; الطريق الي الجنة | مجلة المجتمع

العنوان الطريق الي الجنة

الكاتب الشيخ عبد الحميد كشك

تاريخ النشر الثلاثاء 03-ديسمبر-1974

مشاهدات 44

نشر في العدد 228

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 03-ديسمبر-1974

الطريق الي الجنة • إن كلمة التوحيد »لا إله إلا الله« هي جنسية المسلـــم وهويته ووطنه، إذ أن الإسلام لا يعترف بالحدود والأسوار لأنها بقية من بصمات الاستعمار وصدق من قال: «ولست أدرى سوى الإسلام لي وطنًا الشام فيه دواري النيل سيان وكلما ذكر اسم الله في بلد عددت أرجاءه من لب أوطاني وكلمة التوحيد »بهــــذا المعنى« تعتبر عز المســــلم وعنوان كرامته وآية تحريــره من جميع قيود العبودية أيًا كان لونها أو جنسها أو مصدرها أو مكانتها أو ما شابه ذلك وصدق الله إذ يقول: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ. وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا ۗ أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (سورة آل عمران:79 – 80).. وفي التوحيد خلاص من عذاب النار وطريق إلى الخلود فــي الجنة ورضوان الله، وهذا بخلاف الشرك فالإنسان بالشرك يهوى في غياهب الظلمات ويضيع في شتى المتاهات فهو رغم أنه يحيا في الدنيا حياة ذليلة فهو في الأخرة يصبر مهينًا ذليلًا. وإذا كان التوحيـــد هو الطريق إلى الجنة فليس ذلك بكلمات تلوكها الألسنة أو تتمتم بها الشفاه وإنما هو حقيقة لها كيانها وقضية لها مفاهيمها وصدق رسولنا حين قال مـــا معناه: «ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل وإن قومًا غرتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا ولاحسنة لهم وقالوا: نحن نحسن الظن بالله وكذبوا لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل». • إذن فإخلاص القلب وصدق النية هما المحور بل مركــز الدائرة التي يدور حوله التوحيد فيعيش المسلم في هذا الإطـار لا يجد فزعًا للخروج لأنــــه مشدود بقوة الجذب المركزية ولا يستطيع النكول لأنه محاط بقوة الطرد المركزية ومن هنا يمكن إدراك هـــذه القيمة التعبيرية إذا عرفت أن جميع الرسل ما جاءوا بأفضل مـــن هذه الكلمة «لا إله إلا الله». سأل يومًا أبو هريرة رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أسعد النـــاس بشفاعته يوم القيامة فقــال: «من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه»... إن أخطر المراحل التي يبتلى بها الإنسان في هذه الحياة هو دعواه الإیمان وأعماله لا تمت إلى ذلك الإيمان بصلة، عندئذ يحدث الانفصال الرهيب بــين الاعتقاد والأعمال وبين الأصل والصورة ومن هنا حذر الكتاب العزيز من الوقــوع في تلــك الهاوية فقال جل شأنه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ. وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ. وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (سورة البقرة:204 : 206)... • إن معيار الإيمان الحقيقي يتمثل في صدق القول وإخلاص العمل والثبات على المبدأ والتمرس بالشدائد والصمود مهما عصفت ريحها وهاجـــت ثائرتها. استمع إلي هذا السؤال المحمدي لبعض أصحابـــه: »أمؤمنون أنتم؟«. فقــال عمر رضي الله عنه: »نعم يا رسول«. فقال الحبيـــب المصطفى صلى الله عليه وسلم: »فما حقيقة إيمانكم؟« قال عمر رضي الله عنه: »نصبر على البلاء ونرضى بالقضــاء ونشكر في الرخاء». فكان الحكم النبوي: «مؤمنــون ورب الكعبة«. إن القرآن الكريم فيه مـن الدروس ما يؤكد هذه الحقيقة عندما يصور لنا موقف هــذا القائد من جنده وقد أدخلهم الامتحان يختبر فيــــه قـوة الإيمان. انصت إلى جلال القــرآن وهو يصور هذا المعنى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾(سورة البقرة:249) فتأمل معي كيف غربـــل طالوت جنوده وصفى صفوفهم واختار من صدق في إيمانه وثبت على مبدئـــه وتمرس بالشدائد فنجح القائد بذلــك العمل نجاحًا بعيد المدى فماذا قال هؤلاء المؤمنون القليلون في عددهم الكثيرون في كيفهــــم الأقوياء في يقينهم عندما التقى الجمعان؟ وماذا كانت النتيجة في المعركة؟ :﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ • إن الإيمان لا يتفق مــــع الكذب ولا يقبل الخــداع ولا يعرف الغش... وصـــــدق القائل: ودع الكذوب فلا يكن لك صاحبًا إن الكذوب يشين حرًا يصحب يلقاك يقسم أنه بك واثق وإذا تداري عنك فهو العقرب يسقيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ الثعلب إذن فالإيمان الصحيح هو القدوة السليمة السوية فهذا هو القرآن يقول على لسان نبي الله شعيب عليه السلام وهو يخاطب قومه:﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (سورة هود: 88). فيوم تكون معاملة النـــاس مبنية على المراوغة والمداهنة والأنانية والنفعية فإن مصــير المجتمع ينذر بالخطر والفوضى والهوان والشقاء والتعاسة. يروى أن السيد المســــيح عليه السلام كان يقول لقومه: «یا بنی إسرائيل لا تأتوني تلبسون ثياب الرهبان وقلوبكم قلوب الذئاب الضواری ولكن البسوا ثياب الملوك وألينوا قلوبكم بخشية اللــه».. إن هناك حديثًا قدسيًا تميل له النفس مرارة وينفطر لـه الفؤاد لوعة مما حواه مـــن أحوال الخلق... يقول جل شأنه: »لقد خلقت خلقًا ألسنتهم أحلى من العســــل وقلوبهم أمر من الصبر فبي حلفت لاتبعنهم فتنة تدع الحليم فيهم حیران، ابی يفترون؟ أم عليّ يجترئون؟« ورحم الله الشافعي حين قال: إذا المرء لا يلقاك إلا تكلفًا فدعه ولا تكثر التأسفا ففي الناس أيدال وفي الترك راحة وفي القلب صبر للحبيب ولو جفا فما كل من تهواه يهواك قلبه ولا كل من صافيته لك قد صفا إذا لم يكن صفو الوداد طبيعة فلا خير في ود يجئ تكلفا ولا خير في خل يخون خليله ويلقاه من بعد المودة بالجفا وينكر عيشا قد تقادم عهده ويظهر شرًا كان بالأمس في خفا سلام على الدنيا إذا لم يكن بها صديق وفي يصدق الوعد منصفا إنما يثمر الإيمان ثمرتــه ويؤتي أكله إذا كان أساسه صدقًا في القلب وتطبيقًا صحيحًا في العمل عندئذ يكون كالقطب الشديد الجذب لأن من يتعامل مع صاحبه لا تهتز ثقته فيــه ولا يضطرب حكمه عليه.
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 29

82

الثلاثاء 29-سبتمبر-1970

لعقلك وقلبك ( 29)

نشر في العدد 359

63

الثلاثاء 19-يوليو-1977

أضواء على كلمة التوحيد

نشر في العدد 478

76

الثلاثاء 29-أبريل-1980

الأسرة (العدد 478)