العنوان فيلم «حين ميسرة».. وفوضى الإبداع
الكاتب ممدوح المنير
تاريخ النشر السبت 12-أبريل-2008
مشاهدات 59
نشر في العدد 1797
نشر في الصفحة 49
السبت 12-أبريل-2008
مخاطبة الغرائز واستثمار ما يعاني منه المجتمع من أمراض.. وسيلة «رخيصة» لجني الأموال
فيلم (حين ميسرة) الذي يعرض حاليًا على شاشة السينما في مصر كشف المستور، ليس لسكان العشوائيات فحسب، ولكن لمجتمع بأكمله، والقضايا التي سلّط الفيلم الضوء عليها كانت ولا تزال مفجعة ومريرة للجميع.
ربما كشف الفيلم مدى فقر وانحلال طبقة مسحوقة من المجتمع، تتحرك في سلوكها وحياتها بلا ضابط أو رادع ديني أو أخلاقي، منكفئة على ذاتها بشكل لا يصدق، تنحصر متطلباتها في قضاء الحاجات الأساسية والغريزية في الحياة. ولكن السؤال الذي أطرحه هنا: هل من حق المخرج أن يناقش قضية ما على شاشة السينما بناء على مرجعيته ورأيه الشخصي؟ الإجابة بالتأكيد نعم ولا!! كيف..؟ نعم، من حقه أن يعبر عن رأيه وفكرته ولكن ما دام سيخاطب بها المجتمع فيجب أن يعبر عنها بالشكل الذي يتقبله المجتمع؟ وهذا للأسف هو العنصر الغائب في الفيلم؛ فالمرجعية المعتمدة للمجتمع والتي يتحدث عنها الدستور هي أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة وأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع.
وبالتالي فإن العقد الاجتماعي الذي توافقت عليه غالبية الأمة، وارتضته عن طيب خاطر حاكمًا ومنظمًا لشؤونها هو الإسلام، وبالتالي فإن أي عمل فني يتصادم مع هذه المرجعية يعتبر خروجًا عن أعراف المجتمع.
وهنا قد يحتج أحدهم ويقول: هذه الفرضية خاطئة؛ لأن إيرادات الفيلم حتى الآن توضح بما لا يدع مجالًا للشك أن هناك عددًا كبيرًا من المواطنين يقبل ما يطرحه الفيلم، وبالتالي فمن حق المخرج ومن حق هذه الشريحة أن تخاطب بما تحب أن ترى وتسمع؟! وهذا بالطبع قول مردود، لماذا؟!
أولًا: لأنه ليس كل من شاهد الفيلم وأمثاله معجبًا بما رأى.
ثانيًا: إن شاشة السينما وسيلة تثقيفية بالأساس، وبالتالي فدورها أن ترفع من ذوق الناس لا أن تهبط إلى مستواهم.
ثالثًا: ليس معنى أن هناك شريحة ما من المجتمع تحب أن ترى هذا اللون من الفنون أن يتم فرضه على الجميع.. لماذا؟ لو كان هذا المنطق سليمًا لجاز أن تعرض أفلامًا إباحية بالكامل على شاشة التلفاز؛ لأن هناك من يحب هذا اللون من الفنون، ولجاز أن تعرض فيلمًا يحث على السرقة ووسائلها؛ لآن في المجتمع الآلاف من اللصوص الذين يحبون أن يشاهدوا هذا اللون كذلك!
رابعًا: مخاطبة غرائز الناس واستثمار ما يعاني منه المجتمع من أمراض، يعد وسيلة رخيصة لجني المال.
خامسًا: ما القيمة الفنية أو الإضافة التي تقدمها المشاهد الفاضحة؟ وعلى افتراض أن هناك قيمة ما في عقل المخرج أو كاتب السيناريو من هذه المشاهد. فهل تستحق هذه القيمة أن نضحي من أجلها بأخلاق المجتمع وتكشف عوراته ونقضي على حيائه؟!
أعلم كذلك أننا كأصحاب مشروع حضاري نقدمه للأمة ما زلنا نعاني من قصور شديد في هذا الجانب، وأننا لم نستطع حتى الآن أن نقدم بديلًا قادرًا وكافيًا لإشباع حاجات الناس، ربما كان السبب تقصيرًا منا، أو ربما حجم الضغوط الهائلة التي نتعرض لها، وربما كان كذلك نتيجة لعدم حسم الكثير من القضايا الفكرية والفقهية المتعلقة بالفن.
لذا فإنني أطالب وأرجو وأتمنى من كافة المنشغلين بقضايا الأمة أن يضعوا الفنون كافة- والسينما خاصة- في مقدمة أولوياتهم؛ لأنها بحق فنون رائعة إذا أحسن استغلالها وربما كان مشهد سينمائي مؤثر كافيًا عن آلاف الكتب والمحاضرات، وفيلم «الرسالة» و«عمر المختار» ليسا منا ببعيد!!
أعتقد كذلك أنه حتى في المجتمعات الغربية الآن والتي هي قبلة الكثير من العاملين عندنا في حقل السينما، تصاعدت حدة الرفض للمشاهد الإباحية، بل إن هناك عددًا من كبار الممثلين في الولايات المتحدة أعلن ندمه على تمثيل هذه المشاهد الساخنة وتعهد بعدم تكرارها! وبالتالي فما قدم هنا تأباه الفطرة السليمة، لا في مصر وحدها وإنما في العالم أجمع.