العنوان عوامل النصر التي تملكها الأمة
الكاتب أسعد بيوض التميمي
تاريخ النشر الثلاثاء 24-سبتمبر-1985
مشاهدات 54
نشر في العدد 734
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 24-سبتمبر-1985
بينت الآيات
والأحاديث المتعددة أن دولة "إسرائيل" لن تدوم، وأن زوالها حتمي، مهما
حاول الكفر أن يطيل من عمرها، أو يعطيها أدوية مصطنعة ليستمر بقاؤها، ولكن هل تزول
"إسرائيل" بالدعاء وحده، أو بتفسير الآيات وحدها، وببيان الأحاديث
النبوية التي تبشر بزوالها؟ إن ذلك لا يقول به الإسلام، إذ لم يكتف رسول الله صلى
الله عليه وسلم بالدعاء على الكافرين وإنما جهز الجيوش وخاض المعارك وانتصر حينما
كان أصحابه يتقيدون بالأمر الرباني، وكان ينهزم أصحابه حينما يخالفون الأمر كما
حدث في «أحد» حينما خالف الرماة أمر النبي صلى الله عليه وسلم، مما فتح الثغرة
وانكشف ظهر المسلمين، فتسبب ذلك في هزيمتهم، أو حينما ينسون التوكل على ربهم
ويعتمدون على قوتهم وحدها كما حدث يوم «حنين» إذ أصاب الجيش الإسلامي غرور بكثرة
عدده فاعتبر أن النصر للكثرة ونسي أن النصر للكيف لا للكم، والكيف هنا «الإيمان»، والإيمان
هو التوكل على الله وطلب النصر منه بعد إعداد العدة، لأن المسلمين في تاريخهم
الطويل ومعاركهم الحاسمة لم ينتصروا بكثرة عددهم ولا العدة، ففي «بدر» و«الخندق»
و«فتح أفريقية» و«فتح الأندلس» و«فتح الهند».. كان الجيش الإسلامي دائمًا دون جيوش
الكفار عددًا وعدة، وكان جيوش الكفار تتفوق عليه بأعداد مضاعفة ولكن النصر دائمًا
كان حليفهم لأنهم كانوا مع الله.
واليوم والأمة
في معركة البقاء -كأمة لها مقومات متميزة وحضارة واضحة ورسالة هي المنقذة للبشرية-
جاء عدوها لها بأعدائها اليهود فغرسهم في قلبها في فترة غياب الإسلام عن المجتمع
وعن الحكم في فترة الفرقة وتعدد الرايات والدويلات في فترة سيادة الفكر العلماني
بوجهيه الرأسمالي والاشتراكي، في فترة سيطرة أحزاب الهزيمة وزعامات الخيانة الذين
وثبوا إلى الحكم بنهم وشراسة، وغرقوا في اللذة وهم في طغيانهم يعمهون في فترة
تثبيت الحدود وتعدد الجوازات وكثرة الأعلام والرايات.. وكانت هذه الأحزاب وتلك
الزعامات تظن أن الإسلام قد انحسر ولم يعد مؤثرًا في الحياة، وأنهم استطاعوا أن
يحصروه هم والكفار في المساجد والزوايا والتكايا، وفي الدروشة الفارغة وفي الصوفية
المتطرفة الملحدة التي تتعدد فيها الآلهة.. ظنوا أنهم استطاعوا أن يحولوا الإسلام
بهذه الفرق التي أنشأها الكفر في القديم والحديث كالفرق الباطنية بمختلف أسمائها
ومسمياتها وكالقاديانية والبهائية والبابية، فنام الكفر ونامت الأحزاب الضالة،
والزعامات المنحرفة، مطمئنة إلى أن الأمر قد انتهى!
وفجأة، فإذا
بالإسلام يحرك النفوس من جديد وإذا شباب الأمة يصحون من غفوتهم ويستيقظون من
سباتهم وإذا هم متجهون إلى الله، يملأون المساجد ويتدارسون القرآن ويطلقون اللحى
ويتفقهون في دين الله، وخافت الأحزاب الكافرة والزعامات الفارغة من لحاهم فأصبح
صاحب اللحية مطاردًا في كثير من هذه الدويلات، ولكن هذه الأحزاب والزعامات تحس في
قرارة نفسها أنها مسلطة على الأمة بالحديد والنار وأن أجلها محتوم وأن خلاص الأمة
منها قضاء مبرم، وأن الأمة تسير في الدرب إلى النصر وهي في طريقها تملك الإمكانات
الضخمة للنصر والغلبة والتخلص من دولة اليهود، من الفرقة، من أسباب الهزيمة.
وأسباب النصر
هذه أوجز بعضها كما يلي:
أولًا: (أ) تملك
الأمة عقيدة راسخة، وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر
خيره وشره من الله تعالى، هذه العقيدة التي تربى عليها أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم ومن بعدهم جنود الإسلام عبر التاريخ فانتصروا بها.. هذه العقيدة التي
تجعل النصر بيد الله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ
بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ
عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (سورة الأنفال: 10).. هذه العقيدة التي تقرر أن الأجل محدود، فلا
يموت الإنسان إلا بانتهاء أجله، لا يميته الحرب ولا المرض ولا تبقيه الصحة
والنشاط، قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا
يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (سورة الأعراف:34)، فكم من مريض
عاش سنوات طويلة حتى مل الحياة من مرضه ومله أهله، وكم من صحيح معافى مات ولا يملك
الأطباء إلا أن يقولوا إنها «السكتة القلبية»، وهي في الحقيقة انتهاء الأجل!
(ب) هذه العقيدة
تجعل الشهادة في سبيل الله أسمى ما يطمح إليه المسلم، لما أخبرت به الآيات
والأحاديث عن النعيم الذي يلقاه الشهيد في الجنة والحياة الكريمة التي يحياها بعد
الموت: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ
بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ
مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ
خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (سورة آل عمران:
170,169)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ
تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ
خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ
جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ
عَدْنٍ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ
اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الصف: 10-13).
والجهاد هو حياة
الأمة، إن تركته ذلت، وغزيت في عقر دارها والشهادة نعيم لا يعدله نعيم، وقد ورد في
حديث البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جعل الله الشهداء في الجنة مائة
درجة ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض، وإن أوسطها الفردوس فاسألوا
الله الفردوس».
ويغفر للشهيد
بأول قطرة تنزل من دمه، كما ورد في الحديث: «ويغفر للشهيد له جميع ذنوبه ما عدا
حقوق العباد»، وقد خص الله شهيد البحر بميزة أنه «يغفر له حتى حقوق العباد» كما
ورد في الأحاديث.
فأمة تملك هذه
العقيدة لا تحرص على حياة الذل والهوان والمسكنة والاستسلام وبالرضا بالأمر الواقع
والخنوع للعدو الكافر.
ثانيًا: تملك
الأمة الطاقة التي تحرك الآلة في الأرض، فإذا منعت هذه الطاقة عن العدو ركع بين
يديها يطلب رحمتها.. وأعجب من أولئك الذين يقولون إن ثروتنا لا علاقة لها
بالسياسة، حتى يستمروا في فجورهم وانحلالهم، وحتى أصبح بعضهم سبة في جبين هذه
الأمة يدفعون لعدوهم ليقتلهم في الطائرات التي يقدمها لليهود وفي المدافع
والدبابات والسيارات والكهرباء وكل آلات الفتك، فهل رأيتم كيف يتصرف بعض هؤلاء في
ثروة الأمة في السلاح الفتاك التي أعطاها الله لهم؟، فوالله لو اتخذ أصحاب البترول
قرارًا بوقفة واحدة، ولمدة أسبوع فقط، ما بقيت دولة اليهود بعد هذا الأسبوع، ولكنه
الحرص على البعد عن المواجهة المباشرة مع قوى القرب أملًا في تقديم الحلول البديلة
عن حربنا مع اليهود، ولكن، هذا هو عدونا يقتل أطفالنا ونساءنا ويعذب مجاهدينا
ويدمر بنياننا.
ثالثًا: تملك
الأمة وسائل التحكم في النقد العالمي فلو كان حكامها على مستوى المسؤولية لأسقطوا
الدولار -العملة الرئيسية في العالم- بقرار يتخذ ألا يقبل ثمن البترول بالدولار،
وأن يكون هناك دينار إسلامي يدفع به ثمن البترول، إذ إن البترول في آسيا وأفريقيا
ويملك المسلمون معظمه.
ولكن الوهن
يسيطر على الفئات المنتفعة.. وفي فترة من الفترات ضربت السعودية مثلًا طيبًا عندما
أعلنت في عهد الملك فيصل أنها لن تقبل الجنيه الإسترليني من بيع النفط فسقط الجنيه
في أسواق العالم خلال ساعات، فهرع وزير المال البريطاني إلى الرياض وطلب من
المرحوم الملك فيصل أن ينقذ بريطانيا بتصريح واحد يعلن فيه أن الجنيه سيبقى ساري
المفعول في دفع ثمن البترول.
رابعًا: الأمة
تملك العدد الوفير فهي تملك أكثر من المليار من المسلمين منهم 150 مليونًا من
العرب.. لكنها الكثرة التي عبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تتداعى عليكم
الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، ولينزعن الله مهابتكم من قلوب عدوكم وليقذفن
في قلوبكم الوهن» قالوا: «وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت»،
قالوا: «أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء
السيل».
ولكن هذا الغثاء
بدأ يرسب إلى القاع، وبدأ الجوهر يبرز على وجه الحياة في الأمة في هذا الشباب
المؤمن المتفتح القوي الذي بدأ يستهجن بالموت، وبدأت رياح الخير تهب وستعصف بكل
الفساد والفرقة والانحلال والضعف والهوان والوهن، قال تعالى: ﴿أَوْ خَلْقًا
مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ۚ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا ۖ قُلِ الَّذِي
فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ
مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (سورة الإسراء: 51).
خامسًا: تملك
الأمة الأرض الواسعة التي تمتد عبر ثلاث قارات، ولكنها أرض مجزأة، فلو توحدت لأعطت
عمقًا إستراتيجيًا يقصر العدو عن بلوغ مداه، ففي العمق الجنوبي الغربي تمتد فلسطين
إلى المغرب الأقصى، ومن فلسطين إلى السودان ونيجيريا، وبقية دول أفريقيا المسلمة،
وفي العمق الشرقي يمتد إلى بحر الصين وحدود جبال هملايا، وتمتد في أوروبا إلى
إستانبول عاصمة الخلافة، حيث المدينة فيها جزء أوروبي والآخر أسيوي.
هذه الأمة
بإمكانياتها هذه، هل يعجزنا اليهود، وما اليهود، لولا أن حدودهم محمية، فوالله لو
دخلنا عليهم بأيدينا ما بقي منهم أحد، إننا سنقتلهم.. بقدرهم جاءوا، فظلموا وبطشوا
حتى يبرر الله لنا قتلهم: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم
مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ وَلَا
تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ
فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة:
191).
(*) إمام المسجد الأقصى سابقًا
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل