العنوان بعد القصف الإسرائيلي لبيروت.. لبنان بين المقاومة والحكومة
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يوليو-1999
مشاهدات 66
نشر في العدد 1357
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 06-يوليو-1999
هكذا ودعنا نتنياهو..
طوى رئيس الوزراء الإسرائيلي راياته ورحل بعد ثلاث سنوات من مناكفة شركاء السلام العرب، وكما لم يحتمله محبو السلام في العالم، لم يحتمله الإسرائيليون، فقرروا التغيير لكن نتنياهو الذي أجمع العرب على ضرورة رحيله لم يفعل ما هو خارج عن سياق الذهنية اليهودية التي تحمل إرث أكثر من ألفي عام من الإفساد والتقتيل والإرهاب وزرع بذور الشر حيثما حلت».
ودعنا نتنياهو بقصف لبنان شمالًا وجنوبًا وينسف بنيته التحتية، لكنه مع ذلك، لم يثبت يهوديته كما ينبغي، فقد ودعنا «شريك السلام - شيمون بيريز قبل ثلاث سنوات بما هو أشد منه بطشًا وإرهابًا: مجزرة قانا اللبنانية التي راح ضحيتها أكثر من مائة امرأة وطفل دفنوا في ملجأ في قاعدة لقوات الأمم المتحدة، ومع ذلك يجادل البعض بأن قصف نتنياهو كان وقعه على النفس اللبنانية أشد من مجزرة قانا، لأنه أثبت عجز الدولة اللبنانية عن حماية شعبها وبناها التحتية من الغارات الصهيونية.
مسكين هذا اللبنان كيف تتغنى حكومته ببطولات المقاومة الإسلامية في الجنوب، ولا تحرك ساكنًا وهي ترى الطائرات الإسرائيلية تقصف منشأتها الحيوية؟ هذا السؤال لابد أنه تبادر لذهن كل مراقب، فلماذا لا تدافع مدفعية الجيش اللبناني عن أرضها وسمائها، ولماذا لا يطلق صاروخ واحد على الطائرات الإسرائيلية التي تعربد في سماء لبنان؟ هل كان العالم سيدين لبنان الرسمي إذا ما قرر الدفاع عن أرضه وسيادته؟ وهل قدرات حزب الله أكبر من قدرات جيش الحكومة اللبنانية؟ لقد أثبتت المقاومة اللبنانية في جنوب لبنان.
قدرة عالية على المقاومة والصمود والتضحية لم تضاهيها إلا استماتة يهودية على الخروج من مأزق لبنان في أسرع وقت ممكن بعد الخسائر التي تكبدها العدو اليهودي من عمليات المقاومة.
والحقيقة التي يجب تجليتها أن هذه المقاومة اللبنانية في الجنوب وعلى الرغم من تصريحات المسؤولين اللبنانيين حول دعمها وتأييدها، إلا أنها تلقى حصارًا ومحاربة من الحكومة اللبنانية ومن آخرين متنفذين في الشأن اللبناني، فهم يريدون لها ألا تخرج عن نطاق السيطرة حتى يتم توظيفها في مساراتهم التفاوضية، وهكذا لزم تحديد حتى نوعية السلاح المستخدم، وتحديد مداه الفاعل، والمراقب يلحظ أن حزب الله لم يستخدم أو أريد له ألا يستخدم صواريخ أبعد مدى من صواريخ الكاتيوشا التي لا تتجاوز في مداها أبعد من مستعمرة كريات شمونة في أصبع الجليل الفلسطيني، أي المسافة بضعة كيلومترات فقط يحدث ذلك مع أن حزب الله قادر لو وافق أصحاب القرار في لبنان على استخدام صواريخ ومدافع تصل في مداها إلى العمق الفلسطيني المحتل في حيفا وحتى تل أبيب، فالمقاومة إذن مكبلة بحسابات سياسية ربما كانت لا تقيم للمصلحة اللبنانية وزنًا.
وإذا كان ما قاله رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري بأن سورية وإسرائيل قد أنجزتا 80% من الاتفاق بينهما في عهد حكومة رابين فسيكون من السهل إدراك الهدف من تكثيف الهجمات الصهيونية على لبنان، فالعدوان الإسرائيلي رسالة لكل من لبنان وسورية، حيث إن الهجمات كانت قريبة من القوات السورية المتواجدة في لبنان منذ عام ١٩٧٦م، وترى بعض التحليلات بأن حكومة الليكود أرادت نسف الـ ٨٠% من مشروع الاتفاق المذكور من خلال تصعيد الموقف في لبنان إلى حالة حرب ربما تكون القوات السورية في لبنان هدفًا من أهدافها، وبالتالي العودة في العلاقات السورية الإسرائيلية إلى المربع الذي انطلقت منه قبل الشروع في الاتفاق الذي لم يكتمل.
وبالنسبة للبنان، كانت الأولوية التي وضعها باراك في برنامجه الانتخابي هي سحب قوات الاحتلال من جنوب لبنان خلال عام واحد، ولا شك أن تصعيد العدوان من شأنه تفويت الفرصة على باراك لتسجيل نصر كبير بالانسحاب، والذي هو مطلب غالبية الإسرائيليين ولذلك قد لا تتوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان إلى أن يحقق نتنياهو النتائج التي تصدم بارك على حد تعبير نتنياهو نفسه.
موشى أرينز سارع بعد العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان إلى التصريح بأن حكومته غير ملتزمة باتفاق أبريل ١٩٩٦م الذي وقعته حكومة بيريز مع الحكومة اللبنانية والمقاومة بعد مجزرة قانا، والذي يضمن تحت إشراف دولي عدم تعرض أي جانب للمدنيين على الجانب الآخر، وهكذا أصبحت هذه الاتفاقات كما قال أرينز لا تساوي قيمة الورق الذي كتبت عليه.
على الرغم من ذلك، فإن باراك الذي تتصل من أي صلة له بالعدوان لن يسحب قواته من جنوب لبنان إلا بعد حصوله على ضمانات أمنية من كل من سورية وحكومة لبنان، وهو على عكس ما أراد نتنياهو له قد ينجح في توظيف الضربة الأخيرة للحصول على الضمانات التي يريدها من سورية ولبنان، مستفيدًا من حالة الاسترخاء والتفاؤل السوري بعد هزيمته لنتنياهو، ومن الإشارات الإيجابية التي أرسلها الرئيس السوري له مؤخرًا عبر الصحفي البريطاني باتريك سيل.
الحرب التي تشنها المقاومة اللبنانية أثبتت أنه بالإرادة وعلى الرغم من ضيق الإمكانات ومحدوديتها، تستطيع تحقيق النصر على آلة الإرهاب اليهودية، فالمقاومة وحدها لا المواقف الكلامية من الحكومة اللبنانية هي التي أرغمت جيش لبنان الجنوبي العميل على مغادرة جزين وهي التي أرغمت مسؤولي المؤسستين السياسية والعسكرية في الدولة اليهودية على جعل الانسحاب من جنوب لبنان على رأس أولوياتهم!.