العنوان مستقبل طفولة أمريكا إلى أين؟
الكاتب د. أنور حجاج
تاريخ النشر الثلاثاء 20-ديسمبر-1994
مشاهدات 115
نشر في العدد 1130
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 20-ديسمبر-1994
- في بعض المناطق من ولاية نيوجرسي يوجد أربعة من بين كل خمسة أطفال ولدوا من سِفاح.
- يوجد ما يزيد على نصف مليون طفل مسلم ومائة مدرسة إسلامية وأكثر من ألف مركز إسلامي في الولايات المتحدة.
إن الطفولة تشكل الاستثمار الفعلي لأي مجتمع يخطط لمستقبله ليضمن استمرار المد الحضاري، وتوريث التراث لأجيال المستقبل التي ستقوم بدورها بتطوير رسالة مجتمعها الذي حمَّلها هذه المسئولية.
فمن أجل تحقيق هذا الهدف تعكف مؤسسات المجتمع المختلفة على وضع الخطط والبرامج الخاصة بالطفولة.
فتُفتح المدارس، وتوضع المناهج، ويدرب المدرسون لتنفيذ هذه المناهج تحت إشراف وتوجيه المتخصصين، وذلك ضمن إطار السياسة العامة التي ينتهجها المجتمع والتي يعبئ لها كل الإمكانات، ويحشد لها كل الطاقات الكفيلة باستمرار تطوره وازدهاره وامتداد بقائه، ولكي يضمن المجتمع نجاح خططه وبرامجه، لا بد له من أن يضمن تعاون كافة الأجهزة ذات العلاقة لتحقيق هذه الأهداف.
ولما كان موضوعنا يتناول مستقبل الطفولة في أمريكا فسأحاول -بإذن الله- أن أضع بين يدي القارئ ملخصًا لأهم المظاهر التي تعكس واقع المجتمع الأمريكي، مبينًا بطريقة موضوعية أثر هذه المظاهر على حياة الطفل، ليتسنى للقارئ أن يرسم لنفسه صورة عن واقع ومستقبل الطفولة الأمريكية وأثر ذلك على مستقبل المجتمع الأمريكي.
أبرز مظاهر ومكونات المجتمع الأمريكي وأثرها على حاضر ومستقبل الطفولة
۱ - حرية التعبير عن الرأي: إن نظام الحكم الديمقراطي الذي يضبط حياة الشعب الأمريكي بموجب الدستور الذي وضعه الشعب وارتضاه لنفسه، كفل لكل فرد حقه وحريته في التعبير عن رأيه، وبموجب هذا الحق الدستوري تأسست الصحافة ودور النشر والإعلام وصناعة السينما وشبكات الإذاعة وصناعة أفلام الفيديو، وهكذا أصبحت الكلمة المكتوبة والمذاعة والصورة المطبوعة والمبثوثة من خلال الشاشة الكبيرة والصغيرة مكفولة ويحميها الدستور، ونظرًا لأن الدستور ترك للأفراد حرية الاعتقاد، ولم يضع نظامًا موحدًا للأخلاق والقيم، وهكذا ترك الحبل على غاربه لمن يريد أن يعبر عن رأيه تحت مظلة الدستور، فتضاربت المصالح الخاصة مع الأهداف العامة وأصبح من العسير البت في كثير من القضايا التي تتعرض للأخلاق والقيم التي لم ينتظم عقدها أصلًا بموجب مادة دستورية.
فانقسم الناس إلى أكثر من فريق في نظرتهم إلى كثير من القضايا الأخلاقية، فمثلًا الإجهاض له من الناس من يؤيده ويدافع عنه، وله من الناس من يندد به ويدين مرتكبه، وأحيانًا ينتهي هذا الاعتراض بالتصفية الجسدية للطبيب الذي يجري عملية الإجهاض، وعلى هذا المنوال تجري أمور كثيرة.
٢ - الحضارة المادية: التقدم الهائل في وسائل التقنية الحديثة والرفاهية جعل الناس في الولايات المتحدة يلهثون وراء المادة للحفاظ على مستوى الرفاهية الذي يعيشونه، وملاحقة الاختراعات الحديثة، فتحت ضغط الحياة المادية والخوف من فقدان مصدر الرزق، لذلك توترت أعصاب الأفراد وكثرت المشكلات النفسية وأهملت جوانب كثيرة في حياة الأفراد، فانعكس أثر ذلك على حياة الأطفال اليومية، فكثيرًا ما يترك الأولاد بمفردهم في البيت بدون رعاية والديهم، أو قد يترك الأطفال لرعاية إخوة لهم أكبر من سنهم قليلًا، أما في حالة الأسر الغنية فغالبًا ما يتركون أطفالهم لترعاهم حاضنات يقمن في البيت خصيصًا لهذه المهمة، أما في حالات ذوي الدخول المحدودة فغالبًا ما يقومون بوضع أطفالهم عند حاضنات يعملن في بيوتهن.
أو قد يضعوهم في بيوت رعاية الأطفال طوال ساعات اليوم وحتى عودتهم من وظائفهم، وهكذا نشأت وترعرعت بيوت حضانة الأطفال وامتهنت بعض النساء هذه المهنة بسبب الحاجة الملحة لها، فترك الآباء أبناءهم لترعاهم نساء لا يعرفون إلا النذر اليسير، فكان من جراء ذلك فساد كبير في أخلاق كثير من الأطفال، وغالبًا ما يتدخل القضاء للبت في كثير من القضايا الأخلاقية التي راح ضحيتها الكثير من الأطفال.
3- مدارس الأطفال: إن نظام التعليم السائد في المدارس الأمريكية يحظر على المعلم أن يدرس الدين لأنه لا يدخل ضمن المنهاج المعتمد، وهكذا غيبت الأخلاق التي جاءت بها الأديان السماوية الثلاث عن حجرة الدراسة، فأضحى المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، واحتار الأطفال فيمن يتخذونه قدوة لهم، ففي الوقت الذي حرمت فيه الأديان السماوية الشذوذ الجنسي، يجد الطالب أن مدرسه أو مدرسته ممن يمارسون هذه الجريمة المقززة، فإذا كان هذا هو دور المربي الذي أؤتمن من قِبل ولي الأمر والمجتمع على تربية الأطفال على القيم والمثل ليعدهم لدورهم الريادي في المستقبل، فمن ذا الذي يصحح هذا الخلل؟ فالكثير من الكنائس ومعابد اليهود أصبحت تُجري عقود الزواج للرجال والنساء الشاذين جنسيًّا، كما أن كثيرًا من رجالات الكونجرس والفنانين يجاهرون علنًا بشذوذهم الجنسي.
4- العلاقات الجنسية بين الجنسين: يتعرض الأطفال ابتداء من المرحلة الابتدائية لأنماط مختلفة من الإثارة الجنسية، فالأبوان ينشئان أطفالهما على ضرورة أن يكون له أو لها صديقة أو صديق حتى يكتشف شريكة أو شريك العمر معتمدًا على نفسه أو معتمدة على نفسها، فإذا شعر الأبوان بأن ابنهما أو ابنتهما ليس له صديقة أو ليس لها صديق فلا بد من أن يحال أمره أو أمرها إلى طبيب نفساني ليحل ما لديهما من عقد نفسية، حتى إن الكنائس التي يفترض فيها أن تبث الفضيلة بين المنتسبين إليها تشجع الجنسين على اتباع نفس السلوك، فكان من نتيجة هذا التوجه الذي تبناه الآباء وباركته الكنيسة أن انكب الأطفال على ممارسة الجنس في سن مبكرة. وقد قامت بعض المدارس في ولاية «ماستشوتس» بتوزيع الأكياس العازلة للحمل بين طلاب الصف الخامس الابتدائي، وهكذا قاد المجتمع فلذات كبده إلى أتون الجنس فغدت بنات الثالثة عشرة يمارسن الجنس بعلم أولياء أمورهن، وأصبحت تسع فتيات من أصل عشر فتيات في المدارس الثانوية يتفاخرن بممارسة الجنس، والتي لم تمارسه بعد ليس بسبب الفضيلة، ولكنها لم تجد الشخص المناسب لها بعد.
وبالتالي كثر عدد البنات الحوامل من سن الثالثة عشرة، فمنهن من اضطررن للإجهاض، ومنهن من وضعن حملهن من غير أزواج، والبعض الآخر أصبن بمرض الإيدز، ومن ثم انقسم المجتمع على نفسه في الوصول إلى رأي حاسم وقاطع في مسألة الإجهاض، حيث ازدادت نسبته وكثرت نسبة الأولاد الذين يولدون من غير انتسابهم لآباء، إلى درجة أنه في بعض مناطق ولاية «نيوجرسي» يوجد من بين كل خمسة أطفال أربعة ولدوا من سفاح. كما أن الحث على تطبيع العلاقة بين الجنسين منذ طفولتهم قد شجع كثيرًا من الشباب لاغتصاب الكثير من الفتيات، وتكاد لا تمر ساعة من غير وقوع حادثة اغتصاب.
5- أسر تعيلها أمهات من غير آباء: إن ممارسة نسبة كبيرة من الفتيات للجنس قبل الزواج ووقوع بعضهن ضحية للاغتصاب، أدى إلى تكوين أسر كثيرة تتكون من أمهات لأطفال لا يعرفون آباءهم، ونظرًا لأن تكاليف الحياة باهظة، الأمر الذي يجبر المرأة للخروج طلبًا للرزق، تاركة طفلها إما لدار الحضانة أو لامرأة ترعاه حتى عودتها مقابل ثمن ما، وهذا أدى إلى تكوين جيل من الأطفال يعانون من نقص في التغذية واضطراب عاطفي وسلوكي، وسوء معاملة من الأم المرهقة والمثقلة بالهموم والإرهاق الجسدي بسبب أعباء الحياة التي تكابدها بمفردها، غالبًا ما يفقدها صوابها فتقسو على طفلها قسوة بالغة ربما تودي بحياته، وكثيرًا ما تضطر الأم إلى بيع طفلها مقابل ثمن بخس لأم ميسورة الحال لكنها محرومة من الإنجاب، وغالبًا ما تضطر بعض الأمهات إلى العيش مع الرجال من غير رابطة الزواج وقيوده، فيكون من نتيجة هذه العلاقة سوء معاملة الرجل للطفل إما بسبب أنه مدمن خمر أو مدمن مخدرات، ثم إن الطفل يصبح وجهًا لوجه مع رجل غريب يقيم علاقة جنسية غير سائغة مع أمه، مما يولد عنده الكراهية لأمه فتتغير نظرته للحياة وللقيم، وقد ينتهي به المطاف إلى اقتراف كافة أنواع الموبقات والجرائم.
6- انشغال الآباء بالارتباطات الاجتماعية: إن كثيرًا من الآباء لهم من الارتباطات الاجتماعية ما تشغلهم عن تربية ورعاية أبنائهم، الأمر الذي يضطرهم إلى تركهم في البيت بمفردهم الساعات الطوال حتى يعودوا إلى البيت، فيبقى الأطفال بمفردهم في البيت ليقتلوا الوقت بمشاهدة أفلام التليفزيون أو أفلام الفيديو أو أفلام شركات التليفزيون الخاصة التي تعرض الأفلام الجنسية وأفلام العنف، والمعروف أن ترك الأطفال الصغار بمفردهم في البيت جريمة يعاقب عليها القانون، فإذا نما لعلم دائرة الشرطة وجود أطفال بمفردهم في البيت فإنهم يستصدرون أمرًا قضائيًّا من المحكمة يخولهم القبض على الأبوين ووضعهما في السجن، ومن ثم يصدر القاضي أمرًا بنقل الأطفال إلى دور رعاية الأطفال التي أنشئت من أجل رعاية الأطفال الذين يهملهم آباؤهم، كما أن القضاء يخول الأطفال الذين يهملهم آباؤهم الحق في مقاضاتهم أمام السلطات القضائية التي لها الحق المطلق في الحكم لصالح الأطفال في العيش مع آباء لهم بالتبني.
7- الكنيسة وأثرها في شخصية الطفل: يُعد المجتمع الأمريكي مجتمعًا ذا جذور دينية منبثقة من عقیدتي اليهود والنصارى، حيث يشكل النصارى «الكاثوليك والبروتستانت» نسبة كبيرة من أفراد المجتمع، ولا يشكل اليهود إلا نسبة ضئيلة من عدد السكان الكلي، وتنتشر الكنائس والمدارس والمؤسسات التي تشرف عليها الكنائس انتشارًا ملحوظًا في شريان المجتمع الأمريكي، فالرئيس وأسرته يداومون على الذهاب إلى الكنيسة كل يوم أحد.
والكونجرس يفتتح جلساته بالصلوات، ويكاد لا يخلو مستشفى من مكان خاص لصلاة الكنيسة، حتى إن الدولار الأمريكي مطبوع عليه «في الله نحن واثقون». فتعاليم العهد القديم والعهد الجديد يتعلمها الصغار وما زال يعيها الكبار. فالكنيسة ما زالت تلعب دورًا أساسيًّا في إبراز الأخلاق التي تنادي بها كتب العهد القديم والجديد، فمثلًا نصت كتب العهد القديم والعهد الجديد على أن عقاب من يزاول أعمال قوم لوط -عليه السلام- أن يرجم حتى الموت، ولكن هذا السلوك الجنسي المقزز أصبح سمة من سمات المجتمع الأمريكي، فانقسم الناس في الرأي تجاه هذه الرذيلة، خصوصًا وأن ممن يرتكبها هم من رموز ومشاهير المجتمع الذين تبرزهم وسائل الإعلام من صحافة وتلفزيون وإذاعة، وقد ساعد في انقسام الناس في نظرتهم لهذه الجريمة المشينة أن بعض الكنائس ومعابد اليهود قد بارکتها وأبرمت عقود الزواج للراغبين فيها من الرجال والنساء، وهكذا أضحت هذه الرذيلة مظهرًا بارزًا في عالم اليوم له مؤسساته ورجاله الذين لديهم المال، والسلطة والنفوذ الذي يمكنهم من الدفاع عن أعضائه الذين ينتشرون في كل المؤسسات العامة والخاصة، فأنى للطفل البريء أن يعرف الصواب من الخطأ، فقد يكون والده أو والداه ممن يمارسون الشذوذ الجنسي وربما كان معلمه أو معلمته أو حاضنته كذلك.
9- الطفل والشاشة الصغيرة بالرغم من وجود منظمات تهتم بشئون الأطفال وتدافع عن سلامتهم ومستقبلهم، وتحذر من أفلام العنف وأفلام الجنس التي تعرضها شبكات التلفزيون وصناعة أفلام الفيديو، وعلى الرغم من تبني الكونجرس لقضايا سلامة الطفل وتشريع قوانين تقنن وتحدد نوع الأفلام وساعات عرضها، إلا أن الإحصائيات تدل على أن معدل مشاهدة الطفل الذي يبلغ الثالثة عشرة من عمره يصل إلى 100.000 مشهد، يشاهد منها 8000 مشهد جريمة قتل وحالات انتحار، حتى إن أفلام الكرتون التي لا يراقبها أولياء الأمور غالبًا ما تحمل في طياتها العنف والترغيب فيه، وقد نتج من جراء ذلك جيل يعاني من انخفاض في معدلات الذكاء والشعور بالإهمال وممارسة أنماط شاذة من السلوك والتقمص العاطفي.
9- ارتفاع معدلات الطلاق: تشير الإحصائيات أن معدلات الطلاق للزواج المسجل قانونيًّا يزيد على 51%، أما حالات الطلاق الذي يتم بين الأفراد المتزوجين زواجًا غير قانوني فيصعب حصرها، فقبل أن تصدر المحكمة حكمها بالطلاق يمر الزوجان بحالة الانفصال عن بيت الزوجية، حيث يعيش كل منهما في بيت منفصل ولا بد من شهود يشهدون على انفصالهما عندما يحين وقت نظر القاضي في قضية الطلاق، وقد يستمر الانفصال إلى سنوات وعلى الأخص في حالة وجود أطفال وأموال لا بد من قسمتها بين الزوجين المتنازعين، فقد يكون أسباب الانفصال الإدمان على المخدرات أو الكحول أو الخيانة الزوجية، فيعيش الأطفال في هذا الجو المشحون بالكراهية والحقد والضغينة متأرجحين في عواطفهم تجاه من يحاول تبرئة نفسه ومن ثم إلقاء اللائمة على خصمه، فينشأ الأطفال منذ صغرهم على كراهية أبويهم وكراهية المجتمع الذي يعيشون فيه، وقد ينحرفون في سلوكهم ويصبحون مجرمين ينتقمون من كل شيء.
10- الأطفال والمخدرات: تدل إحصائيات مكتب التحقيقات الفدرالية أن الأطفال يبدؤون في تعاطي المخدرات قبل سن الخامسة عشرة، على هذه الإحصائيات تقتصر فقط على عدد الأطفال الذين تقبض عليهم الشرطة، ومن ثم يصدر القاضي أمره بإدخالهم السجن، أما العدد الفعلي للأطفال الذين يتعاطون المخدرات أو يقومون ببيعها لصالح عصابات تجارة المخدرات فيصعب معرفته، وقد أجرت إحدى شبكات التلفزيون مقابلة مع مجموعة من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين خمس وسبع سنوات، حيث سألهم معد البرنامج عن مدى توفر الأمن والسلامة في الحي الذي يسكنون فيه، وكم كانت دهشة الجميع عندما أعرب هؤلاء الأطفال عن عدم رغبتهم في اللعب خارج منازلهم خوفًا من أن تصيبهم رصاصات طائشة يطلقها رجال بيع المخدرات لتصفية حساباتهم مع المتمردين عليهم، أو على مجموعة بدأت تنافسهم في بيع المخدرات في الحي الذي يسيطرون عليه.
11- واقع الطفل المسلم في الولايات المتحدة: تشير الإحصائيات غير الرسمية بأن عدد المسلمين الأمريكيين يزيد على ستة ملايين مسلم، يمثلون المهاجرين الذين هاجروا إلى أمريكا واستقروا فيها، وأولئك الذين اعتنقوا الإسلام من النصارى واليهود، وغيرهم من أصحاب الملل المختلفة، ويفترض أن يمثل الأطفال على أقل تقدير ١٠% من عدد المسلمين الكلي (٦٠٠.٠٠٠ طفل) وجلهم في سن الدراسة، حيث يوجد قرابة ۱۰۰ مدرسة نظامية تديرها الجالية المسلمة، ويدرس فيها قرابة ۱۰,۰۰۰ طفل كلًّا من: المناهج الأمريكية، والعلوم الإسلامية، واللغة العربية.
أما بقية أطفال المسلمين، فإنهم يدرسون في المدارس الأمريكية مثلهم مثل بقية أطفال غير المسلمين، ومن ثم فإنهم قد يتعرضون لما يتعرض إليه بقية الأطفال من أخطار المجتمع سالفة الذكر، ولكن وجود ما يزيد على ألف مسجد ومركز إسلامي منتشرة في أماكن وجود التجمعات الإسلامية في أمريكا، وما لها من دور ريادي في تثقيف الجالية وتذكيرها بضرورة التمسك بالإسلام، لا ريب أنه يقلل من فرص وقوع أطفال المسلمين في المصائب التي وقع فيها غيرهم من أطفال غير المسلمين.
إن قضية الطفولة في أمريكا قد أصبحت من أخطر القضايا التي شغلت الكثيرين من المفكرين والباحثين والمربين ورجال السياسة على السواء.
فالمدارس العامة التي تتحمل العبء الأكبر في تنشئة أجيال المستقبل انفلت زمام الأمر من يدها، فلم تعد مؤهلة للقيام بمهمة التربية، لأن كثيرًا من المعلمين الذين يفترض فيهم أن يكونوا رموزًا للقدوة الحسنة قد انغمسوا في أنماط من السلوك المشين بحيث أفقدهم دورهم التربوي، كما أن المدرسة أصبحت تواجه العملية التربوية بمفردها في خضم بحر متلاطم من التناقضات في القيم وكثير من الأنماط المشبوهة من السلوك التي تحاكيها نماذج مختلفة من رموز المجتمع، فاحتار الآباء مثلهم مثل غيرهم من الغيورين على حاضر ومستقبل الطفولة في أمريكا في البحث عن سفينة آمنة تنجو بهم وبأطفالهم من البحر المتلاطم والمظلم، حيث يهيج بمظاهر العنف والقيم الهابطة، والسلوكيات المتناقضة، والأسر المفككة والمادية المرهقة التي نالت من جسد الإنسان وروحه نيلًا شديدًا، فتركته يهيم على وجهه في الظلمات لعله يعثر على قبس الهدى.