكة والمدينة، وفي هذه الأثناء توفي الأمير سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود رحمه الله تعالى.

 

 وذلك سنة ١٢٢٩هـ، وبويع من بعده ولي العهد ابنه عبد الله بعد أن وفدت عليه الوفود من أنحاء الجزيرة العربية باديها وحاضرها.

 

● ولقد تابع الأمير عبد الله خط الصدام والحرب مع محمد علي، وكانت الحرب سجالًا بينهما، ومع أن الأمير عبد الله نجح في تجميع قوات ضخمة، وتكوين جبهة واحدة من الحجاز ونجد وعمان ووادي الدواسر، والجبل والجوف وما بينهما من البادية والحاضرة، إلا أن كفة قوات محمد علي كانت راجحة، واستطاعت قوات محمد علي أن تزحف زحفًا ثقيلًا بطيئًا، كلفها كثيرًا من التضحيات واستمر زهاء خمس سنوات، حتى استطاعت تلك القوات الوصول إلى معقل الحركة في «بلدة الدرعية» وذلك عام ١٢٣٣، ولم يكن دخول الدرعية سهلًا، فلقد حشد له الأمير عبد الله كل جهوده وقواته، ودارت معارك سيظل التاريخ يذكر المسلمين مآسيها وآلامها ومصائبها الفادحة.. ثم يذكرهم نتيجة الخسران للمسلمين، والكسب لأعدائه.

 

 ويهمنا بعد هذا أن نلقي الضوء على سير العلاقة وتطورها بين الحركة ودولة الخلافة في عهد الأمير عبد الله، والتي انتهت بانتهاء الطور الأول للحركة الوهابية، أو بمعنى آخر انتهاء الدولة السعودية الأولى التي أسسها الأمير محمد بن سعود والتي دامت ست وسبعين سنة. لقد بادر الأمير عبد الله إلى إجراء تغيير جذري على سير الأحداث مع بداية عهده، فمع أنه حقق بعض الانتصارات على جيوش محمد علي بقيادة ابنه طوسون إلا أنه كان يطمح إلى الصلح وحقن دماء المسلمين، وكان يرى في هذا الصلح فترة مناسبة لتوضيح موقف الحركة الوهابية من دولة الخلافة، ويحاول رد الشبهات التي غذيت بها دولة الخلافة.

 

 وسنستعرض ثلاث رسائل هامة بعث بها الأمير عبد الله، واحدة للسلطان محمود، واثنتين للوالي محمد علي باشا.

 

 وستكشف تلك الرسائل عن تغيير جذري في تصور وعلاقة الحركة بدولة الخلافة:

 

● أما الرسالة الأولى: فقد جاءت بعد انعقاد الصلح بين الأمير عبد الله وطوسون، وكانت بنود الصلح تشير إلى أن كفة الطرفين متوازية إن لم تكن كفة عبد الله راجحة، فإن الشروط فيها من الكسب لطرف الأمير عبد الله ما لا يخفى..

 

فكانت نصوصها تتضمن الآتي:

 

1- أن تضع الحرب أوزارها بين الجانبين.

 

2- يرفع الترك أيديهم وتنسحب جيوش محمد علي عن نجد وتوابعها، ويستقل آل سعود بحكمها.

 

3- يبقى الحجاز تحت حكم محمد علي يُسيره بِاسم دولة الخلافة.

 

4- تأمين طريق الحجاج وعدم اعتراض أي من الطرفين عليهم.

 

5- تأمين النقل والتحرك بين الطرفين من بلاد الشام ومصر وجميع ممالكهم، إلى نجد والشرق وجميع ممالك الأمير عبد الله.

 

 وبموجب هذا الصلح رحل المصريون عن نجد، وسافر طوسون إلى مصر.

 

 ونرجح أن هذه الرسالة كتبت عام 1230 هـ - 1841م بعد عقد الصلح مباشرة بين الأمير عبد الله، وأحمد طوسون باشا، وقبل اعتماد الصلح من محمد علي، لأن الرسالة لا تحمل ما يشير إلى ذلك، ولعلها أيضًا في شهر شعبان من تلك السنة، لإشارة المؤرخ ابن بشر إلى أنه بعد إتمام الصلح رحل الترك من الرس أول شعبان متوجهين إلى المدينة (1). وسيأتي ما يؤيد أنها كتبت في هذه السنة حينما نتعرض لرسالة الأمير عبد الله إلى محمد علي باشا.

 

● ولننظر الآن إلى فحوى هذه الرسالة الوثائقية الهامة الموجهة من الأمير عبد الله إلى السلطان محمود، وقد قدمت بعبارة عربية، فهي ليست مترجمة حتى يدخلها تغيير تبدأ الرسالة بـ«بسم الله الرحمن الرحيم» الحمد لله الذي جعل للداء العضال دواء، وحسم وألغى نيات الأعداء السيئة بالصلح والصلاح، اللذين كانا أول مانع من الوقوع في المهالك المهلكة، والصلاة والسلام على أشرف خلقه وأصفيائه محمد خاتم أنبيائه الذي بلغ أحسن أنبائه وعلى آله وأصحابه والتابعين وبعد:

 

 فإني أطوف حول كعبة آمال العبيد التي هي أعتاب دولة مولانا، قطب دائرة الوجود وروح جسد العالم الموجود، وملاذ الحاضر والبادي ومحط رحال آمال الرائح والغادي، علم الأعلام، إنسان عين أعيان الأنام، من نام في ظل عدله كل خائف ولجأ إلى حماه كل عاقل عارف، ذي الأخلاق التي هي أرق من نسيم الصبا مع الهيبة التي تحل من أجلها الحبا، سلطان البرين وخاقان البحرين، الذي برز بطلعته طالع السعود السلطان بن السلطان سيدنا السلطان محمود الغازي.

 

● ويلحظ من ابتداء هذه الرسالة وفي افتتاحيتها استعمال الأمير عبد الله الأسلوب السائد في مكاتبات ولاة دولة الخلافة، وهو يخاطب السلطان كأحد ولاته وأتباعه، ولا شك أن هذا الأسلوب سيكون له واقع مؤثر لدى دولة الخلافة، خصوصًا وأنه يصدر من أحد خصومها الأقوياء.

 

(1) عنوان المجد 1/ 185.

 

 ثم يبدأ في عرض مضمون الرسالة فيقول -بعد أن ذكر ملخصًا في مقدمتها، وهو تقرير الصلح الذي يقول فيه وحده تفويت الفرصة على المغرضين-: وأقدم عريضتي هذه المشتملة على الضراعة، وهي أنه لما كان عبدكم هذا من المسلمين الذين لا ينفكون عن أداء شروط الإسلام، التي هي إعلاء كلمة الشهادة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج بيت الله الحرام، ومنع الظلمة من الإضرار بالناس وكف أيديهم، والحث على تأدية الواجبات التي هي حقوق الله تعالى ومفروضاته، فوفقًا للأوامر الشاهانية نمنع الظالم المخيف، ونضع يد الإسعاف والمعاونة في يد المظلوم والضعيف، ونرد النفوس الأمارة عن اتباع أهوائها، ونسوقها ونقتادها إلى المنهج الشرعي الشريف».

 

 وقد عمد في هذه الفقرة إلى بيان ما عليه نهج الحركة الوهابية في عقيدتها وتعاملها، فليست مذهبًا أو دينًا جديدًا، وإنما هي عقيدة وعمل وتغيير في واقع الناس لما يرضي الله سبحانه، ولما كانت هذه واجبات على العباد وحقوق الله تعالى، فإن دولة الخلافة تأمر بها وتحث عليها، ومن هذه الزاوية علل الأمير عبد الله بذكاء، قيامه بواجب التغيير دون طلب من دولة الخلافة، إذ أمرها مفروض أو مفترض وهو القادر على تنفيذه، فكأنه فعلًا يقوم بتنفيذ الأوامر الشاهانية.

 

● ثم يبين أن هذا التغيير للمنكر وحمل الناس على فعل الخيرات واجتناب المنكرات، وانقياد الناس وامتثالهم لذلك، هو الذي أشعل نار الحقد والحسد بين الحركة وخصومها، وعلى رأسهم الشريف غالب، وفي ذلك يقول في الفقرة التالية: «ولذلك فقد حسد حضرة الشريف عبدكم هذا من عدوانه له، ورماه بسهام الافتراء وجمع وحشد عساكره بمظاهرة البدو والحضريين لقتالنا، ولكن لما كان قتاله لنا ظلمًا وافتراء، وقتالنا دفعًا للشرور والبلوى عاد مخذولًا بصفة خاسرة، ومع ذلك صرت أحج كل عام كسائر المسلمين».

 

● وهو هنا يشير إلى بداية العلاقة بين الحركة والشريف غالب منذ أواخر عهد الإمام محمد بن عبد الوهاب، حين بدأ الشريف غالب بالتحرش بالحركة ثم رد الأمير سعود على تحركه.. بتحرك مضاد.. ثم دخول مكة المكرمة.. ثم يبدأ في بيان دسائس الشريف غالب منذ عهد الأمير سعود، وهي دسائس كان يدسها الشريف غالب إبان وجود العلائق بينه وبين الأمير سعود في فترة الصلح بينهما، وذلك منذ عام 1212هـ إلى عام 1217هـ، حيث انتقض الصلح بينهما وانقطعت العلاقة بدخول الأمير سعود الحركة.. ثم عقد صلح آخر عام 1220هـ إلى 1224هـ، حين دخلت قوات طوسون مكة المكرمة وقائدهم الشريف، فيقول «ومع أني لم أحدث حدثًا في الحرمين المحترمين تشبث المشار إليه -أي الشريف غالب- بأذيال الخدعة والحيلة، وادعى بأن الحجاج الواردين من قبل الدولة العلية لم يكن لهم غرض إلا السعي في الفساد وقتل النفوس في الحرمين الشريفين، وخدع عبدكم والدي وأغراه بزخرف الأقوال العلية عن هذا الخصوص، بحجة أنه سيرسلها بواسطته، وكتب عرائض أخرى مزورة على لسان والدي مخالفة للعرائض الأولى وقدمها إلى الباب العالي، كما تحقق ذلك وتبين فيما بعد، وإنه وإن كان رأى ثمرة سوء أفعاله تصديقًا لقوله تعالى ﴿وَلَا يَحِيقُ ٱلۡمَكۡرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهۡلِهِۦ﴾ (فاطر: 43).

 

● وفي تلك الفقرة يتكلم الأمير عبد الله عن قضية منع الحجاج، ويكشف هنا اللبس الذي وقعت فيه دولة الخلافة واعتقدت أن الأمير سعودًا هو الذي منع حجاج بيت الله الحرام، وقد تناولنا هذا مبسوطًا في مقال سابق.

 

 وفي هذا دلالة على أن الأمير سعودًا كان يراسل دولة الخلافة من قبل، إلا أن مراسلاته لم تكن تصلها بسبب صنيع الشريف غالب غفر الله له.

 

● وفي آخر الفقرة يشير الأمير عبد الله إلى أن مكر الشريف إنما حاق به، ويريد بذلك ما فعله به محمد علي حين دخل مكة، حيث استغله فترة ثم قبض عليه وجرده من أمواله، وسيره إلى مصر ثم إلى إستانبول، حيث مات في سلانيك وذلك في آخر رمضان من سنة ١٢٣١هـ.

 

 ثم يتعرض لنفس المرحلة مع الشريف غالب فيقول «ولكننا لم نتدخل في شؤون البنادر الموجودة تحت يده، ولم نجر الفساد الذي سعى فيه بين رعايا الدولة العلية، وإنما وافقناه على إرجاعه حجاج المسلمين برأيه الخاص مجاراة له، ومن الواضح أننا لا نجرؤ على منع حجاج المسلمين أصلًا، لكونهم متظلين بظل سطوة حمايتكم الشاهانية، ولما كان حجاج المسلمين رحمة عامة لكافة البلاد والعباد، وروافض الأعجام -أي العجم المسمون بالروافض- طامة وأي طامة، فالمشهود عنا أننا لا نتدخل ولا نتعرض بأي وجه كان لمرور حجاج روافض الأعجام وعبورهم في كل عام من حوالينا، وعلى العموم فإن كل ما نسب إلى عبدكم هذا من أمور الطغيان والخروج كلها، ناشئ عن خدعة الشريف المشار إليه ودسيسه، وقد كتم وأنكر ما بذلناه له من الحسنات، وحرض الناس علينا ودعاهم إلى قتالنا بدون علمنا بذلك، وفي النهاية جند الجند ووصل الأمر إلى مثابة إهلاك الحرث في أرض الغور والنجد، أي الأرض المنخفضة والمرتفعة دلالة على شمول الإهلاك».

 

● ويلاحظ وضوح معنى الخروج عند الأمير عبد الله في بداية هذه الفترة، فإن معاداة الشريف وحربه وأخذ ما تحت يده يعد خروجًا على دولة الخلافة لأنه يمثلها وباسمها يحكم، ومن هنا فإن الأمير عبد الله عالج الأمر بطريق آخر، وأشار إلى المرحلة الأولى بأنهم أحسنوا الظن به وأنهم يتدخلون في شؤون ما تحت يده من البلاد الحجازية، ثم يكرر قضية إرجاع حجاج البيت وأن الشريف وحده يتحمل مسئوليتها، لأن هذا المنع فيه ما فيه من مواجهة الدولة العلية ومعاداتها، فحجاج المسلمين من شتى الأقطار إنما هم في حماية دولة الخلافة وتحت سلطانها، يأمن جميع حجيج المسلمين كلهم، فمنذ أن تقلدت الدولة العثمانية شرف الخلافة الإسلامية، وسلطانها يلقب.. بحامي وخادم الحرمين الشريفين.

 

● ثم يبين أن خلافهم مع حجاج فارس مع أنه خلاف جوهري، إلا أنه لا يملك منعهم من حج بيت الله الحرام.

 

● ثم ينفي بصراحة بأن كل ما نسب إليه من أمور الطغيان وتجاوز الحد والخروج على دولة الخلافة كله من دسائس الشريف، والذي يؤخذ من هذه الفقرة ضمنًا أن الحركة الوهابية اتبعت أسلوب التدرج في علاقتها مع الشريف غالب الذي يمثل دولة الخلافة في مكة المكرمة، فعقدت معه الصلح أولًا لعلها تستطيع أن تصلح ما فسد في بلد الله الحرام، وقد أحسنت النية بالشريف غالب، لكنه واجهها بالخديعة والدسيسة، ثم تجاوز ذلك إلى حد الإفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل مما أوجب على الحركة أن توقفه عند حده، وتتدخل بمنطق القوة وتدخل مكة المكرمة، هذا هو التعليل والتبرير لما أقدم عليه الأمير سعود وتممه الأمير عبد الله، وهذا المعنى تستلزمه الفقرة الأخيرة ضمنًا.

 

● ثم يتعرض الأمير عبد الله في نهاية الرسالة إلى العلاج الذي ينبغي أن يتدارك الحالة الراهنة، كي لا تتدهور إلى أسوء مما هي عليه، وهذا إنما يكون بإقرار الصلح الذي تم.

 

 فبقوله «وقد شمر حضرة صاحب الدولة الوزير الحاج محمد علي باشا والي مصر الحالي الموصوف بالجلاد، عن ساعد الاهتمام والإقدام وأحال سيف الحرب والانتقام على العربان المحتشدين بالحرمين الشريفين وفي سائر الأقطار الحجازية، فأرسل نجله المحترم والي جدة الوزير المكرم صاحب الدولة طوسون أحمد باشا، مع الجيش الخديوي المظفر الذي سقى الأعداء سم العدم إلى موضع يسمى القصيم، فلما وصل الوزير المشار إليه إلى الموضع المذكور، ونصب فيه الخيام واتخذه مقرًا للحرب والجدال، وعَدَّ عبدكم هذا من ضمن الذين عصوا الدولة العلية، وأوقد نار الحرب ضدنا، أوضحنا لدولته كيفية أحوالنا وعرضنا اعتقادنا الصحيح إلى حضرة والده العالي المشار إليه، والتمسنا الأمان من ذاته العلية صيانةً لروح عبدكم هذا، وأرواح قومنا وقبيلتنا وسائر من بجوارنا، على أن تعلن الإطاعة للدولة العلية من الآن، ونتبرأ من الذين اجتمعوا على تفريق الجماعة، ورغبت في الصلح والصلاح وبادرت بهما بحسب ما يجب على ذمة عبوديتي التي تقتضيه حقوق الرعية، وقدمت عريضتي هذه التي هي أشهر من المثل السائر مصداقًا لصداقتي، على أن لا أنفك عن قيد الإطاعة، وأن أعد من عبيدكم القائمين بجميع خدمات الدولة العلية، فهي برهان قاطع يشهد بأني قائم بالدعوات في الأعياد والمحافل وعلى المنابر بدوام عمركم ودولتكم، وحينما يحاط علم مراحمكم بما ذكر أن تتفضلوا بالسماح والتجاوز عن جرائم عبدكم هذا، وزلاته السابقة واللاحقة ومحوها بالصفح الجميل عملًا بقوله تعالى: ﴿وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ ﴾ (آل عمران: 134)، وذلك بمقتضى حلمكم ومرحمتكم وشفقتكم اللتين هما ظل لأمن كل خائف وأمانه، وهم شوكتكم وصلاتكم الملوكيتين القويتين اللتين هما فاحمتان لجلامد الصم، والأمر والإرادة لحضرة من له الأمر. 

 

 ويختم الرسالة بختم دائري ثم، الواثق بالله المعبود، عبد الله بن سعود، تحية عبد الله بن سعود.

 

 يتعرض الأمير عبد الله في تلك الفقرة إلى مرحلة الصدام وتسيير الجيوش نتيجة للدسائس السابقة لضرب الحركة الوهابية في معاملتها، وأوقد نار الحرب التي لم يكن لها ما يبررها، فلسنا أعداءً ولا أندادًا للدولة العلية، ولسنا عاصين لأوامرها أو خارجين عن طوقها، ولا في عقيدتنا انحراف، وقد بادرنا بإرسال من يوضح معتقدنا وفهمنا الصحيح للإسلام، ولم نكتف بذلك بل أرسلنا إلى والده، محمد علي كذلك من يشرح له حقيقة ما عليه الحركة في عقيدتها وسلوكها، وهذه الإشارة من الأمير عبد الله، يحتمل أن يكون قصد بها ذلك الوفد الذي نرجح أنه حمل معه وثيقة الصلح، وهما الشيخ عبد الله ابن محمد بن بنيان صاحب الدرعية، والقاضي عبد العزيز بن حمد بن إبراهيم (1). واختيارهما من العلماء إنما يكشف عن هدف إرسالهما، وقد قابلا محمد علي فعلًا، ورجعا بعد أن أديا مهمتهما وانتظم الصلح بعدما قبله محمد علي، وعلى هذا فإن هذه الرسالة ينبغي أن تكون كما ذكرنا قبل قليل في سنة 1230.. بعد عقد الصلح مباشرة وقبل اعتماده من محمد علي، ثم يبين الأمير عبد الله أن الهدف الذي تريده دولة الخلافة ومحمد علي باشا متحقق، فإنه ومن معه يعترفون بسلطة الدولة العلية ويعلنون الطاعة لها، ويبرأون ممن يكون سببًا في شق عصى الطاعة، وما قبول الصلح إلا دليل على ذلك، وما تحمله تلك الرسالة من معان لا تحتمل غير ذلك.

 

 وتشير عبارات الأمير عبد الله هنا إلى أن النقض لهذا الصلح إن كان فسيكون من محمد علي باشا، مع علمه بعد هذا كله أننا لسنا خارجين وليس في عقيدتنا انحراف، فلا يوجد البتة ما يدعو إلى نقض الصلح أو عدم قبوله، ولا شك أن دولة الخلافة ترغب في الصلح ويكفيها من الحركة الوهابية إعلان الولاء الاسمى لها، ومن ناحية أخرى لا ترغب من زيادة طموح محمد علي فوق طموحه، فتجعل منه بطلًا وندًا في آن واحد، وربما لا تستطيع تطويقه في مرحلة ما.. ولذلك فإن لجوء الدولة العلية إلى محمد علي في إخماد الحركة الوهابية إنما جاء اضطرارًا، فإن قوة الحركة الوهابية يومئذ لم تكن تدانيها قوى الجبهات المجاورة كبلاد الشام والعراق، خصوصًا وأنها جربت سابقًا محاولة الحركة بإيعازها إلى والي العراق.

 

 ومن تلك الإشارات السياسية الواعية، تدرك دولة الخلافة بجلاء أنه ليس من مصلحتها أن يسير محمد علي باشا جيوشه في عمق بلاد نجد، ويلاحق الحركة الوهابية حتى معاقلها، وبالتالي فإن مصلحتها كامنة في تعزيز الصلح وإقراره، وحمل محمد علي على ذلك.

 

 ثم يؤكد الأمير عبد الله مرة ثانية في آخر رسالته على هذا المعنى، مشيرًا للولاء لدولة الخلافة وأنه سيكون بمثابة أحد ولاتها، فيؤكد أنه يدعو لها في الأعياد والمحافل وعلى المنابر بطول عمرها، وعمران دولتها.

 

 ثم يختم رسالته بما يشبه الاعتراف بالخطأ في حربها ابتداءً، وأن هذه المبادرة منه في عقد الصلح تخفف من ذلك الخطأ، وتعزز صدق الولاء الذي ستتضمنه هذه الصفحة الجديدة بعدما تصفح دولة الخلافة عما سبق.. ولكن.. هل استطاع الأمير عبد الله أن يؤثر على دولة الخلافة في هذا السبيل، أو بمعنى أصح هل استطاعت دولة الخلافة إيقاف أو إقصاء محمد علي باشا عما يريد؟! هذا ما ستكشف عنه المراسلات اللاحقة..

 

(1) عنوان المجد 1/ 185.

 

(1) عنوان المجد 1/ 185.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 82

102

الثلاثاء 19-أكتوبر-1971

اللفظ الحلو

نشر في العدد 2089

76

الأحد 01-نوفمبر-2015

الخطَّاؤون

نشر في العدد 1293

98

الثلاثاء 24-مارس-1998

استراحة المجتمع (العدد 1293)