; صفحات من دفتر الذكريات (٥٢) الوطنيون المغاربة | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من دفتر الذكريات (٥٢) الوطنيون المغاربة

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 20-يونيو-1995

مشاهدات 55

نشر في العدد 1154

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 20-يونيو-1995

كان صديقي الدكتور محمود أبو السعود قد ذهب إلى المغرب عام ١٩٥٥م، بعد خروجه من المعتقل، وكان يواصل الكتابة إلي ويشكو من أن المغرب الأقصى، لا يعرف الزمن أي أن كل شيء فيه بطيء، وكنت أفسر ذلك بأنها بلد شاسع كبير، مترامي الأطراف متنوع الأجواء والتضاريس، وأنه بلد عريق يقيس تاريخه بالقرون لا بالسنين، ويؤيد ذلك بأن الاستعمار لم يستطع أن يقتحمه إلا في عام ١٩١٢م، بعد أن مضى على احتلاله للجزائر المجاورة له ما يقرب من مائة عام.

وبعد أن مضى ثلاثون عامًا على احتلال فرنسا لتونس، واحتلال بريطانيا لمصر ، وكلاهما تم في عام (۱۸۸۲م) ورغم أن الاتفاق الودي، المشهور بين بريطانيا وفرنسا والذي وقع سنة ١٩٠٤م، وقد تم فيه تقسيم مناطق النفوذ بينهما، واتفقا على أن يكون لبريطانيا نفوذها في مصر مقابل نفوذ فرنسا في المغرب، وكانت بريطانيا قد احتلت مصر قبل توقيعه فعلًا في عام ١٩٠٤م، ومع ذلك فإن فرنسا لم تهاجم المغرب إلا بعد ثماني سنوات من توقيعه، ثم إنها لم تتمكن من احتلاله بصفة فعلية إلا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وبعد أن تم لها القضاء على المقاومة المسلحة في ثورة الأمير عبد الكريم الخطابي في سنة ١٩٣٥م.

لهذه الأسباب كلها فإن الحركة الوطنية المغربية تعتبر حديثة جدًا بالنسبة للحركة الوطنية في مصر وتونس، وكلاهما وضع تحت الحماية قبل المغرب بثلاثين عامًا كاملًة، وقد بدأت الحركة الوطنية المغربية على إثر صدور الظهير البربري المشئوم في عام ١٩٣٠م، وسنرى أن تطوراتها سارت ببطء كبير، إذا قارناها بسير الحركات الوطنية في البلاد الأخرى مثل مصر أو تونس بل والجزائر أيضًا.

كان تأخر الهجوم الاستعماري على المغرب سببًا في تأخر المغرب في ميدان الكفاح الوطني بالأسلوب السياسي المعاصر، وتبعه تأخره في مجال الحركات الإسلامية المعاصرة، لأن هذه الحركات في نظرنا هي مرحلة تعميق للتيار الشعبي المعادي للسيطرة الأجنبية، لكن مما لا شك فيه أن المغرب كان أول بلد يلجأ للكفاح المسلح بزعامة الأمير عبد الكريم الخطابي عقب الحرب العالمية الأولى مباشرة، حتى أن بعض من فكروا في إعادة الخلافة بعد إلغائها في تركيا قد رشحوا لها الأمير الثائر، ولكن هذا الاتجاه قد انهار بسبب هزيمته واعتقاله هو وأنصاره.

بعد ذلك كانت جامعة القرويين الإسلامية في فاس هي المنبع الذي انبعثت منه الدعوة لإنشاء حزب وطني عصري هو حزب الاستقلال، الذي نجح في مساعيه لإعادة ملك المغرب المعزول محمد الخامس إلى عرشه، وإعلان استقلال المغرب في عام ١٩٥٦م.

ولما كان كل شيء في المغرب يسير ببطء شديد، فإن المغرب ما زال يهضم مكاسبه الوطنية، ويسعى حثيثًا لاجتياز نطاق العزلة التي سار عليها خلال عصور طويلة، عندما كان يقاوم الهجمات الصليبية الإسبانية والبرتغالية في العصور الوسطى، ثم قاوم السيطرة العثمانية التي امتدت إلى جميع أقطار إفريقيا الشمالية المجاورة له في مصر وفي ليبيا وتونس والجزائر، ولكنها وقفت عند حدود المغرب.

استقبلني الملك محمد الخامس وأصدر مرسومًا ملكيًا بتعييني في وزارة العدل

مرت سنوات عديدة قبل أن تظهر في المغرب بوادر حركة إسلامية شاملة عصرية، وفي نظرنا أن سير الاتجاه الإسلامي في المغرب لن يكون مرتبطًا بتطورات التيار الإسلامي في الجزائر وتونس وليبيا ومصر، كما يدعي الذين يقاومون هذا التيار في تلك البلاد، ويضطهدون دعاته ويزعمون من حين لآخر أنهم يعملون لمصلحة المغرب ونيابة عنه لمنع وصول التيار الإسلامي إليه ، ويستدرجون فرنسا لكي تعلل مقاومتها للجبهة الإسلامية في الجزائر، بأنها تحمي بذلك المغرب المجاور، وذلك بقصد إغراء السلطات المغربية التي تشاركهم في مؤامراتهم ضد الإسلام في شمال إفريقيا وفي إفريقيا كلها، لكن هؤلاء لا يعرفون حقيقة الشخصية المغربية الانعزالية الاستقلالية، واعتقادي أن الاتجاه والفكر الإسلامي في المغرب أعمق من ذلك بكثير، وأن من يروجون ذلك لا يعرفون شيئًا عن شخصية الشعب المغربي.

عندما وصلت إلى المغرب

عندما وصلت إلى المغرب كان قد مضى على استقلاله عامان فقط، وكانت السلطة الوطنية متمثلة في الملك وحكومته، ومع ذلك كان كثيرون يدعون أن الأجهزة الإدارية التي أنشأها الفرنسيون في عهد الاحتلال ما زال يسيطر عليها الموظفون الذين عينهم الفرنسيون في عهد الحماية، سواء كانوا من الفرنسيين أو من المغاربة الذين تم تكوينهم في ظلها، وعلى المنهج الذي رسمته الحماية الفرنسية، ويقولون إن هؤلاء كانوا هم الذين يمارسون السلطة الفعلية في بداية الاستقلال، سواء في الاقتصاد أو الإدارة، وكان المغاربة العاملون في الإدارة أغلبهم من التراجمة الذين كانوا يعاونون الموظفين الفرنسيين في عهد الحماية، وأن الوزراء الوطنيين بعد الاستقلال، لم يكن يتجاوز نفوذهم ديوان الوزارة والعلاقات الخارجية في حدود معينة، في كثير من الأحيان.

 ذهبت إلى المغرب في أواخر صيف عام ١٩٥٩م عن طريق مدريد، وهناك التقيت صديقي الدكتور حافظ إبراهيم الذي عرفته في زيارتي الأولى لمدريد منذ عشر سنوات وزرت الأندلس بصحبته في عام ١٩٤٩م، وفي هذه المرة أصر على أن يذهب معي إلى المغرب، كما أصر من قبل على الذهاب معي إلى الأندلس، وكلانا كان له أصدقاء كثيرون في المغرب، وكانت هذه بالنسبة له ولي هي أول زيارة للمغرب، وكان أول من لقيناه هو صديقنا الدكتور عبد الكريم الخطابي، الذي سبق أن رافقني في رحلتي في فرنسا عام ١٩٥٤م.

 لقد كان وصولنا الرباط في اليوم السابق على المولد النبوي، وكان الاحتفال بالمولد صباح اليوم التالي، وكانت الدولة والملك يحتفلون سنويًا بهذا العيد في إحدى العواصم المغربية، وكان الاحتفال في ذلك العام في مدينة مولاي إدريس، قرب مكناس، ودعانا أحد أصدقائنا لحضور هذا الحفل، وكان حضورنا هذا الحفل معًا فرصة لألتقي جميع من عرفتهم في باريس، تقريبا مرة واحدة، لأن أغلبهم كانوا من المسئولين في الدولة، ومن بينهم السيد عبد الكريم بن جلون وزير التهذيب الوطني (التعليم) الذي تعرفت عليه أثناء رئاسته لوفد حزب الاستقلال في باريس عام ١٩٤٦م، والذي كان قبل ذلك وزيرًا للعدل، وهو الذي أرسل خطابًا رسميًا للسفارة المغربية في القاهرة يطلب حضوري للمغرب لمعاونته في مشروعات الإصلاح التشريعي بالمغرب بعد الاستقلال.

كان هذا اللقاء مناسبة طيبة لاستعادة ذكرياتي مع كثيرين من أصدقائي الذين تعرفت بهم أثناء إقامتي في فرنسا وباريس، وقد انتهز السيد عبد الكريم بن جلون حضور الملك ليرأس الحفل، وقدمني إليه فاحتفى بي احتفاء كبيرًا، وأمر بأن أقدم إليه في موعد قريب، وفعلًا ذهبت إليه بعد ذلك، وقد دار الحديث قبل المقابلة حول عملي بالمملكة، فاقترح السيد عبد الكريم بن جلون أن أعين مستشارًا بالمحكمة العليا (قاضيًا)، وكان فيها محل شاغر، رغم أنني أبديت له رغبتي في أن أكون أستاذًا بكلية الحقوق بجامعة الرباط، وأنني أفضل أن أعين في الجامعة، ولكنه فضل أن أكون مستشارًا بالمجلس الأعلى، لأشارك في العمل الذي استدعيت من أجله، وهو إعداد مشروعات المدونات التشريعية، وفي مقدمتها مدونة المسطرة الجنائية، وقانون العقوبات ،وأن ذلك لا يمنع من إلقاء دروس في الكلية كعمل إضافي، وتم ذلك فعلًا.

بعد استقبال الملك محمد الخامس لي في الديوان أصدر مرسومًا ملكيًا (ظهيرًا) بتعييني في هذا المجلس، وبدأت عملي فيه، وفي حفل افتتاح دورة المجلس السنوية التي كان يفتتحها جلالة الملك وولي العهد، حضرت هذا الافتتاح وتعرفت بجميع المستشارين في هذه المحكمة وعملت فيها أربع سنوات.

إن التعاقد معي تم بسرعة، لأنني عينت بمرسوم ملكي، وكان الملك وديوانه يتابع إجراءات تعاقدي مع وزارة العدل، وتسلمت عملي في المجلس الأعلى في بداية السنة القضائية، وعملت بالدائرة الجنائية بها نائبًا لرئيسها الفرنسي، ولاقيت في العمل بها بعض الصعوبات، لأن أغلب المستشارين في المجلس كانوا فرنسيين ومنهم عدد قليل جدًا من المغاربة، وكان من بينهم واحد يهودي اسمه ماكسيمازولاي، في هذه الدائرة الجنائية، وطبعًا لم يكن الفرنسيون مستريحين لدخولي في وسطهم، لأنهم كانوا يخشون أن يكون بداية سياسة جديدة لحلول المصريين مكان الفرنسيين، وزاد في هذا الخوف أن بعض المسئولين في وزارة العدل، كان قد أشيع عن وجود علاقات خاصة لي ببعض الجهات العليا بالقصر الملكي، وأن رئيس المجلس بتوجيه من وزير العدل قد أمر بأن أعين في الدائرة الجنائية نائبًا لرئيسها الفرنسي.

كانت هذه الدائرة مكلفة بإعداد مسودة قانون جديدة للإجراءات الجنائية، ثم إن رئيس المجلس قد أمر رئيس الدائرة الفرنسي بأن يسلم إلى هذه المسودة التي أعدتها لمشروع القانون لمراجعتها قبل إصدارها، وراجعتها وأبديت عليها ملاحظات كثيرة، فأمر أن يجتمع معي جميع أعضاء الدائرة لمناقشتها، ومن سوء حظهم أنها كانت كلها ملاحظات في موضعها، وكان هذا ثقيلا عليهم أن يأتي واحد جديد من الخارج ثم يكلف بمراجعة الأعمال التي قاموا بها، وتكون لمراجعته هذه الأهمية، واستغرق ذلك عدة جلسات، وأذكر أنه في إحدى الجلسات وكنت أقدم لهم بعض ملاحظات فيما تمت مراجعته من قبل وقلت إنني ما زلت أعيد قراءة المشروع مرات ومرات، وكلما قرأته تكشفت لي أشياء لم ألاحظها في القراءات السابقة، فقال لي رئيس الدائرة: أرجوك أريد أن تتفق على الأقل على ألا تعيد قراءة ما فات بعد الآن لأننا نريد أن تنتهي.

الجنسية المغربية

شعرت أن اللغط يدور من حولي، ولاحظت أن البعض كان يحاول الكيد لي، لكن في السنة الأولى لم يظهر أثر لهذه المؤامرة، لأن رئيس المجلس كان رجلًا طيبا وهو المرحوم أحمد باحنيني، لكن جاء رئيس آخر وهو السيد أحمد حمياني، وقد لاحظت أن له علاقات ودية مع أزولاي، ومع الجنرال أو فقيره وبدأت مناوشات كثيرة، ومع ذلك لم أعط هذه المناوشات أهمية كبيرة، لأنني لم أكن أنوي مطلقًا أن استقر في المغرب، وأذكر أنه يوم قدمت إلى الملك تحدث معي الحاج أحمد بناتي الذي كان مدير الديوان الملكي، في ذلك الوقت، وعندما ذكرت له بعض الصعوبات التي أواجهها في التعاقد مع وزارة العدل، قال لي لماذا تصعب لنا هذه المسألة وأنا مستعد أن اقترح على الملك أن يعطيك الجنسية المغربية، فاعتذرت وقلت له إنني مصري، وأريد أن أبقى كذلك لأعود إلى بلادي في أقرب فرصة، وقد عاد إلى هذا العرض مرة ثانية، عندما رفضت السفارة المصرية تجديد جواز سفري، وفي هذا الوقت كذلك كررت اعتذاري وإصراري على الاحتفاظ بالجنسية المصرية، وفي المرتين كنت أعتقد أن اقتراحه هذا لم يكن من عنده فقط.

السبب الأساسي لعدم موافقتي على اقتراح السيد أحمد بناتي أنني كنت أعتبر هدفي هو الجزائر، وكنت أعتبر المغرب محطة في الطريق إليها، وكنت أتابع تطورات الثورة الجزائرية وأخبار الزعماء الجزائريين المعتقلين في فرنسا، وكنت عازمًا على أن استقر في الجزائر بعد استقلالها إذا أمكن ذلك.

الرابط المختصر :