الثلاثاء 29-أغسطس-1978
سيظل هذا الحوار دائرًا ما دامت هناك شخصيات جديرة بالتقدير والتقديم، ولا يكاد يعرف منها القارئ شيئًا، فهي شخصيات مجهولة مغمورة في زحمة التاريخ، مع أنها ذات تاريخ مضيء، وذات دور هام، لعبته خدمة للإسلام. وكنت أبحث في هذا الأسبوع عن شخصية جديدة أقدمها للقراء، وكنت في نفس الوقت أقرأ عن غزوة بدر الكبرى، تلك التي اشتعلت في شهر رمضان لتحرق صناديد قريش وتقلق مراكز الآلهة حول البيت العتيق، وتنذر بالقضاء عليهم في القريب.
كانت مكة بعد الغزوة الأولى واقعة تحت سحب داكنة من الغيظ والضيق، تريد أن تبكي على من قتل ولكنها لا تستطيع، أهلكها الغم وكبت الحزن، ظن أهل مكة أن في بكائهم شماتة المسلمين، فمنعوا البكاء وتوهموا أنهم على صواب، وما كان المسلمون كما ظنوا غير أنهم حبسوا الدموع في العيون رغم الحزن والأسى، وكان الرجل يبكي في الخفاء ولا يعلن، من المفارقات العجيبة أن يباح لمن فقد جمله أن يبكيه ولا يباح لمن فقد ولده أن يرثيه هذه حالة مكة بعد الغزوة الكبرى التي كانت بشرى للمسلمين بعد الهجرة بعامين.
ولم يكن لجمهور أهل مكة من قول يقال أو حديث يدار إلا كان عن الهزيمة الساحقة الماحقة التي هبطت كالصاعقة فوق رؤوس الكفار، وكان عمير بن وهب قد علم أن ابنه وقع أسيرًا بين أيدي المسلمين، وكان عمير فقيرًا لا يملك مالًا يفك به أسره وعرف صفوان بن أمية ذلك، فجاء يجلس معه ويسمع إلى شكواه، ومن المعروف عن عمير أنه كان يلحق الضرر بالرسول عليه السلام وبأصحابه، ولا يكف عن الإساءة إليهم ما وجد إلى الإساءة سبيلًا، ويزيد على ذلك أنه كان يعلن على الملأ ما يفعله بالمسلمين.
بدأت أقرأ عن عمير بن وهب الجمحي، وأسمع حديثه مع صفوان بن أمية. راح عمير يشكو ما أصابه من الفقر ويتحسر لما ركبه من الدين، حال الفقر بينه وبين الحصول على المال ليفتدي به ولده الأسير.
وما إن بلغت هذا الموضع من الكتاب الذي أقرأ فيه حتى قلت لعمير بن وهب:
- ماذا قلت يا عمير لصفوان في تلك الليلة السوداء حين جلست معه تهمس إليه بشكواك.
قال عمير:
- تقصد ذلك الهمس المريب... همست إليه بقولي.. لولا دين علي ليس له عندي قضاء، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي، لركبت إلى محمد حتى أقتله.
- قال لي صفوان يحثني على ارتكاب الجريمة:
- أنا أتعهد لك يا عمير بقضاء دينك، والعناية بأولادك وأسرتك وانهض إلى محمد واقتله.
- طلبت من صفوان أن يكتم السر حتى لا يعلم أحد بما دار بيننا، وكنت أعلم أن صفوان حريص على الكتمان ولن يذيع مثل هذا السر لأنه كان يريدني أن أذهب لقتل محمد.
- قلت لعمير:
- وماذا فعلت بعد تلك الليلة النكراء؟
- قال عمير بصوت كصدى التاريخ:
- شحذت سيفي وأعددته للفتك وانطلقت إلى المدينة، وعند باب المسجد هبطت من فوق البعير وكنت موشحًا سيفي، ولمحني عمر بن الخطاب وهو بين نفر من المسلمين، وفهم عمر بذكائه الحاد أني قدمت لأمر لا يخلو من شر، وأسرع إلى داخل المسجد يحذر الرسول من كيدي فطلب منه الرسول أن أدخل عليه، وجاء عمر وأسرع في تجريدي من سلاحي، ثم أمر عمر بعض الرجال أن يكونوا حول الرسول حتى يحموه من أي غدر، ولما دخلت المسجد طلب الرسول إلى عمر أن يطلق سراحي وناداني الرسول واقتربت وقلت:
- انعموا صباحًا..
- قال لي الرسول:
- قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، تحية بسلام أهل الجنة.
- فقلت معتذرًا:
- أما والله يا محمد إن كنت بها لحديث عهد، فسألني الرسول:
- فما جاء بك يا عمير؟
- اضطررت أن أكذب وأنطق:
- جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه، قال الرسول:
- فما بال السيف في عنقك؟
- وقعت في مأزق حرج وأجبت:
- قبحها الله من سيوف. وهل أغنت عنا شيئًا، قال الرسول:
- اصدقني ما الذي جاء بك؟
- عرف الرسول أني أكذب.. مع ذلك قلت:
- ما جئت إلا لذلك
- حينئذ فاجأني الرسول مفاجأة لم تكن تخطر لي على بال، حدثني بتفصيل ما دار بيني وبين صاحبي صفوان كأنما شهد مجلسنا، قال الرسول:
- بل قعدت أنت وصفوان بن أمية فذكرتما أصحاب القليب من قريش.. ثم قلت: لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدًا.. فتحمل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني له، والله حائل بينك وبين ذلك.
- لم أصدق ما سمعت، وكأني قد ذهلت، وملكني العجب، أعرف محمد ما دار بيني وبين صفوان ولم يكن معنا ثالث؟ ولم أتمالك أن قلت:
- أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني إلى الإسلام، وساقني هذا المساق.
وأمر الرسول أن يتعهد الصحابة تعليمي الدين، وتحفيظي ما تيسر من القرآن، وقلت بقلب المؤمن:
- يا رسول الله إني كنت جاهدًا على إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله عز وجل، وأنا أحب أن تأذن لي فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم وإلى الإسلام، لعل الله يهديهم وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم.
وأذن له الرسول في العودة إلى مكة.
أبت مشيئة الله إلا أن يرد سهام الكائدين إلى نحورهم، وأن يعود شخصًا آخر يحمل مصباح النور بدلا من ظلام الجاهلية الذي كان تائهًا فيه.
قلت لعمير بعد أن أصبح مسلمًا:
- وماذا حدث عند دخولك مكة.. وكيف التقيت بصاحبك صفوان بن أمية.
قال عمير:
- كان إسلامي مفاجأة للجميع... وكان صفوان بن أمية على يقين بنجاحي فيما ذهبت له، وكان يقول في أثناء وجودي بالمدينة.. أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيكم وقعة بدر.. كان صفوان على ثقة بشجاعتي وجرأتي.. وظل يترقب عودتي بفارغ الصبر ويسأل عني الركبان متشوقًا إلى سماع البشرى، وما كاد صفوان يراني حتى أسرع نحوي يسألني متلهفًا عما صنعت، وأخبرته بما لم يتوقع، فصاح في وجهي غاضبًا ثائرًا.. وحلف ألا يكلمني أبدًا، ولم أكترث أو أهتم فقد عمر الإسلام قلبي، وآثرت البقاء في مكة غير هياب ولا وجل ولا خائف.
قلت لعمير:
- هكذا المسلم المؤمن لا يخشى في سبيل غايته لومة لائم.. وها أنت يا عمير قد تحولت إلى داعية في قلب مكة التي هاجر منها المسلمون.
- حملت المصباح بعد أن سعيت إلى تحطيمه.. كنت قبل أن أسلم متحمسًا في الإيذاء وإطفاء نور الله، وكنت بعد أن أسلمت أكثر حماسة في الدعوة إلى الإسلام وكنت أتحدى عبدة الأصنام، ولم أقصر في الدفاع عما آمنت به.
أعجبتني قصة إسلام عمير بن وهب الجمحي، وأغلقت الكتاب الذي كنت أقرأه بنهم، وأرسلت ذهني أفكر في عالم اليوم.
بعض الناس في هذا العصر تتحدى دين الله، وتعتقد أنها قادرة على إطفاء نوره، ولا تعلم أن الله هو حافظ ذلك النور، وإذا كان عمير بن وهب قد أسلم بعد أن عجز عن إطفاء النور، فهل يعود هؤلاء إلى دنيا الإسلام ويتركون ما يعتقدون إننا في عصر غريب، لن ينجو منه إلا من تمسك بإيمانه وسار خلف رسول الله، على نفس الطريق الذي سار عليه الصحابة وأهل الجنة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل