العنوان فصبر جميل- العدد 830
الكاتب يحيي اسماعيل أحمد
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أغسطس-1987
مشاهدات 62
نشر في العدد 830
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 18-أغسطس-1987
- ما لزم المسلمون أمر الصبر إلا جعل الله النصر حليفهم والفتح بشرى لهم والتمكين في الأرض جزاءهم
- إن الذين يتربصون بالإيمان وأهله يتجشمون لهذا التربص المصاعب ويتحملون الآلام التي تؤرق جنوبهم وتضرم النار في جوانحهم
مدرس الحديث بكلية أصول الدين
جامعة الأزهر الشريف
كلمة قالها يعقوب عليه السلام مرتين في مصيبتين كليهما في عزيز.. الأولى عندما تآمر بنوه على أحظى الأولاد عنده وأحب الأبناء إلى قلبه وأرجأهم للخير يوسف عليه السلام فألقوه في غيابة الجب، ثم جاءوا أباهم عشاء يبكون، يصطحبون دليلًا كاذبًا وحجة داحضة، كشف يعقوب زيفها، ثم نطق عندها ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ (يوسف: 18) والثانية عندما استبقى يوسف أخاه وشقيقه يخاطب بذلك قلب أبيه بعد أن الغز إليه، لما جهز إخوته بجهازهم، بلحن في الخطاب لا يعقله إلا المؤمنون ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ﴾ (يوسف: 59) فأدرك يعقوب عليه السلام فحوى الخطاب وأخذ على بنيه العهد والميثاق «لتأتيني به إلا أن يحاط بكم، فلما أحيط بهم وأسلموه نطق بما نطق به في المصيبة الأولى» ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (يوسف: 83) فأعقبه الله بذلك أن جمعه على أبنائه وجعل الملك والحكم في حظيه أنقذ به بلده وهدى به عباده، ثم ألزم الله نبيه ومصطفاه به فيما ألزمه من تكاليف جسام على عظم أمره، وثقل حمله، ألزمه بالصبر الجميل ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ (المعارج: 5) وبالصفح الجميل... ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ (الحجر: 85) ثم أمره أن يكون هجرانه للمبطلين هجرانًا جميلًا ﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ (المزمل: 10) ثم أعقبه بذلك ظفرًا وتمكينًا، ونصرًا وتأييدًا، إذ سلم القلب منه صلى الله عليه وسلم ومن أمته على ما تحمله وتحملوه، وكابده في أمر دعوته وكابدوه، إذ الصبر الجميل صبر بغير شكوى ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ (يوسف: 86) والصفح الجميل عفو بغير عقاب، والهجر الجميل، ترك بغير عذاب، بعد أن مكن الله له وهم، وأورثه وأورثهم أرضهم وديارهم.
- ميدان الصبر وحدوده
ما أوسع ميدان الصبر وما أعز سلطانه وما أمر مذاقه، وما أثقل حمله، فما من أمنية من أماني الحياة- دنياها أو آخراها- تنال بغيره، وأوفر الناس حظًا منه هو أحق الناس ببقاء أمره وصيانة حقه، وخلود ذكره.
لقد بين الله في كتابه أن الذين يتربصون بالإيمان وأهله يتجشمون لهذا التربص المصاعب يجتازون أهوالًا، ويركبون له المخاطر، ويتحملون الآلام. إلا ما تؤرق جنوبهم، وتقلق نومهم وتضرم النار في جوانحهم، آلامًا لا تراها الأعين، ولا تبديها اجتماعات ولا يكشفها إلا العليم الخبير ذلك أنهم حريصون على استبقاء ظلمهم ودوام سلطانهم وهم قد استيقظوا مكامن الخطر على تلك الأماني، وعرفوا أهله ولذلك فهم يبيتون لهم تبييتا لا يراعون فيه آلاً ولا ذمة وهم واثقون في ذلك أنهم مجرمون، فهم لذلك يتكلفون ويتحايلون ويكيدون ويمكرون ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ (النساء: 104). يألمون في جمع أمرهم وتدبير مكرهم وتوحيد صفهم على ما فيه من تناقض وتنافر وتبييت كيدهم حتى لا يراه أحد فيفسر بذلك عملهم.
وما على أصحاب الصف المقابل إلا أن يرتفعوا بالرجاء في الله والرضا عنه والتسليم لأمره، ليزيد بالرجاء والرضا والتسليم حظهم من الثبات فيظفرون بأجر الشهيد وحياة السعيد، فيخاطبون بما خاطب الله به أنبياءه ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139).
ذلك أن الله تعالى قال لموسى عليه السلام قبلها ﴿إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ﴾ (طه: 68)، «أنت الغالب في الدنيا، وفي الدرجات العلا في الجنة» الجامع لأحكام القرآن 11/223، 4/216، وبمثل ذلك كان خطاب الله السابق لأصحاب الرسالة ودعاة الحق، وما علا قوم بغير صبر، وما تحقق أمل بدون ثبات وصدق الله العظيم ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: 24).
ولهذا كان من كلام أصحاب التجارب: فقد الصبر أعظم مصائب الدهر «بهجة المجالس لابن عبد البر 2/190» ومن أجدب انتجع.
وكان الصبر خير عطاء من الله لهذه الأمة التي ورثت النبوات، واستخلفت لإقامة أركان العدل في الحياة، وإضاءة سبلها بالهدى ونور الحق وضياء اليقين، الصبر بجميع مظاهره وكل أنواعه. أخرج الجماعة ومالك والدارمي وأحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم حتى نفد ما عنده، فقال ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر» البخاري كتاب الرقائق.
- مظاهر الصبر وأنواعه
ذلك أن الصبر كما قدمنا واسع الميدان قوي السلطان، فكان من يحطه محل رضا من الله وجود وإنعام، فيه يحوز كل مفاتيح أمور الحياة. حيث إن ما حازه يحوي الرضا والتسليم والانتظار بغير رهق لنفسه وأعصابه، والثبات والشجاعة عند اللقاء والاحتساب، ومجاهدة واحتمال.. فالصبر رضا وتسليم حين ينزل به ما لا يقبل له بمدافعته.. عن صهيب قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن أن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له «مسلم الزهد 5/ 844. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أنس بن مالك للمرأة التي مر بها الرسول وهي تبكي عند قبر «اتقي الله واصبري» قالت إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرف، فقيل لها إنه النبي صلى الله عليه وسلم، فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» البخاري كتاب الجنائز 2/ 100، ومن هنا كان كلامهم: شفاء الصدور في التسليم بالمقدور «بهجة المجالس 2/ 195» ومن أيقن بالأجر رغب في الصبر. وهو في الميدان شجاعة وعلى المبدأ والحق والثبات.
أخرج الشيخان وأبو داود وأحمد عن عبيد الله بن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى مالت الشمس ثم قام خطيبًا قال: أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية. فإذا لقيتموه فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ثم قال: اللهم منزل الكتاب ومجرى السحاب، وهازم الأحزاب أهزمهم وانصرنا عليهم «البخاري كتاب الجهاد».
وللبخاري وأحمد عن الزبير بن عدي قال: أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج فقال اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم «البخاري كتاب الفتن 9/ 61».
- الصبر على السفيه
وهو على سفاهة من دونك، كظم ومداراة واحتمال. عن أنس بن مالك قال: كنت أمشي مع رسول الله وعليه رداء نجراني غليظ الحاشية فأدركه إعرابي فجبذه بردائه جيدة شديدة، نظرت إلى صفحة عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك ثم أمر له بعطاء. مسلم كتاب الزكاة 3/ 94.
وللشيخين وأحمد عن عبد الله قال: لما كان يوم حنين آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسًا من القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وأعطى عيينه مثل ذلك وأعطى ناسًا من أشراف العرب وآثرهم في القسمة، فقال رجل: والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله، قال: فقلت والله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فأتيته فأخبرته بما قال، قال فتغير وجهه حتى كان كالصرف «صبغ أحمر يصبغ به الجلود، وقد يسمى الدم أيضًا صرفًا». ثم قال: «فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله» ثم قال «يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» البخاري كتاب الأنبياء 4/ 191.
ثم أن الصبر في التربية تريث، وفي الحكم تؤدة وارتقاب.. أخرج الترمذي عن عائشة وابن ماجة عن عقبة بن عامر قالت عائشة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من ابتلي بشيء من البنات فصبر عليهن كن له حجابًا من النار» الترمذي كتاب البر والصلة 4/ 318. وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات أو ابنتان أو أختان فأحسن صحبتهن واتقى الله فيهن فله الجنة» الترمذي وقال حديث غريب 40/ 320. ولأبي داود عن أبي سعيد الخدري قال: جلست في عصابة من ضعفاء المهاجرين وإن بعضهم ليستتر ببعض من العرى وقارئ يقرأ علينا، إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام علينا فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سكت القارئ فسلم ثم قال: «ما كنتم تصنعون؟» قلنا يا رسول الله إن كان قارئ لنا يقرأ علينا، فكنا نستمع إلى كتاب الله تعالى. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم» أبو داود كتاب العلم 2/ 290. وللشيخين وغيرهما عن عبد الله بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شيرًا، فمات إلا مات ميتة جاهلية» البخاري كتاب الفتن 9/ 59.
- الصبر في حياة المسلمين
هذه المظاهر كلها لا عيشة للمؤمن صاحب الرسالة، ومبتغى الهمة إلا باستجماعها وكان أمر الله للمؤمنين فيها واضحًا بعد أمره جل شأنه المرسلين. فقال تعالى لخاتم رسله صلى الله عليه وسلم: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (سورة الأحقاف: 35) ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ (سورة المعارج: 5) ﴿وَلَئِن جِئْتَهُم بِآيَةٍ لَّيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ*كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ*فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (الروم: 58-60)، ثم قال للمؤمنين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 200)، فلما لزم المؤمنون هذا الأمر، عظم يقينهم وعلا قدرهم، وكانوا معه أصحاب أثر وشأن في العالمين، ولقد كان من كلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه «وجدنا خير عيشنا بالصبر» البخاري كتاب الرقائق 8/ 123.
إذ وجدوا فيه الرجاء وبه الضياء.. أخرج مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السموات والأرض، والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها» مسلم كتاب الطهارة 1/ 500.
فما لزم المسلمون أمر الصبر إلا جعل الله النصر حظهم، والفتح بشرًا لهم، والتمكين في الأرض جزاءً منه وحسن ثناء. نعم إنه مر المذاق، كريه الإساغة، ثقيل الحمل، وكلما تقادم الزمن بالمسلمين اشتدت مرارته وعظم كريهه، وشق أمره، ومع هذا فلا مهرب منه لهم إن كانوا فيما يريدون صادقين... أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي أمية الشعباني قال سألت أبا ثعلبة الخشني، فقلت يا أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية قال أية آية؟ قلت: قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة: 105) فقال: أما والله لقد سألت عنها خبيرًا، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحًا مطاعًا، وهوى متبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام، فإن من ورائكم أيامًا الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عملكم» قيل يا رسول الله أجر خمسين رجلًا منا أو منهم؟ قال بل أجر خمسين منكم» ابن كثير في تفسير هذه الآية في سورة المائدة 105.
فما أكثر الجهود التي بذلها المسلمون وضاعت لغير غاية، وما أفدح مصابهم بالعجلة والجزع... والله يقول الحلق وهو يهدي السبيل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل