; مخاوف الصين من الصحوة الإسلامية في تركستان الشرقية | مجلة المجتمع

العنوان مخاوف الصين من الصحوة الإسلامية في تركستان الشرقية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 10-أغسطس-1993

مشاهدات 73

نشر في العدد 1061

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 10-أغسطس-1993

    ·    الحكومة الصينية تغلق المنطقة المحيطة بـ«قشغر» منذ عام بعد الثورة التي قامت فيها لرفض الحكومة الترخيص ببناء مسجد.

    ·    طالب مسلم يقول: الصينيون يريدون أن يجعلوا مستوانا متدنيًا لمعرفتهم أن قوتنا سوف تثير لهم المتاعب كما حدث في انتفاضة (1989).

بقلم: مادولكا سيكا وجيمس ميلوورد

كتب المقال كل من السيدة مادولكا سيكا والسيد جيمس ميلوورد، وهما زوجان يشكلان فريقًا للكتابة، سافرا في أنحاء مقاطعة شينجيانغ في الصين خلال الصيف الماضي.. السيدة سيكا تأتي في مقدمة الباحثين العاملين لحساب البرنامج الإخباري الليلي «وورلد مونيتور»، وهو عبارة عن عرض تلفزيوني لصحيفة ذي كريستيان ساينس مونيتور، أما السيد ميلوورد فهو طالب دكتوراه يحضر رسالته في مجال تاريخ الصين في جامعة ستانفورد، ويعد بحثه حول تاريخ شينجيانغ المعروفة لدى المسلمين باسم «تركستان الشرقية».

(الله أكبر، الله أكبر) نداء يتردد صداه في كل مكان.. رجال يغطون رؤوسهم بأغطية رأس، تتدلى لحاهم البيضاء الصغيرة المهذبة على وجوههم ذات البشرة السمراء السميكة، يتجهون جميعًا لتلبية هذا النداء وحضور صلاة الجمعة في المسجد المحلي.

السوق الشعبي ينشط بالحركة التجارية وتنبعث فيه رائحة الكباب الذي يمكن شراؤه حارًا من فوق الفحم مباشرة. أما تجار السجاد فيقفون شامخين بكل اعتزاز وفخر فوق سجاجيدهم، يقدمون الشاي وقطع الخبز في محاولة منهم لتسهيل عملية البيع والشراء. وهناك رجال كبار السن يبيعون نسخًا من القرآن الكريم كما يبيعون صورًا للأراضي المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة. صحيح أن هذا المنظر يعتبر شيئًا عاديًا في أي دولة إسلامية، لكننا هنا في الصين وهي دولة غير إسلامية. بالتحديد، من بين سكانها الذين يربو عددهم على البليون نسمة، نجد 16 مليونًا من المسلمين يتركز نصفهم في شينجيانغ - منطقة الأويغور ذاتية الحكم الواقعة في المنطقة البرية في غرب الصين- التي تبلغ مساحتها 2.5 مرة مثل حجم تكساس، وتحوي أغنى الاحتياطات من المعادن الإستراتيجية.

وتعتبرها بكين واحدة من أكبر مشاكل الأقليات فيها، بالضبط كما هو الحال بالنسبة للقلق الذي تشعر به موسكو تجاه جمهورياتها الواقعة في آسيا الوسطى. إن الشعب الأمريكي لا يعرف عن شعب الأويغور شيئًا ولا عن شينجيانغ، لكن بعضهم يعرف شيئًا عن المواطن الأويغوري الشاب وواير كايكسي الذي شارك في 1989م في الانتفاضة الديمقراطية للطلاب في بكين، والذي واجه لي بينج على شاشات التلفزيون الوطني الصيني، ويعتبر من البارزين بين الطلبة الصينيين المنفيين في الغرب.

لكن موقف الطالب وواير كايكسي ليس هو السبب في أن شينجيانغ مهمة للصين والغرب كذلك. إذا ما اطلعنا على المعلومات الخاصة بسكان هذه المنطقة وموقعها ومواردها، نجد أن هذه المنطقة يمكن أن تكون ذات أهمية عظمى. فالجيولوجيون الصينيون يقولون إنها تضم أكثر من 5.8 بلايين برميل من النفط الخام، وأن حوض تاريم سوف يصبح المركز الوطني الرئيسي في الصين لإنتاج البترول والغاز الطبيعي.

إن شينجيانغ، أو تركستان الشرقية، تتمتع أيضًا بوجود احتياطيات كبيرة من الذهب والبلاتين وخام الحديد والنحاس، وفقًا لمعلومات حكومة الصين، كما أن المنطقة تحوي ثلث إجمالي احتياطيات الصين من الفحم. أما صحراء «تاكليماكان»، التي تغطي مساحة 120,000 ميل مربع، فيقع فيها موقع إجراء تجارب الصواريخ النووية وهو أكبر موقع من هذا القبيل في العالم كله. ولقد استمرت التجارب فوق سطح الأرض في هذا الموقع سبعة عشر عامًا بعد توقف كل من السوفييت والأمريكان عن إجرائها فوق سطح الأرض في 1963م، ولا تزال التجارب تُجرى تحت الأرض في الموقع المذكور حتى اليوم، وكانت آخر تجربة أُجريت قد تمت في أغسطس الماضي.

من الناحية الإستراتيجية، ربما تعتبر شينجيانغ «تركستان الشرقية» أكثر مناطق الحكم الذاتي في الصين حساسية. فهي تقع على حدود آسيا الوسطى السوفياتية شمالًا، ومنغوليا شرقًا، وأفغانستان وباكستان غربًا، والتبت جنوبًا. يُلاحظ أنه توجد قوة عسكرية يبلغ تعداد أفرادها 120,000 جندي في منطقة لانزهو العسكرية التي تعتبر شينجيانغ «تركستان الشرقية» جزءًا منها.

لكن تواجد هذه القوات ليس سببه الخطر الكامن وراء الحدود فقط، بل هناك العدو الداخلي أيضًا. على حد تعبير أستاذ في جامعة أوكلاند في روشستر، ميشيغان، المتخصص في شؤون الصين، الذي يضيف أن حجم القوات الصينية هناك يعكس قلق بكين بشأن السكان في شينجيانغ التي لا يمكن لها أن تثق فيهم. هي من بين الـ55 أقلية الموجودة في الصين، تعيش 40 أقلية في شينجيانغ، وأكبر الأقليات التي تعيش هناك هم الأويغور المسلمون. وهم يتحدثون لغة أصلها تركي ويمثلون أكثر من 40% من سكان شينجيانغ البالغ عددهم 15 مليونًا.

أما بقية المسلمين فمنهم القازاق والقرغيز والأوزبك، وكلهم من أصل تركي. وهؤلاء بملامحهم القوقازية وأعينهم ذات اللون البندقي وشعرهم البني تربط بينهم وبين شعب الهان، الذي يزيد تعداده عن بليون نسمة في الصين، أوجه شبه طفيفة للغاية. وأغلب هؤلاء المسلمين يشتركون في صفات كثيرة مع إخوانهم من نفس الأصل العرقي الذين يعيشون في آسيا الوسطى السوفيتية المجاورة، بما في ذلك اشتراكهم معهم في اللغة.

وهناك قدر كبير من الاتصال بين شينجيانغ والاتحاد السوفيتي. وتعتبر الأوقات الحالية في الصين أوقات عدم استقرار، خاصة أن الحكومة قلقة بشأن الأقليات حيث أنها لا تثق فيها ولا تعرف ماذا تنوي هذه الأقليات أن تفعل. لقد سبق إغلاق المنطقة المحيطة بقشغر، تلك الواحة الأسطورية الواقعة على طريق تجارة الحرير القديم. سبق إغلاقها رسميًا في وجه الأجانب منذ عام مضى بعد اندلاع ثورة إسلامية في بارن، التي تقع على بعد 22 ميلًا جنوب قشغر. التفاصيل المتاحة عما حدث قليلة للغاية، لكن رفض بكين إصدار ترخيص ببناء مسجد ترتب عليه اندلاع اضطرابات قُتل فيها 22 شخصًا، وفقًا للبيانات الرسمية، في حين توضح البيانات غير الرسمية أن عدد القتلى بلغ 60 شخصًا بسبب تدخل قوات الأمن.

وقد سُمح في أواخر الصيف للأجانب بأن يدخلوا إلى هذه المنطقة مرة أخرى، ونتيجة لتلك الانتفاضة أعلنت الحكومة في الخريف الماضي عن تطهير الحزب الشيوعي المحلي بالتخلص من بعض الأعضاء فيه وكذلك التخلص من بعض المسؤولين الحكوميين في بارن بسبب دورهم في التمرد، وتم فرض قيود دينية جديدة منها حظر تشغيل المدارس القرآنية، ومنع مناداة رجال الدين بشن الحرب المقدسة، وحظر التقاء هؤلاء الرجال بالأجانب. إن المنطقة ليست غريبة على التوترات بين فئات السكان المختلفة التي تسكنها، إذ تاريخ شينجيانغ مليء بقصص مقاومة حكم الهان (المجموعة العرقية التي تشكل القدر الأعظم من الشعب الصيني ويزيد عددها على بليون نسمة)، ولقد تم إخماد حركات التمرد الإسلامية الكبرى.

في القرن التاسع عشر، توالت الأحداث الواحدة تلو الأخرى، وخلال ذروة المظاهرات المنادية بالديمقراطية، التي اندلعت في ميدان تيانانمن في عام 1989م، قام الآلاف من الأويغور باقتحام مكاتب الحكومة في أورومقي، عاصمة شينجيانغ، للاحتجاج ضد نشر كتاب في شانغهاي يورد بالتفصيل الممارسات الجنسية للمسلمين بطريقة تسيء لهم بشدة.

ويظهر- منذ الثورة الثقافية التي استمرت خلال الفترة 1966- 1976م- أن بكين كانت تتعامل مع القلاقل الإسلامية بحذر أكبر، حيث جرى محو المساجد من الوجود، كما تم إجبار كبار السن من المسلمين على أن يطوفوا الشوارع في شكل استعراض، معلقين حول رقابهم رؤوس الخنازير. ولكن العقد الأخير شهد أسلوبًا خفيًا اتبعته السلطات المركزية، حيث سمحت للأقليات بالزواج في سن أصغر وأُعطيت حريات دينية محدودة، وحتى العام الماضي كانت هذه الأقليات معفاة من سياسة طفل واحد لكل أسرة، وهي السياسة التي كانت تستهدف الحد من الزيادة في عدد السكان.

وفي السنوات الأخيرة، تم السماح لمئات المسلمين من شينجيانغ بالحج إلى مكة المكرمة، ولكن هذا التخفيف من القيود قد زاد من حدة المشاعر القومية، وهو الأمر الذي أرادت الحكومة أن تتجنبه. إن تطبيق سياسة الأسرة المحدودة في عام 1989م على الأقليات (طفلين لكل زوجين في المناطق الحضرية وثلاثة في المناطق الريفية) إضافة إلى تكبيل التعليم الديني أدى إلى ظهور الاحتكاكات مرة أخرى.

يقول شاب متعلم تعليمًا جيدًا من أبناء الأويغور: «في داخل الصين ليست هناك مساحة كافية للسكان، لكنا هنا في أراضينا لدينا المساحة الكافية. تحاول الحكومة الصينية تفادي زيادة عدد أبناء الأقليات عن عدد شعب الهان». في الحقيقة، شينجيانغ تمتلك المساحة الكافية، وتشعر أيضًا بأنها منطقة حدودية، ففي القرون الماضية كانت هذه المنطقة تقع خارج نطاق أراضي الصين، وكان طريق تجارة الحرير يمر عبر أراضيها. لقد أدرك حكام الصين الإمبراطورية المزايا الإستراتيجية والاقتصادية للمنطقة، وغزوها ثلاث مرات، آخرها في القرن الثامن عشر أثناء عهد إمبراطورية تشينغ حينما كان المانشو يحكمون الصين. لقد كان هؤلاء هم الذين أطلقوا على المنطقة اسم شينجيانغ والتي تعني بالصينية، «الأرض الجديدة المملوكة».

لكن تشديد قبضة الهان هنا فعليًا لم يحدث إلى أن أنهى الانتصار الشيوعي في عام 1949م وجود جمهورية تركستان الشرقية قصيرة العمر التي أعلنت نفسها دولة مستقلة خلال فترة الفوضى والاضطرابات التي سادت في القيادة العسكرية للصين.. وكما حدث مع مناطق الأقليات الأخرى كالتبت ومنغوليا الداخلية فقد تم منح شينجيانغ وضع منطقة الحكم الذاتي في 1955م، لكن هذا الحكم الذاتي ما هو إلا حكم ذاتي بالاسم فقط. ولما كانت بكين تخشى من القلاقل بعد قضائها على جمهورية تركستان الشرقية فإنها قامت بنقل الملايين من شعب الهان إلى شينجيانغ خلال الأيام الأولى للحكم الشيوعي في الصين.

في الخمسينيات كان الهان يمثلون أقل من 10٪ من تعداد السكان هناك، واليوم فإن هذه النسبة ارتفعت إلى 40٪ (80٪ منهم في مدينة قشغر وحدها)، ويسود المنطقة شعور بعدم الارتياح بسبب الضيوف الذين لا يلقون أي ترحيب هناك (الهان). لقد مرت أربعة عقود لم تنه العداوة القائمة بين الهان والأويغور.

في الحديقة الوطنية الواقعة في مدينة ينينغ على بعد 35 ميلًا من الحدود السوفياتية يوجد النصب التذكاري لشهداء جمهورية تركستان الشرقية. فبعد أن ساعدوا في الإطاحة بالوطنيين بقيادة شيانج كاي شيك، تمت دعوة الأويغور والقازاق والأوزبك الذين قادوا النضال من أجل الاستقلال إلى بكين لمناقشة مستقبل شينجيانغ مع الشيوعيين، إلا أنهم قُتلوا في حادث سقوط طائرة تحيط به الشكوك، ويعتبره الكثيرون في شينجيانغ حادثًا مريبًا، يعتقد معظمهم بمعرفة ماوتسي تونج مدير الحزب الشيوعي هناك.

إن كوادر الحزب، سواء كانوا من شعب الهان أو من جهات أخرى خارج شينجيانغ، ينظرون إلى أبناء هذه الأقليات بشك وريبة. وهذا الموقف شائع بين كوادر الحزب، ويقطن العديد منهم في أورومقي، العاصمة الإقليمية التي يبلغ تعداد سكانها (400,000) نسمة.. للوهلة الأولى تظهر المدينة في مظهر لا يختلف كثيرًا عن أي مدينة صينية صغيرة، إذ تتميز بشوارع واسعة وكآبة وقدر كبير من المباني الستالينية الضخمة، إلا أن بعض المباني المبنية بالأسمنت المسلح تتبع الطراز المعماري الإسلامي، وتضم نوافذ إسلامية قوسية الشكل في الجزء العلوي، كما توجد منارات، وتكتب جميع اللافتات بلغة الماندرين والأويغور، والتي تستخدم حروفًا عربية معدلة.

وقد عادت الحكومة إلى أسلوب الشعارات كما كانت تفعل في أيام ذروة الثورة الثقافية، حيث كانت تجد في كل مكان شعارات صغيرة متقنة تلخص مدى أهمية قضية الأقليات. من أمثلة ذلك «النزعة الانفصالية هي الخطر الرئيسي الذي يهدد الوطن الأم». «لا يمكن للأقليات أن تنفصل عن شعب الهان، كما أن شعب الهان لا يمكن أن ينفصل عن الأقليات».

إن اللوم دائمًا يوجه إلى الأجانب الذين يخشى سكان شينجيانغ التحدث إليهم لكي لا يُراقَبوا.. الحكومة تلقي باللوم على الجهات المهيجة الخارجية بسبب المظاهرات التي اندلعت في بكين في 1989م. وقد تم منع دخول الصحفيين حتى أواخر الصيف الماضي.

والآن، يلقى الصحفيون الترحيب فقط عندما يكونون مصحوبين بمسؤولين حكوميين. لكن عندما كسبنا ثقة الناس في شينجيانغ، شعرنا بالنزعة القومية لديهم وبرفضهم لوجود الهان.

يقول أحد شباب الأويغور: إن الأويغور والقازاق والقرغيز هم أصحاب شينجيانغ الحقيقيين. إن وجودنا كجزء من الصين يجعلنا أقلية، وهذا أمر له مردوده المدمر على التنمية. من الأفضل لنا أن نكون مستقلين، لأننا عندئذ سنكون أكثرية. إن نسبة كبيرة من سكان شينجيانغ تعيش تحت مستوى الكفاف (42.50 دولارًا كمعدل دخل للفرد سنويًا). ولا تزال هناك حاجة إلى أن يصل الازدهار الذي تشهده المناطق الساحلية في الصين إلى المناطق الداخلية.

يقول طالب أويغوري: «إن الصينيين يريدون أن يجعلوا مستوانا متدنيًا على الدوام لأنهم يعرفون أنهم إذا ما أعطونا الفرصة فإننا يمكن أن نقوى ونثير المتاعب كما فعل وواير كايكسي». وأشار طالب آخر في جامعة شينجيانغ إلى منع تداول عدد من مجلة تايم نشر قصة وواير كايكسي داخل الحرم الجامعي، لكن رجلًا في أواسط العمر قال ساخطًا: «وإذا كان هؤلاء الآلاف الذين تظاهروا في بكين لم يستطيعوا إحداث أي تغيير، فكيف يمكن لنا أن نحدث هذا التغيير هنا؟!».

ويقول البروفيسور بنسون من جامعة أوكلاند: إن رغبة أبناء شينجيانغ في السيطرة على مقدراتهم مثلما تم في التبت وفي بعض أجزاء الاتحاد السوفيتي لن تضيع هباء خاصة بالنسبة للجيل الشاب الأصغر سنًا، لكن يبدو أن تحقيق ذلك لن يكون في متناول حركة قومية قوية في وقت قريب.


اقرأ أيضًا:

 التركستان بين الظلم والنسيان

الرابط المختصر :