العنوان وأذن في الناس بالحج.. العيد آداب وأحكام
الكاتب د. حمدي شلبي
تاريخ النشر السبت 30-ديسمبر-2006
مشاهدات 51
نشر في العدد 1733
نشر في الصفحة 58
السبت 30-ديسمبر-2006
- أعيادنا تميزت عن أعياد الجاهلية بأنها قربة وطاعة لله
العيد هو موسم الفرح والسرور وأفراح المؤمنين في دنياهم وأخراهم إنما هي بفضل مولاهم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (سورة يونس: 58).
والعيد شعيرة من أعظم شعائر الإسلام، ومظهر من أجل مظاهره، تتجلى فيه من المعاني الاجتماعية والإنسانية ما ينشرح له الصدر، ففي العيد تتقارب القلوب على الود، وتجتمع على الألفة، ويجتمع الناس بعد افتراق ويتصافون بعد كدر.
وفي العيد تذكير أبناء المجتمع بحق الضعفاء عليهم؛ حتى تشمل الفرحة بالعيد كل بيت وتعم النعمة كل أسرة.
أما المعني الإنساني في العيد: فهو أن تشترك أعداد لا حصر لها من أبناء الشرق والغرب بالفرح والسرور في وقت واحد، فإذا بالأمة تلتقي على الشعور المشترك بالغبطة، وإذا بأبناء الأمة الواحدة -على اختلاف ديارهم- يشتركون في السراء كما يشتركون في الضراء، ففي العيد تقوية لهذه الروابط الفكرية والروحية التي يعقدها الدين بين أبنائه من مختلف اللغات والأقوام.
أعيادنا وتحقيق الهوية
عن أنس -رضي الله عنه- قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم ولأهل المدينة يومان يلعبون فيهما في الجاهلية، فقال: «قدمت عليكم ولكم يومان تلعبون فيهما في الجاهلية، وقد أبدلكم الله بهما خيرًا منهما: يوم النحر، ويوم الفطر».
لقد تميزت أعياد المسلمين عن غيرها من أعياد الجاهلية بأنها قربة وطاعة لله، وفيها من تعظيم الله تعالى وذكره ما لا يخفى، كالتكبير في العيدين، وحضور الصلاة في المصلى مع جماعة المسلمين، وتوزيع صدقة الفطر، والتقرب إلى الله تعالى بالأضاحي، مع إظهار الفرح والسرور على نعمة العيدين ونعمة إتمام الصيام في الفطر.
كما أنها مرتبطة بعبادات عظيمة، فعيد الفطر يأتي تتويجًا لشهر الصيام والقيام، وعيد الأضحى يتخلل شعيرة الحج العظيم، وقبله يوم عرفة أفضل الأيام، فكلا العيدين يرتبط بركن من أركان الإسلام.
- ومن المستحب التجمل يوم العيد، عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «أخذ عمر جبة من استبرق، تباع في السوق، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ابتع هذه، تجمل بها للعيد والوفود، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما هذه لباس من لا خلاق له»، فلبث عمر ما شاء الله أن يلبث ثم أرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بجبة ديباج، فأقبل بها عمر، فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنك قلت: «إنما هذه لباس من لا خلاق له» وأرسلت إلي بهذه الجبة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تبيعها أو تصيب بها حاجتك».
قال الإمام السندي: «منه علم أن التجمل يوم العيد كان عادة متقررة بينهم، ولم ينكرها النبي صلى الله عليه وسلم فعلم بقاؤها وكان ابن عمر -رضي الله عنهما-: «يلبس أحسن ثيابه في العيدين».
الاغتسال والخروج إلى المصلى
عن نافع: أن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى.
قال سعيد بن المسيب: «سنة الفطر ثلاث: المشي إلى المصلى، والأكل قبل الخروج، والاغتسال».
عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- ما قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة».
فالسنة في صلاة العيدين أن تؤدى في المصلى، وبذلك قال جمهور العلماء.
وعن أم عطية: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرجهن في الفطر والأضحى العواتق والحيض وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة -وفي لفظ المصلى- ويشهدن الخير ودعوة المسلمين».
والسنة: خروج النساء إلى المصلى لصلاة العيدين، بل ذهب كثير من أهل العلم إلى الوجوب، ومنهم الصنعاني والشوكاني، وصديق حسن خان، وهو ظاهر كلام ابن حزم ومال إليه ابن تيمية في «اختياراته»
حكمة الصلاة في المصلى
قال الشيخ الألباني، عن حكمة الصلاة في المصلى: إن هذه السنة -سنة الصلاة في الصحراء- لها حكمة عظيمة بالغة: أن يكون للمسلمين يومان في السنة، يجتمع فيها أهل كل بلدة، رجالًا ونساءً وصبيانًا يتوجهون إلى الله بقلوبهم، تجمعهم كلمة واحدة، ويصلون خلف إمام واحد ويكبرون ويهللون، ويدعون الله مخلصين، كأنهم على قلب رجل واحد، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بخروج النساء لصلاة العيد مع الناس ولم يستثن منهن أحدًا، حتى إنه لم يرخص لمن لم يكن عندها ما تلبس، بل أمر أن تستعير ثوبًا من غيرها، وحتى إنه أمر من كان عندهن عذر يمنعهن من الصلاة، بالخروج إلى المصلى ليشهدن الخير ودعوة المسلمين.
وقال الشيخ الدهلوي: إن كل أمة لا بد لها من عرضة يجتمع فيها أهلها لتظهر شوكتهم وتعلم كثرتهم، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يخالف في الطريق ذهابًا وإيابًا: ليطلع أهل الطريقين على شوكة المسلمين.
التكبير .. صيغه وحكمته
ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم الفطر فيكبر حتى يأتي المصلى، وحتى يقضي الصلاة، فإذا قضى الصلاة قطع التكبير.
وقال البغوي: ومن السنة إظهار التكبير ليلتي العيدين مقيمين وسفرًا في منازلهم ومساجدهم وأسواقهم، وبعد الغدو في الطريق، وبالمصلى إلى أن يحضر الإمام.
ومن صيغ التكبير
1- الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
٢- الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
3- الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرًا.
4- الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر وأجل، الله أكبر على ما هدانا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ففي تكبير الأعياد جمع بين القرينين، فجمع بين التكبير والتهليل والتحميد لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (سورة البقرة: 185).
فإن الهداية اقتضت التكبير عليها، فضم إليه قرينه وهو التهليل، والنعمة اقتضت الشكر عليها، فضم إليه أيضًا التحميد.
قال الخطابي: «حكمة التكبير في هذه الأيام أن الجاهلية كانوا يذبحون لطواغيتهم فيها، فشرع التكبير فيها: إشارة إلى تخصيص الذبح لله وعلى اسمه».
- أما عن وقت الأكل في العيدين، فعن بريدة قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ويوم النحر لا يأكل حتى يرجع فيأكل من نسيكته».
- وليس للعيد سنة قبلية ولا بعدية، عن ابن عباس -رضي الله عنهما: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي يوم الفطر ركعتين، لم يصل قبلهما ولا بعدهما».
قال ابن حجر: والحاصل أن صلاة العيد لم يثبت لها سنة قبلها ولا بعدها، خلافًا لمن قاسها على الجمعة.
حكم صلاة العيدين
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولهذا رجحنا أن صلاة العيدين واجبة على الأعيان كقول أبي حنيفة وغيره، وهو أحد أقوال الشافعي، وأحد القولين في مذهب أحمد، وقول من قال: لا تجب، في غاية البعد؛ فإنها من أعظم شعائر الإسلام، والناس يجتمعون لها أعظم من الجمعة، وقد شرع فيها التكبير، وقول من قال: هي فرض على الكفاية لا ينضبط».
قال العلامة صديق حسن خان: من الأدلة على وجوبها أنها مسقطة للجمعة إذا اتفقتا في يوم واحد، وما ليس بواجب لا يسقط ما كان واجبًا، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم لازمها جماعة منذ شرعت إلى أن مات، وانضم إلى هذه الملازمة الدائمة أمره للناس بأن يخرجوا إلى الصلاة.
- أما عن وقت صلاة العيد، فقد روي عن عبد الله بن بسر -رضي الله عنه ما صاحب النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج مع الناس يوم فطر أو أضحى، فأنكر إبطاء الإمام، وقال: إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه، وذلك حين التسبيح، أي وقت صلاة النافلة إذا مضى وقت الكراهة.
قال ابن القيم: «يؤخر صلاة عيد الفطر، ويعجل الأضحى».
- وليس للعيدين أذان ولا إقامة، عن جابر بن سمرة -رضي الله عنه قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة، وعن ابن عباس وجابر -رضي الله عنهما- قالا: «لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى».
كيفية صلاة العيد
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في الفطر والأضحى: في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمسًا سوى تكبيرتي الركوع.
ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يرفع يديه مع تكبيرات العيد.
لكن قال ابن القيم: وكان ابن عمر مع تحريه للأتباع يرفع يديه مع كل تكبيرة.
- قال الإمام مالك: «ارفع يديك مع كل تكبيرة»، وهذا قول عطاء.
ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر معين بين تكبيرات العيد.
ومن فاتته صلاة العيد جماعة يصلي ركعتين، قال البخاري: باب إذا فاته العيد يصلي ركعتين، وهو قول عطاء ومذهب الشافعي.
- أما عن الخطبة، فإن السنة في خطبة العيد أن تكون بعد الصلاة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «شهدت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان -رضي الله عنهم- فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة».
وخطبة العيد كسائر الخطب، تفتتح بالحمد والثناء على الله عز وجل.
وقال ابن القيم أيضًا: ورخص «لمن شهد العيد أن يجلس للخطبة أو أن يذهب».
- وأخيرًا التهنئة بالعيد: قال جبير بن نفير: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: «تقبل الله منا ومنك».
المراجع
1- كتاب أحكام الصيام د. مصطفى السباعي.
۲ حاشية ابن عابدين.
3- كتب السنة: البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وأحمد ومالك والبيهقي وابن ماجه وعبد الرزاق وابن أبي شيبة.
4- حاشية السندي على النسائي.
5- فتح الباري لابن حجر.
٦- إرواء الغليل.
7- رسالة صلاة العيدين في المصلى هي السنة، للألباني.
8- مجموع الفتاوى لابن تيمية.
9- الروضة الندية.
١0- زاد المعاد.