; على صهوة الكلمة.. فهمُ الغرب وليس الذوبان فيه | مجلة المجتمع

العنوان على صهوة الكلمة.. فهمُ الغرب وليس الذوبان فيه

الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي

تاريخ النشر الثلاثاء 11-مارس-1986

مشاهدات 56

نشر في العدد 758

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 11-مارس-1986

كيف حدث نمو اليابان؟ وكيف تجاوزت مرحلة التخلف؟ يقول د. يا سومازا كورودا الأستاذ في جامعة هاواي في هونولولو: بالمزج بين «الروح اليابانية والتكنولوجيا الغربية».[1] 

فاليابان لم تتقمص الغرب بل فهمته، وفرق جوهري بين التقمص والفهم. لقد تمكنت اليابان- من خلال هذا المزج بين الروح اليابانية والتكنولوجيا الغربية- أن تنمو وتتجاوز التخلف بأقل قدر من التمزق الاجتماعي.

 اليابان بلد يتقبل الأفكار الأجنبية في سبيل توظيف تلك الأفكار لصالحه، وبالرغم من تفتح اليابان إزاء الأفكار الأجنبية، إلا أن الأجانب لا يجدون لأنفسهم مكانًا في بنيتها الاجتماعية والتنظيمية، واليابان بلد وثني فيه من الخزعبلات ما يصلح مادة لمجلدات عديدة؛ فعامتهم يعتقدون بوجود حصان مقدس يجوب في السماوات ويركبه الإله متفقدًا للكون، والمرأة في اليابان- والكلام للدكتور كورودا- تعتبر بمقاييس ومعايير الغرب متخلفة في ذاتها وفي وضعيتها الاجتماعية، وبالرغم من ذلك- وربما بسبب ذلك- نجد أن اليابان نجحت في النمو وفي تجاوز التخلف، والسر في نجاحها هو اختيارها «النموذج» الملائم لها واستيعاب النماذج الأخرى وتوظيفها في إطار صيغة النموذج الذي اختارته.

  • الحقيقة أن تجربة اليابان تناقض مناقضة واضحة ما يدعو إليه بعض المفكرين العرب- خاصة الماركسيين منهم كعبد الله العروي- الذي يقول إنه لا يمكن أخذ واستيراد أسباب التقدم من الغرب والتصنيع بشكل خاص إلا إذا أخذنا معه منظومة القيم الغربية؛ أي- يقول العروي- أخذ الصفقة كلها من الغرب ودون تجزئة. تجربة اليابان تثبت لنا أنه يمكن استيراد وأخذ التقدم والتصنيع والتحديث من الغرب مع الحفاظ على منظومة القيم الأساسية في مجتمع ما، وبالتالي من الممكن أن نختار بعض مظاهر التقدم من الغرب مع المحافظة على منظومة القيم الأساسية لمجتمعنا العربي الإسلامي.
  • الفرق بيننا وبين اليابان- من حيث الموقف من الغرب- جوهري للغاية. 

نحن زبون لدى الغرب، أما اليابان فتلميذ لديه، وفرق كبير بين الزبون والتلميذ؛ فالزبون يشتري أما التلميذ فيتعلم؛ ولذلك نجد أن نمط التنمية العربية الحالية يتجه نحو التغريب، إنه يقلد- وبشكل حرفي- النموذج الغربي في مجتمع غير غربي. يؤاخذنا توينبي- المؤرخ البريطاني- على ذلك فيقول: «ولكن هذه البلاد العربية التي استقلت سياسيًّا ما زالت غير متحررة تمامًا من الوجهة الثقافية، فهي لا تزال متأثرة بالأفكار والمثل العليا الغربية، وهي في بعض الحالات لا تزال تأخذ بهذه الأفكار والمثل العليا دون تمييز ودون أي انتقاد لها».[2] 

ويشير منير شفيق إلى أن قادة الغرب من سياسيين ومفكرين ومنظرين: «أدركوا أن إحكام قبضتهم على مجتمعاتنا يتطلب ما هو أبعد من الاحتلال العسكري، لقد أدركوا أن الأمر يتطلب تحطيم أسس المقاومة الداخلية وإقامة أسس لتبعية دائمة ومقيمة، أي تحطيم المقومات العقيدية والفكرية والحضارية والأنماط المعيشية والإنتاجية لبلادنا، وإحلال مكونات أخرى موازية تشكل أساسًا للتبعية الدائمة المقيمة».[3] أليست تجربة اليابان جديرة بالدراسة بالنسبة إلينا ونحن نحاول التخلص من الالتحاق الشامل بالغرب؟ 

  • ملحوظة: ثمة خطأ مطبعي في هذه الصفحة في العدد الماضي فتصدير الكويت للنفط كان منذ ٥٢ سنة وليس ٢٥ سنة.
     

[1] . د. كورودا، «التحديث والاغتراب في اليابان». 

[2]. توينبي، «محاضرات أرنولد توينبي» ص ٣٥. 

[3]. منير شفيق، «الإسلام في معركة الحضارة» ص ٧.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل