العنوان صيدا: جسر التحدي اللبناني لليهود
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 07-فبراير-1984
مشاهدات 57
نشر في العدد 657
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 07-فبراير-1984
في صيدا سقطت الشعارات القومية والاشتراكية وبقي الإسلام وحده.
يقول المولى عز وجل في كتابه الكريم:
﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ (الحشر:14) صدق الله العظيم.
ذكر المفسرون أن هذه الآية تتحدث عن اليهود من حيث اتصافهم بصفة الجبن والخوف وأنهم لا يقدرون على مقاتلة المسلمين إلا إذا كانوا متحصنين في قلاعهم وحصونهم أو يكونون مختبئين وراء الجدران ليستتروا بها لفرط جبنهم وهلعهم.
وأشد ما ينطبق هذا التفسير على حال اليهود اليوم في مدينة صيدا بجنوب لبنان حيث تحولت دباباتهم ومصفحاتهم إلى قلاع يتحصنون بها وجدران يقبعون وراءها خوفًا وهلعًا ومن هنا يكون السؤال: ماذا يجري في صيدا؟؟؟؟
تصاعد العمل الجهادي:
في اليوم الأول من الشهر الجاري أدلى ناطق عسكري إسرائيلي بحديث إذاعي عن أوضاع قوات الاحتلال في مدينة صيدا التي تعتبر قلب الجنوب اللبناني وعاصمته الإدارية فذكر في بيانه أن هذه القوات تعرضت لعمليات فدائية متنوعة أحصاها على النحو التالي:
- 25 عملية فدائية خلال شهر نوفمبر الماضي.
- 50 عملية فدائية خلال شهر ديسمبر الماضي.
- 60 عملية فدائية خلال شهر يناير الماضي.
وهذا يعني أن العمليات الفدائية التي ينفذها أهالي المدينة ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي قد زادت خلال الأشهر الثلاثة الماضية بمعدل «ضعف ونصف» أي أنه بينما كانت تتم في اليوم الواحد عملية واحدة تقريبًا خلال شهر نوفمبر ارتفع المعدل اليومي إلى عمليتين فدائيتين خلال شهر يناير وهذا بالتالي يعطينا مؤشرات أو مدلولات نبيِّنُها فيما يلي:
1- إن العمليات الفدائية باتت تحظى بالقبول والتأييد من قِبَل أهالي مدينة صيدا وبالتالي فإن هذا التأييد سيؤدي إلى ارتفاع نسبة العمليات وفاعليتها.
2- إن ازدياد نسبة العمليات الفدائية يعني زيادة في عدد الأشخاص المنفذين لتلك العمليات من حيث إن العمل الجهادي بات يشكِّل عامل جذب للعديد من أهالي المدينة.
3- إن ازدياد نسبة العمليات الفدائية يعني أنها لم تعد تنطلق من مبادرات فردية إنما باتت توجه وتنظم من قبل تنظيم مستعد للتخطيط وتأمين الإمكانات..
4- إن وجود التخطيط والتنظيم القادر على تأمين الإمكانات اللازمة يعني أن العمليات الفدائية ضد قوات الاحتلال ستوجه رسمها البياني نحو التصاعد خلال الفترة القادمة من حيث العدد ونوعية.
الطابع الإسلامي للمقاومة:
والملاحظة الأهم في عمليات المقاومة الموجهة ضد الاحتلال الصهيوني أنها تنطلق من منطلق إسلامي صِرف حيث بات الجهاد أمرًا مفروضًا؛ لذلك يقول أحد علماء المسلمين في المدينة: إن الصراع مع اليهود صراع ديني وطالما هذه الأرض التي يحتلها اليهود في أرض إسلامية فلن يحررها سوى الإسلام، والمسلمون ما ربحوا معركة في تاريخهم إلا تحت راية الإسلام، ويبقى الحافز الديني هو الأقوى والأفعل.
ويقول أحد خطباء المساجد في المدينة تأكيدًا منه على التصميم والصبر.
إذا كنا عاجزين عن دحر جيوش العدو بإمكاناتنا البسيطة فليدفع ثمن بقائه هنا على الأقل.
هذه المواقف للعلماء المسلمين دفعت بأحد رجال السياسة اللبنانيين إلى القول: بأن علماء المسلمين هم الذين يمثلون جسر التحدي اللبناني لليهود.
ومن هنا فقد انطلقت المقاومة ضد الاحتلال من مساجد المدينة التي تحولت إلى منابر للجهاد المقدس، وأصبح شارعها الرئيسي هو شارع العمليات البطولية ومساجدها تشهد بعد كل صلاة تظاهرة ضد الاحتلال والعلماء فيها يوجهون ويحرضون ويقودون المقاومة المدنية المسلحة، وكانت صيحات الشيخ محرم عارفي إمام وخطيب مسجد البطاح تَفْعَل في قلوب شباب المدينة فعل السحر فيترك كل شيء ليلتحق بالعمل الجهادي حتى اضطر الصهاينة لاعتقاله لمنعه من التأثير على شباب المدينة ولكن اعتقال الشيخ عارفي حرك كوامن الغضب في نفوس أهالي المدينة وبدأت العمليات الفدائية تقض مضاجع الصهاينة ولم يعودوا يجرؤون على التجول في المدينة إلا داخل الدبابات والمصفحات وتحولت المدينة إلى جحيم بالنسبة لقوات الاحتلال التي باتت في استنفار دائم مما دفع الجنرال موردخاي غور رئيس الأركان الإسرائيلي السابق إلى القول بأن الخطر الأكبر يتهدد إسرائيل هو تعريضها لهذا النوع من الموت البطيء.
ويقول راديو العدو في معرض تعليقه على الوضع العسكري في صيدا، لا يمر يوم إلا وتقع فيه أعمال فدائية، فصيدا أصبحت بالنسبة للجنود الإسرائيليين حالة من الذعر والخوف اليومي فكل نافذة في المباني العالية المحيطة بالساحة الرئيسية والشوارع الضيقة بمثابة مدفع موجه ضد الإسرائيليين، إن كل صفيحة أو جسم مشبوه محتمل أن يكون عبوة ناسفة، ويستطرد مراسل إذاعة العدو قائلًا في هذه الظروف الصعبة على القوات الإسرائيلية أن تحافظ على حياة جنودها ولكن كيف؟
وحول هذه الظروف يقول أحد الضباط الصهاينة العاملين في صيدا للمراسل الصحفي الإسرائيلي شمونيل ثال: لماذا نحن هنا؟ يسقط لنا قتيل يوميًّا بشكل أخذ يثير القلق بين صفوفنا إننا مهما اتخذنا من أسباب اليقظة والحذر فإن ذلك لن يمنع أن تلقى عليك قنبلة يدوية، إننا بعد انتهاء دوريتنا نتنفس الصعداء ونعتبر أنه وهبت لنا حياة جديدة، لكن عندما يحين موعد خروج دوريتنا مرة أخرى نتثاقل في الخروج ونشعر بالقلق والخوف.
وانطلاقًا من هذا الخوف والفزع الذي يعيش من خلاله جنود العدو كان تصديهم لسكان المدينة يتم بصورة همجية حيث إطلاق النار عشوائيًّا واقتحام البيوت بواسطة الدبابات ونسف هذه البيوت لأي شبهة أو لمجرد احتمال وظن.
الإسلام وحده في صيدا:
كان للتواجد الفلسطيني في الجنوب اللبناني فرصة كبيرة للأحزاب والتنظيمات اليسارية والعلمانية التي رفعت شعارات التصدِّي والمقاومة... في أكبر عملية استغلال لحركة المقاومة الفلسطينية التي خُدِعَت بشعارات الأحزاب اليسارية الفارغة من أي مضمون، وبعد الغزو الإسرائيلي عام 82م ونزوح المقاومة الفلسطينية أصبح ما يسمَّى بالحركة الوطنية التي تضم هذه الأحزاب اسمًا من غير مسمَّى ولافتة ليس لها أي معنى، حتى الجانب النصراني في المنطقة وقع أسيرًا للشعارات الكتائبية ونزعتها الطائفية المعادية للإسلام والمسلمين، ومع ذلك لم يحدث أن تعرض أي نصراني لأي إيذاء انطلاقًا من مبدأ التسامح الإسلامي وحسن الجوار... ولكن مع دخول القوات الإسرائيلية حاولت الكتائب أن تستذل مدينة صيدا بكل وسيلة ممكنة... وهكذا كانت جميع القوى والتيارات السياسية والعقائدية... في جانب والقوى الإسلامية في الجانب الآخر.
القوى الإسلامية وحدها متمثلة بالجماعة الإسلامية ومجموعة العلماء المجاهدين كالشيخ العارفي والشيخ حرب والشيخ ماهر حمود... وغيرهم الذين رفعوا شعار الجهاد في سبيل الله فالتف حولهم أهالي المدينة، وأثبت الواقع أن هذا الشعار هو الوحيد الذي يحرك القلوب ويدفع إلى التضحية بالنفس والمال... وهذا ما دفع العديد من أهالي صيدا إلى درب المقاومة انطلاقًا من إيمانهم بحتميَّة الصراع اليهودي- الإسلامي وفرضية الجهاد، فكان الشهداء الشباب جمال حبال -ومحمود زهرة- ومحمد علي الشريف نموذجًا رفيعًا من الشباب المجاهد الملتزم بإسلامه الذي جعل من الجهاد والاستشهاد في سبيل الله أسمَى أمانيه، وكان الفتى محمد نزيه الذي لم يتجاوز الثالثة عشر من عمره مثالًا فريدًا من الأمثلة الحيَّة التي تخرجت من المدرسة المحمدية مدرسة المسجد الذي يحاول اليوم أعداء الإسلام في كل مكان تعطيل دوره وأثره في حياة المسلمين.
الجهاد وحده يحقق النصر:
إن الحقيقة التي لا يستطيع أحد انكارها والتي لا زلنا نعيشها منذ سنين طويلة وحتى يومنا هذا تتمثل في الفشل المتكرر والمستمر في جميع المعارك التي خضناها ضد العدو الصهيوني حيث رفعت في حال الوكالة الشعارات الوطنية والقومية والاشتراكية... إلى آخر هذه المسميات التي فرضت على هذه الأمة، ولم يتحقق من خلالها سوى الفشل والهزيمة والمعاناة المستمرة، ولم يرفع شعار الإسلام مرة واحدة، وها هي صيدا ترفع الإسلام كشعار وعمل جهادي في تصدِّيها للاحتلال الصهيوني فتسطر ملحمة من أروع الملاحم التي جعلت العدو الصهيوني يفكر جدِّيًا في الانسحاب من المدينة خاصة أن كثيرين من قادة العدو بدءوا يطالبون حكومتهم بانسحابهم من صيدا نظرًا للخسائر الفادحة والقلق الدائم الذي يعيشه جيش العدو.
وكما هو حال الجهاد في صيدا، فالحال نفسه يعيشه مسلمو مدن الضفة الغربية المحتلة ومسلمو أفغانستان والفلبين... فمتى يَعِي زعماء هذه الأمة وقادتها حقيقة الصراع بين المسلمين وأعدائهم من صليبيين ويهود وشيوعيين... متى ترفع راية الجهاد تحت شعار لا إله إلا الله محمد رسول الله، حيث بهذه الراية وذاك الشعار فقط يتحقق خروج المحتل واندحاره.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل