العنوان معالم على الطريق: مَنْ وراء إهانة العلماء وقتل الأزهر؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يناير-1998
مشاهدات 65
نشر في العدد 1284
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 13-يناير-1998
ليس هناك أمة ناهضة إلا وتحتاج إلى تاريخ وإلى هوية، وإلى أركان علمية وثقافية ناهضة، وإلى ركيزة أو صرح تبني عليه نهضتها وتشيد عليه بناها، والأزهر الشريف في العالم الإسلامي -كما قال الدكتور يحيى إسماعيل أمين جبهة علماء الأزهر وكما هي الحقيقة التي لا شك فيها- لمصر بمنزلة الروح من الجسد والعالم الإسلامي بمنزلة الدرة من التاج على جبينه، يتنكر له اليوم ويهان علماؤه بل ويتهمون من قبل جهات مشبوهة، وأجهزة مسخرة تقف وراءها قوى كثيرة، ولا أحب التحدث كثيرًا في هذا الموضوع وسأدع الكلام لأمين جبهة العلماء يتحدث في ذلك وهذا في مقاله الصادر عن جريدة الشعب 26/12/1997م حيث يقول: «كان الأزهر الشريف لمصر بمنزلة الروح من الجسد، وهو للعالم الإسلامي والعربي درة التاج لجبينه، والعافية لدينه، به صان الله لهم الدين وأسبغ عليهم النعمة، فلم تعرف الأمة التطرف من بعض أبنائها، ولم يظهر الإرهاب بين صفوفها إلا بعد أن أدارت ظهرها له، وغفلت عن حقه عليها، ذلك الحق الذي كان به علماء الأزهر وسط الناس، حيثما حلوا المفزع عند كل ملمة، والسند عند كل نازلة، وهم الدليل الهادي لكل أمر من أمورها، وفّت لهم الأمة فوفّوا لها، وليس بخاف على أحد ما حل بديارنا وأرضنا من معالم البؤس ونذر الحرب بأيدي الإرهاب الأسود والأفكار والمواقف المتطرفة البغيضة وقد كان نصيب العلماء منه غير قليل ساعد عليه إغفال أمرهم والتنكر الرسمي وشبه الرسمي لحقهم، والإهمال المتعمد من وسائل الإعلام لمكانتهم، وقدرهم».
ومع هذا فلا نزال نحن علماء الأزهر الشريف نعرض أنفسنا على مؤسسات الدولة، كما كان صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل، نتلمس تمكيننا من أداء رسالتنا تلك الرسالة التي لا تتسع لها ساعات العمل الرسمي، ولا يستقيم أمر الأمة بغيرها، ومع ذلك فلم نحظ على كثرة الإلحاح بغير الإنكار علينا والزراية بناء والمحاولات الدؤوبة لتحجيم أمرنا، لقد تقدمنا إلى السيد الوزير محافظ القاهرة السابق يوم 15/11/1994م بطلب تخصيص لقطعة أرض مناسبة لجبهة العلماء نقيم عليها بنيانًا تمارس فيه نشاطها وتستعين به على أداء مهامها، فضاعف مشكورًا على الورق المساحة المطلوبة، ثم رجع في الخامس من فبراير عام ۱۹۹۷م وطلب تزكية ثانيًا من فضيلة الإمام الأكبر الجديد، فتقدمنا له بها في الرابع من مارس لنفس العام، وما زلنا على أبواب محافظة القاهرة مدفوعين.
ومنذ عام تقدمت جبهة العلماء بطلب إلى فضيلة الأستاذ الدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف نلتمس موافقته على برنامج لجنتها الثقافية الذي تعده سنويًّا للانتشار به داخل المساجد الكبيرة، والذي كان يحظى دائمًا بحفاوة وتقدير من سبقه، فكان مصير طلبنا من فضيلته التعريض بنا والحمل علينا، وقد رغبنا إلى فضيلته بعد هذا الطلب بخمسة عشر يوما في 14/11/1994م أن يمكننا من قاعة من قاعات المساجد التي استؤمن عليها لإقامة دورات تدريبية لرفع مستوى الخريجين الجدد الذين هم الآن موضع مؤاخذة من الكثيرين، وتعهدنا لفضيلته بأن من سيتولى التدريس بتلك القاعة سيكون من أعلى الناس درجة في العلم -من أعضاء الجبهة- علماء الأزهر الشريف، وفيهم والحمد لله من هؤلاء الكثير، فكان جوابنا فيه حتى الآن أن فضيلته لا يزال يدرس تلك المذكرة التي لم يتجاوز عدد سطورها نصف صفحة لا يزال فضيلة الوزير يدرس تلك السطور منذ عدة شهور، وقبل أن يقول الوزير كلمته فينا إذ بنا نطالع في صحيفة الحقيقة تصريحًا غير رشيد بشأن الجبهة من وكيل الوزارة -عبد الرشيد-بأن وزارته لا تعترف بجبهة علماء الأزهر لأن وجودها -على وفق زعمه- غير شرعي، وقبل ذلك عهد إلينا فضيلة الأستاذ الدكتور عبد الفتاح الشيخ عام ١٩٩٥م بإلقاء دروس علمية منهجية للراغبين من أبناء الأمة الحيارى وبناتها، استنقاذًا لهم من براثن الإرهاب والتطرف وذلك بمسجد الأزهر الشريف فيما سمي بمركز الدراسات الحرة، حسبة لله وخدمة للأمة والوطن، ونهض علماء الجبهة بواجبهم فيه، فجمع الله عليهم من الراغبين والدارسين من عامة المسلمين من مصر وغيرها ثلاثة آلاف دارس، وثمانمائة دارسة فأزعج هذا الجمع المنتفعين من حيرة الشباب وضلالهم فلم يمض على التجربة المباركة عام، حتى وجدنا أنفسنا موضع اتهام وقذف بنا وبجميع الدارسين خارج المسجد ولم يبق منهم على الوضع الجديد البديل عنا سوى خمسة أفراد فقط، وقد صيغت التهمة لنا، بأن فضيلة الدكتور عبد المنعم البري -رئيس الجبهة ومدير مركز الدراسات الحرة- استعان بأساتذة معينين اجتمع عليهم طلاب معينون، والله الذي لا إله إلا هو ما كان لنا من مأرب بعد خدمة ديننا وإعمار معهدنا إلا علاج المرضى من أبناء أمتنا ومن شبابها الذين حيل بينهم وبين العلم النافع والعالم الثقة، فتلقفتهم الأيدي الضالة وسقتهم من كؤوس الضلال وآنية التطرف والإرهاب.
إن كان ثمة عجز من العلماء وراء الإرهاب المقيت كما جاء في حكم محكمة أمن الدولة في 1 من ديسمبر ۱۹۹۷م فوالله لسنا نحن العلماء المعنيين بذلك ولا بالراضين عنه، ولم يكن بنا والحمد لله من حمى الباطل، أو سكت عنه، أو روّج للإلحاد بضاعة أو أهمله أو نقض للأزهر الشريف حكمًا في عمل خارج أو كتاب مشبوه.
إن وراء تعجيز العلماء أوضاع جائرة، حالت بين كبار العلماء والمساجد، فلم تجد المنابر بعد فقدها للعلماء بهذه التصرفات الهوجاء، إلا مرتزقة وجهلة يصعدون المنابر فيدفعون الناس بخوائهم العلمي إلى الذهاب في أحضان التطرف.
إن وراء هذا العجز أو التعجيز للعلماء، تلك التقارير غير الأمينة التي تتحكم في مصير العالم النابه في كل ميدان، وتظل تلاحقه حتى تلقي به في غرفة الأرشيف أو إلى الأعمال الإدارية التي لم يتأهل لها وليست هي بالمكان اللائق به، وإن وراء هذا العجز أو تلك المعاملة غير الحسنة التي يتلقاها العلماء من بعض رجال الإدارة، والصور غير الكريمة التي تصورهم بها وسائل الإعلام، فقد نشرت صحيفة الحقيقة المصرية أن فضيلة الشيخ محمد عبد الهادي عنبر أحد أئمة الإسكندرية، نادي عليه رئيس أمن الدولة هناك ويدعى محمد هارون أمام جمهور المصلين وقال له: تعال يابن الزانية، تعالى يابن الوسخ أمام الجمهور من المصلين وغيرهم، ولولا أن تلك العبارة القبيحة تناقلتها الصحف المصرية لما استجزت ذكرها ولما أذنت لقلمي بخطها، فماذا يطلب من مثل هذا العالم أو من زملائه، وهذا قليل من كثير، ولقد حيل بين الطاقات الإسلامية الفاعلة وبين دخولها الأزهر والاستفادة من العلم، بدعوى أنهم من كليات أخرى مدنية بعد أن كانت مفتوحة لهم.
ووراء عجز الأزهر كذلك ضياع أوقافه وأوقاف الأوقاف التي أخذتها الدولة وعطلت بذلك أنشطته وموارده المالية وضاع بهذا شرط الواقفين، ومع ذلك فنحن نطالب بتمكيننا نحن العلماء من أداء رسالتنا في بيوت الله وعدم الحيلولة بين الشباب وعلمائه وحاسبونا إن أخطانا في عبارة أو سعينا إلى غير الإصلاح، انتهى.
الواقع المر والمضحكات المبكيات أنني ما كنت أظن أن الاضطهاد يصل إلى علماء الأزهر، بعد أن وصل إلى العاملين في الحقل الإسلامي بالموعظة الحسنة، وأتساءل من الذي يضع الأزهر والإرهاب في سلة واحدة، ومن الذي يحجب علماء الإسلام عن المنابر والمساجد، ويمكِّن الجهلة والمنافقين وربما أعداء الدين من المنابر وبيوت الله؟ ومن الذي يعرقل خطوات العلماء وسعيهم للإصلاح؟ ومن الذي يتعمد سب العلماء وسجنهم وامتهانهم ولصالح من كل هذا والأمة في حاجة إلى تضميد الجروح وتأكيد الهوية ورد الهجمة التترية على الدول والشعوب الإسلامية، إن توهين الأزهر وتهميشه ووضع ثلة من بعض الناس على قمته كموظفين يقابلون اليهود ويصدرون الفتاوى «التمام» لترضي من يردون، سلاح ذو حدين لا يلبث أن يرتد على متولي كبره، وإن غدًا لناظره قريب!!