العنوان الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد إمام وخطيب المسجد الحرام بمكة المكرمة: قضية فلسطين قضية المسلمين الأولى
الكاتب صالح حميد
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أغسطس-1993
مشاهدات 60
نشر في العدد 1063
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 24-أغسطس-1993
قضية فلسطين قضية المسلمين الأولى
طغيان اليهودية لا يوقفه إلا الإسلام، وميل
الميزان لا يعدله إلا القرآن، فهل يفيق الذين في سكرتهم يعمهون؟ أبشع خطيئة ارتكبت
في حق قضية فلسطين هي فصلها من دائرتها الإسلامية، وإلقاؤها في متاهات وحفر
الوطنية والقومية والحزبية والشرق أوسطية.
الحمد لله معز من أطاعه واتقاه، ومذل من خالف
أمره وعصاه، لا يذل من والاه، ولا يعز من عاداه، ينصر من ينصره، ويغضب لغضبه،
ويرضى لرضاه، أحمده -سبحانه- وأشكره حمدًا وشكرًا يملآن أرضه وسماه، وأشهد أن لا
إله إلا الله، وحده لا شريك له، ولا معبود بحق سواه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا
عبده ورسوله، وخيرته من خلقه ومصطفاه، السعيد المنصور من اقتفى أثره واتبع هداه،
صلى الله عليه وسلم، وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، وكل من نصره ووالاه.
أما بعد: فيا أيها الناس: اتقوا الله؛ فتقوى
الله عروة ما لها انفصام، ونور تستضيء بها القلوب والأفهام. أيها الإخوة: في مرور
الأيام، وتعاقب الأعوام، وتراكم الأحداث يزداد سجل التاريخ صفحة من بعد صفحة، وفي
مثل هذا يحسن التأمل ويلزم التدبر، هل انجلت غواشي الغفلة عن العيون السادرة؟ هل
اجتمعت القلوب المتنافرة؟ هل ملت النفوس الحديث عن الآمال والبشائر؟
أيها الإخوة: لقد تكاثرت نكبات الأمة، وتوالت
عليها الأحداث والغيرة، وتفتقت فيها الجروح، ولعمر الحق إن هذا لمظهر من مظاهر
الهوان في كثير من أجزائها وأرجائها، ولا تزال الأمة تبتلى بأحداث وقضايا حتى ينسى
آخرها أولها، ويغطي حديثها قديمها؛ يا ترى ما أوضاع المبعدين؟ وما أنباء
الانتفاضة؟ وما أخبار إخواننا في الهند؟ وما أحوال الصامدين في كشمير والمنكوبين
في البوسنة والهرسك والصابرين في الفلبين؟ إن أمتنا تتلهى بالجديد من غير عمل،
وتتأوه وتتأسف من غير فعل.
أيها الإخوة: هذا حديث مراجعة عن القضية الأولى،
وإعادة تقويم للمسار؛ فقضايانا متشابهة وعلاجها واحد. أيها الإخوة: لم يسجل
التاريخ قضية تجمعت فيها الأحقاد العالمية، وبرزت فيها المتناقضات الدولية، وتجلى
فيها التلاعب بالمصطلحات اللفظية، والعبث بالعبارات الوثائقية، مثلما سجل في قضية
فلسطين المسلمة وقدسها المقدسة، جاءت قضايا المسلمين بعدها على شاكلتها؛ الإلحاد
تآزر مع الصليبية، والشيوعية في حينها تضامنت مع الرأسمالية، والشرق تآمر مع
الغرب، تألفت منها جميعًا حلقات البغي المعلن، والكيد المبطن.
كما لم يسجل التاريخ خطأ أو خطيئة أبشع ولا أفظع
من انخداع العرب بخطة الأعداء في دحرجة قضية القدس وفلسطين من دائرتها الإسلامية
الواسعة المتينة إلى متاهات وحفر من الوطنية والقومية، والمذهبية والحزبية
والإقليمية والشرق أوسطية في نعرات جاهلية، ومبادئ دخيلة، وشعارات مستوردة. لقد
فصلت القضية، وبترت عن قوتها المؤثرة، وطاقتها الدافعة الدافقة، حتى تاهت في غبار
النكسات والتواء المساومات في مفاوضات تشبه التهديد، ومراوغات حصيلتها ضروب من
المواعيد، سبق ذلك وصاحبه جد من اليهود وأشياعهم في زعزعة الأمة في عقائدها،
وتشكيكها في مبادئها وتدميرها في أخلاقها، لقد امتدت أيدي اليهود وأعوان اليهود
إلى قلوب العرب لتنتزع منهم دين محمد وتراث محمد -عليه أفضل الصلاة والسلام-.
لقد بلغ تدميرهم وتدبيرهم مبلغًا مخيفًا، نبت في
بني جلدة المسلمين من يرفض الإسلام دينًا، وينكره منهاجًا، لقد اختل بربهم
إيمانهم، واهتزت بدينهم عقائدهم، فيهم ملاحدة يعتقدون أنهم أعلم من الله بشؤون
خلقه، وأنهم أعقل منه في قسم رزقه، ما كان في الدين حرامًا زعموه حلالًا، ولقد كان
من هذه الثابتة موجهون وساسة ومفكرون وأدباء عبثوا بالأسس الدينية والقيم
الأخلاقية والمقررات التاريخية، سخروا الأقلام والإعلام والأفلام لتقويض دعائم
الحياة الصالحة والأخلاق الفاضلة، وأورثوا فوضى فكرية لا معروف فيها ولا منكر،
إنما هي انتهازية وإقليمية، وتحلل وإفرنجية، وجاهلية وعامية، جبن في النفوس
والقلوب، وانفعالية في الإرادة والتصرف، وغرام بالمتع الرخيصة في أدق الساعات
وأحلك الأيام، وافتتان من العامة بالملاهي والمعازف، فجمع لهم ذلك حب الدنيا
وكراهية الموت، فجبنوا عن المغامرة والإقدام، ونزعت منهم المهابة، وملأ قلوبهم
الوهن.
نعم: لقد تكونت أجيال متنورة المعرفة، لكنها
مظلمة الروح، جوفاء القلب، ضعيفة اليقين، قليلة الدين، نافذة الصبر والجلد، فاقدة
الخلق والإرادة، تبيع الحق والأمة بمنافع شخصية وجاه موهوم، وعز مصطنع، وأهواء
مشتتة، وأهداف متفرقة.
هذا نوع من الزعزعة والهدم والتشكيك والتشتيت،
ولئن كانوا زعزعوا فيها روح التدين وشريف الخلق، فلقد سلكوا في قضيتها مسالك
المنظمات والتجمعات والحزبيات والهيئات التي تتأرجح بين يمين ويسار، بشعارات زائفة
من العلمانية والتقدمية والوطنية والقومية والديمقراطية والشعبية؛ اجتماعاتهم
وتنظيماتهم مؤتمراتهم وقراراتهم تُعد ولا تنجز، وتقول ولا تفعل، وتشجب ولا تقدم،
قلوب شتى، ووجوه متباينة، فصموا العرى بعد توثيقها، ونقضوا الإيمان بعد توكيدها،
وفرقوا الكلمة بعد توحيدها.
وفي ذات الوقت الذي يسعى فيه الأعداء إلى هذا
الهدم وذلكم التشتيت فإنهم جادون في بناء أنفسهم استعدادًا من تاريخهم، واعتمادًا
على تراثهم، يجمعون بني قومهم من شتات الأرض وشذاذ الآفاق، باسم الدين وإسرائيل
والتوراة والتلمود، لقد أشربهم تلمودهم أحقادًا زرقاء، ينفخ فيها أحبار السوء
بوصايا الزيف من التوراة المحرفة؛ ليتنادوا عليها وكأنها حقائق ومسلمات، إنها
طبائع الملعونين من أسلافهم، قسوة في القلوب كالحجارة أو أشد وشره في النفوس، وأكل
سحت، وفساد معتقد، وبغي في الأرض، وتطاول على الخلق ورب الخلق. هذا سبيلهم في
الزعزعة والهدم، أما سبيلهم في المفاوضات والمباحثات فسبيل المخادعة والتضليل
والتلاعب بالأسماء والمصطلحات والالتفاف على التوصيات والقرارات، وإذا تأزمت
الأمور، وخيف من إفلات الزمام كُونت لجان، وتراسل مندوبون بأسماء وألوان ومبادرات
ومطمئنات امتصاصًا للغضب، وتهدئة للأوضاع، والمريض إذا اشتد مرضه قَبِل المسكنات،
والضعيف إذا غلبه يأسه ركن إلى المهدئات.
هذه
هي القضية
إن القضية ليست غامضة ولا ملتوية، وما هي
بالمستعصية ولا الشائكة، ولكنها تحتاج إلى شيء من التذوق القرآني، والإلمام بطبائع
الأشياء، واستعراض النواميس الإلهية والسنن الأزلية، إن إزالة أسباب الخذلان أهم
وأولى من إزالة آثار العدوان. إن طغيان اليهود لا يوقفه إلا الإسلام، وإن ميل
الميزان لا يعدله إلا القرآن، الحل بين والحق واضح، فهل يفيق الذين في سكرتهم
يعمهون؟ لابد من رد القضية إلى خطها الأصيل، فتصبح قضية قوية تتأبى على الوأد
والاحتواء، لابد أن تعود القضية إلى امتدادها الإسلامي بكل آفاقه وأعماقه، وهذا
أمر فصل ليس بالهزل، إنه صراع عقائد، ومعركة مع أشد الناس عداوة للذين آمنوا.
كتاب ربنا لا يزال غضًا كما نزل، ولا يزال قادرًا
على أن يجدد أمرنا كله، على الأمة أن تدرك أن تفوق يهود سيظل خنجرًا هامزًا غامزًا
في لحوم الشاردين وجنوبهم حتى يؤوبوا إلى القرآن شرعة ومنهاجًا؛ إذا عاد الشاردون
إلى الحق عاد اليهود -بإذن الله- إلى حجمهم وذلتهم المضروبة عليهم.
ولسوف ينقطع بهم حبل الناس، ويبطل السحر
والساحر، ويأتي وعد الحق فلا ينفع اليهود شيء، لا يسترهم اتقاء خلف حصى، ولا يقيهم
حجر، ولا يحميهم سلاح، ولا شجر، يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر
والشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي تعال فاقتله، هذا هو خبر الصادق
المصدوق -عليه الصلاة والسلام- وهذا هو النداء: يا مسلم، يا عبد الله، ولا نداء
غيره.
هذا هو محور القضية، وليستيقن الجاهلون أنهم لن
يروا نصرًا، ولن يحفظوا أرضًا، ما داموا مصرين على الألقاب الضالة ومناهج الإلحاد
الصارخة، إن هذا الركام كله نبت الشيطان، وغرس الكفار، وهذا هو الذي يحجب نصر
الله، ويمد في حبال اليهود وحمايتهم، وكأنه الغرقد شجر اليهود. يا مسلم يا عبد
الله يا جند القرآن، يا جند الله هذا هو كتاب ربكم، وهذا هو حديثه إليكم:
﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج:
40).
يا أصحاب سورة البقرة وآل عمران، يا قراء التوبة
والأنفال، يا مرتلي سورتي الصف والقتال: أحسنوا التلقي عن كتاب ربكم، افهموا طبيعة
يهود وأشياعهم فهمًا قرآنيًا، وتعاملوا معهم تعاملًا قرآنيًا ليس تقريرًا سياسيًا
يتلون بالمنافع والمتغيرات، وليس بحثًا اجتماعيًا يخضع لاستنتاجات وإحصاءات، ولا تحليلًا
نفسيًا خاضعًا لتقويم البشر بأخطائهم وتخبطاتهم، حكم قرآني لا تشوبه شهوات ولا
شبهات، حقائق اليقين من رب العالمين: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا
النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: 120).
خطاب قرآني يخاطب المسلم في وجدانه وعقله وحسه
وعصبه وفكره وجسده: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن
دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (البقرة: 217). إنها معركة حياة ومصير، يتقرر
بها وجود أو عدم، وانتصار أو اندثار: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ
أَطْفَأَهَا اللَّهُۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا
يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (المائدة: 64)، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ
الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم: 47)، ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (الصافات:
173). صدق الله العظيم، وبلغ رسوله الكريم، ونحن على ذلك من الشاهدين.
ومن الخطبة الثانية:
فلسطين الكريمة قدسنا المعظمة، ما أشد ما
تكابدون من عسف القوي، وكيد الماكر، وقسوة الظالم، وجفاء الأهل، إن دموعكم منذ
الفاجعة، بل الفواجع لم ترق، وإن جروحكم منذ تلك الوقائع لم تندمل، وإن صوتكم
الجازع لن يزال مجلجلًا في الأعماق، غير أن جرحكم لن يواسى، وفتقكم لن يرفأ إلا
حين يتنافس محبوكم من المسلمين في مجد الموت وشرف التضحية، وإن في صور المبعدين
وإصرار المنتفضين لمسالك للنصر وإحقاق للحق، سوف يفزع المحبون إليكم فزع المغيث
المسعف، وليس فزع النادب الآسف، فمصابنا بكم ومصابكم بنا لا يفيد فيه بكاء، ولا
ينفع فيه حزن على ثراكم وثرى إخوانكم في كشمير والبوسنة والهرسك والصومال
والفلبين، سوف يغضب مجد، ويسطر تاريخ، ويغاث ملهوف ممن غضبتهم مفزعة، ومن يقظتهم
مروعة، وما ذلك على الله بعزيز. فالقرآن محفوظ، والمحجة بيضاء، والطريق أبلج:
﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا
أَمْثَالَكُم﴾ (محمد: 38).
اللهم اجعلنا من شهداء الحق القائمين بالقسط،
واسلكنا في حزبك المفلحين وجندك الغالبين، ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وثبت أقدامنا،
وانصرنا على القوم الكافرين: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.. سبحان
ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
اقرأ أيضًا:
هل قام العلماء بدورهم في توجيه الأمة تجاه القضية الفلسطينية؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل