العنوان رسالة من الأمير طلال بن عبدالعزيز
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 18-فبراير-1989
مشاهدات 75
نشر في العدد 905
نشر في الصفحة 33
السبت 18-فبراير-1989
تلقت المجتمع هذه الرسالة من الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود والتي توضح ملابسات نشر مقابلة أجرتها معه جريدة الأهرام القاهرية، وهذا نص الرسالة:
السيد رئيس تحرير مجلة المجتمع الغراء
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد....
نشرت جريدة الأهرام بتاريخ 5 فبراير ۱۹۸۹ مقابلة صحفية أجراها مندوب الجريدة معنا، وقد هالني لدى قراءتها ما تم بتره منها حسبما راق للناشر؛ حيث نشر ما أعجبه وأهدر ما لم يعجبه، وهو السؤال الأول وإجابته كما هو مبين بالنص المرفق.
وما هالني هو أنه كان هناك اتفاق صريح بعدم إدخال أي تعديل بالحذف أو الإضافة إلى ما أدليت به في المقابلة، وكنت أتصور أن التزام الجريدة بهذا الاتفاق مفروغ منه، ولكن يبدو أن ظني كان في غير محله.
وقد كان الجزء الذي تم حجبه من المقابلة أهم عندي من بعض ما نشر؛ لأنه بمثابة رسالة مفتوحة أوجهها- بكل المودة والحب- إلى كتابنا وصحافينا حول أسلوب تناولهم لتاريخنا العربي المعاصر في المسلسلات الصحفية والكتب.
وبصرف النظر عما دفع الجريدة إلى حجب هذه الرسالة بالذات، فإنني ما زلت مهتمًا بأن تصل لأهلها، وأن تصل بوجه خاص إلى من اعتز بهم من أهل القلم الذين أحمل لهم مودةً خاصةً.
وهذا هو ما دفعني إلى أن أرفق الرسالة بهذه السطور وبنفس الصيغة التي تم الإدلاء بها وقت إجراء المقابلة.. وقد تتفقوا معي في الرأي الذي أبديته أو نختلف، ولكن المهم هو أن يبلغك الرأي أولًا؛ لكي يمكن الحوار حوله، من منطلق واجب الأمانة مع القارئ والكاتب والمتحدث.
جمعنا الله دائمًا على ما فيه الخير والله يحفظكم.
طلال بن عبد العزيز آل سعود
المجتمع، وإيمانا منا بالأهمية الكبرى لكتابة- التاريخ المعاصر بدقة، فإنها تنشر السؤال الذي تجاوزت الأهرام نشره وإجابة الأمير طلال عليه، وذلك كما يلي:
*الوثائق وكتابة التاريخ:
سمو الأمير: لقد برزت في الصحافة العربية مؤخرًا ظاهرة تناولت تاريخنا المعاصر وأحداثه، هل ترون سموكم أن هذه الظاهرة أو هذا التناول قد استطاع الوقوف بنجاح على الحقائق المهمة لهذا التاريخ، وهل عكست هذه التنازلات بصدق وموضوعية للقارئ العربي ما يخص تاريخ منطقته؟
الأمير طلال بن عبد العزيز:
وكانت الإجابة التي لم تنشرها الجريدة المذكورة كما يلي:
على الرغم من أن كتابة التاريخ بالوثائق تعتبر من الأمور الضرورية جدًّا لإثبات الحقيقة- أي حقيقة إلا أن التأكد من صحة هذه الوثائق يعتبر هو الآخر ضرورة حتمية يتطلبها الوصول إلى هذه الحقيقة. ومن هذا المنطلق نرى أنه بشأن ظاهرة موجة نشر الكتب التي تتناول أحداث تاريخنا المعاصر، ورغم صدق و موضوعية البعض منها، ورغم اجتهادات وعلمية محاولات البعض الآخر؛ إلا أن هناك مصالح مختلفة إزاء نشر بعض تلك الكتب التي تنقسم إلى نوعين، أولهما يتناول جانب الإثارة والمبالغة حول تاريخ وسلوك زعيم ما وأحيانًا ما يكون وراء هذا النوع أولئك الناشرين الذين يريدون ترويج ما يصدر عن دورهم، بغرض تحقيق أقصى ربح مادي متغاضين عن التشويه أو إثارة البلبلة في ذهن القارئ، وخاصة الأجيال الجديدة التي لديها تفتح للاطلاع على مجريات الأمور في الأمس القريب، وهناك النوع الثاني من تلك الأعمال التي يصدرها أفراد كان لهم دور في إحدى مؤسسات دولة ما و يريدون الدفاع عن أنفسهم أو التشهير بغيرهم؛ سواء لتصفية حسابات شخصية أو للظهور بدور البطولة، بعد أن توفى الله بعض شهود تلك المرحلة وصمت بعض الأحياء منهم.
ومما يعيب هذه الكتب أيضًا اعتبار الصحف وثائق ناطقة بالحقيقة، رغم أنه من المعروف أن ظروف الصحافة العربية ومنذ وقت طويل في تاريخنا المعاصر كانت نجعلها أداة في علات إعلامية تقوم بها الدول ضد بعضها البعض وما كانت تسمح بتكذيب ما ينشر فيها، إذا كان التوقيت لا يتفق مع أغراضها السياسية، وكلا النوعين يفتقد الشروط المبدئية المطلوبة التي يلتزم بها المؤرخون في تسجيل الوقائع التاريخية بما فيها الوثائق التي ترد مع نص الكتاب؛ حيث يتم تقديم الوثائق تقديمًا سرديًّا مثل «القصص والحواديت»، وليس تقديمًا نقديًّا بعد التحقق من صحتها ويسمح هذا الأسلوب بإضفاء صفة الوثيقة على ما ليس بوثيقة، مثل النقاط التي يسجلها المسؤول؛ حتى لا تخونه ذاكرته أو تلخيص مجريات اجتماع ما، وهو ما يعرض مثل هذا النوع لأخطاء الذاكرة والتلخيص المخل.
فهل يمكن لذاكرة أي إنسان المقدرة على إملاء سكرتيره تفاصيل ووقائع اجتماعات طويلة أم الاكتفاء بنقاط مختصرة، بينما يلجأ هؤلاء الكتاب إلى الادعاء بأن مثل هذه النقاط تعبر عن الحقيقة الكاملة، وأمثال تلك الأوراق قد تستخدم من قبل بعض المؤرخين كمؤشرات لاتجاهات دراستهم، ويلجأ إلى التحقق من صحتها ومن أصلها واستكمالها؛ إذ إن المؤرخ العلمي الجاد يعرف أن الوثيقة شيء والحقيقة شيء آخر.
والملاحظ أن هذا الشرط غير ملتزم به، مما يجعل أثر الوثيقة ضارًّا ضررًا مزدوجًا، ويوحي بأن المدون بها هو الحقيقة ذاتها، مع حرمان القارئ من دلائل وإثباتات تحقيقها عن طريق إضفاء صفة الوثائق على ما يورده الكاتب.
كما أن هناك ملاحظة مهمة في هذا المجال، وهي أنه لا توجد وثيقة واحدة تحيط بكل جوانب الحقيقة لحدث ما، فالوثائق أجزاء من الحقيقة أو أنصاف حقائق؛ لأن ما يطلق عليه اسم وثيقة في تلك الكتب التي تتحدث عنها، يوجد ما يكملها أو يناقضها، ومثال ذلك هو تقارير السفارات الأجنبية في دولة ما، فإنه من العبث اعتبارها حقائق؛ حيث لا يوجد لها سندًا إلا كاتبها، وقد قرأت ذات مرة تقريرًا لسفارة منشورًا في إحدى الكتب يتناول معاملات للبنوك لا يمكن عمليًّا أن تكون صحيحة؛ لأن أوراق البنوك ليست مطروحة أمام رجال السفارات أو غيرهم وإنما هي ثرثرات وأسلوب التقاط وثيقة واحدة من بين وثائق عدة يسمح للكاتب أن يقدم للقارئ أنصاف حقائق، ونصف الحقيقة مثل نصف الكذب، كما يجب الإشارة إلى عزوف معظم المؤرخين العلميين عن تناول أحداث التاريخ المعاصر، مما ترك الساحة لبعض الهواة وأصحاب المصلحة، هذا في حالة توفر أحسن النية لدى الكاتب من هذا النوع، وفي هذه الحالة فأقصى ما يوصف به كتابة هو أنه شهادته الخاصة، وليس بالضرورة الحقيقة التاريخية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل