العنوان وقد مضى على ميلاده تسعون عامًا حسن البنا في ذاكرة طفولتي
الكاتب الأستاذ الدكتور جابر قميحة
تاريخ النشر الثلاثاء 17-ديسمبر-1996
مشاهدات 68
نشر في العدد 1230
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 17-ديسمبر-1996
من الذكريات ما يطويه الزمن، ويسدل عليه ستائر النسيان إلى غير رجعة، ومن الذكريات ما يطوف بالإنسان في فترات متباعدة من حياته، ولكن في صورة شبحية غائمة، لا تثير في النفس من المشاعر إلا هوامشها الطافية ومساحاتها السطحية.
ومن الذكريات ما يتغلغل في نفس الإنسان؛ حتى تتشربه روحه، وتغدو هذه الذكريات كأنها عضو حي من أعضائه، بل أشدها وأقواها نبضًا وحياةً.
أقول هذا بعد مضي نصف قرن من الزمان على واقع عظيم لذيذ.. عشته لساعات، وأنا تلميذ بالمرحلة الابتدائية، وذلك في مدينة المنزلة.. بلدي ومسقط رأسي. وهي مدينة ساحلية تقع على بحيرة المنزلة، في أقصى شمال دلتا النيل، بعيدًا عن القاهرة بقرابة مائة وخمسين ميلًا.
أنا رأيتهم... عِشتُهم..
كان ذلك في شارع البحر المردوم، أوسع شوارع المنزلة، وأطولها، فبعد صلاة الظهر – في يوم شديد الحرارة رأيت مسيرة من خمسمائة رجل على الأقل، ما بين شاب في العشرين وشيخ جاوز الخمسين... أزياؤهم واحدة، لونها كاكي، والزي الواحد يتكون من «بنطلون قصير «شورت» وجورب طويل وقميص وطربوش ومنديل أخضر كبير يلف على العنق، ويُرخى قرابة نصفه على منطقة التقاء العنق بالظهر على شكل مثلث، ويتدلى طرفاه على الصدر محبوسين بحابس من الجلد.
عرفت بعد ذلك أن هذا الزي يسمى زي الجوالة، وأن هؤلاء جميعًا – من شباب وكهول وشيوخ – اسمهم جوالة الإخوان المسلمين، وأنهم جميعًا من أهل المنزلة، والقرى التي تحيط بها. وقد جمعت هذه المسيرة – الموحدة الزي – فلاحين وعمالًا وأطباء ومدرسين ووعاظًا وتجارًا.
ياه! أنا لم أشهد مثل هذه المسيرة من قبل لا في الواقع، ولا في الخيال والأحلام... صدقوني..... رأيتهم يسيرون على دقات طبول منتظمة، يتخللها أصوات قوية نفاذة من «النفير أو «البروجي»، وكان النافخون في هذه الآلة النحاسية، لا يقلون عن أربعين جوالًا موزعين على ثلاث مجموعات في المقدمة والوسط والمؤخرة، ومن عجب أن النافخين كانوا ينفخون كل مرة قرابة خمس دقائق دون نشاز، ودون أن يسبق نافخ زميله أو يتأخر عنه للحظة واحدة على تباعد أماكنهم، ثم يصدر الأمر من قائد المسيرة الاستاذ محمد قاسم صقر – رحمه الله – بالتوقف؛ ليهتف كل من في المسيرة – وراء حامل المصحف الكبير: الله أكبر والله الحمد.... الله غايتنا، والقرآن دستورنا، والرسول زعيمنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا.
وفي نهاية الشارع الطويل تطول وقفة المسيرة - بأمر القائد – لعشر دقائق؛ ليكون بعد الهتاف السابق نشيد مازلت أذكر مطلعه وكلماته:
هو الحق يحشد أجناده
ويعتد للموقف الفاصل
فصفوا الكتائب أساده
ودكوا به دولة الباطل
سبحان الله!! ماشاء الله!! من علم هؤلاء الذين أراهم لأول مرة كل هذه الآداب... الطاعة.. والنظام... والإنشاد والانضباط، وكلهم على قدم المساواة استجابة وتنفيذًا، مع اختلاف ثقافاتهم. وأنماطهم الفكرية، ومراكزهم الاجتماعية، بل إن كثيرين منهم أميون لا يعرفون القراءة والكتابة؟!! وأراني أربط ربطًا قويًا بين هذه الخاطرة، وبين حقيقة تاريخية قرأتُها بعد ذلك بسنوات وخلاصتها أن «رستم» - قائد جيوش الفرس – كان إذا سمع تكبير المسلمين للصلاة – في خط المواجهة الفارسي – بكى واستبد به الحزن، وصرخ أكل عمر بن الخطاب كبدي؛ أي قتلني عمر، فيسأله من بحضرته كيف أكل كبدك وأنت حي بيننا؟!! فيجيب: «لأنه يعلم هؤلاء الأعراب الآداب».
وأعود لخاطرتي، وأقول: بمثل هذه «الآداب» استطاع أصحاب هذه المسيرة الإسلامية أن يأكلوا أكباد اليهود في فلسطين أواخر الأربعينيات، ويأكلوا أكباد الإنجليز في خط قناة السويس أوائل الخمسينيات.
وأعود إلى المسيرة الإخوانية في مدينة المنزلة – وأراني – أنا ابن العاشرة – أكاد أطير من الفرح... إنهم يسيرون، وخطواتي الضيقة لا تتمكن من مسايرة خطواتهم الواسعة إلا بشيء من الجري بين الفينة والفينة، وكأنني أخشى أن يتخطوا مجال رؤيتي، فيقفز قلبي من بين جنبي... ويواصل المسيرة المنتظمة معهم، ويحثني أن أغذ السير حتى أدركهم، ويسكن صدري من جديد، ومع فرحي الغامر كان شيء من الحزن يخامرني مخافة أن ينتهي العرض الحلو الجليل.
ياه... ليته يستمر ساعات.. بل أيامًا متواصلة، إن تيار الشعور المتدفق في نفسي لم يستطع، ولن تستطيع اللغة أن تعبر عنه بكماله، إنها حقيقة يؤكدها بصدق وأمانة استحضرها، وأنا أقرأ فيما بعد قول أبي تمام في حديثه عن فتح عمورية على يد المعتصم:
فتح الفتوح تعالى أن يحيط به
نظم من الشعر أو نثر من الخُطب
فمن المواقف والمشاعر ما يكون له من الأبعاد والدلالات والإشعاعات والظلال ما تعجز اللغة – أي لغة – عن الإحاطة بكل أقطاره، ولكن ما شأن هذا العرض، أو هذه المسيرة؟ ولماذا خرجت ظهر هذا اليوم بالذات؟ وأسال عم مسعد الخضراتي صديق والدي، فيأتيني جوابه دول رجالة الشيخ حسن البنا... لأنه سيحضر الليلة، ويخطب في الصوان السرادق الكبير... رجل فصيح قوي... سمعته مرة في بور سعيد و... و... حسن البنا... حسن البنا!!؟
ورأيت المرشد الجليل
وبعد صلاة العشاء كنت أنا ووالدي نأخذ مكاننا في السرادق الكبير، أما «جوالة الظهيرة، فقد انتشروا داخل السرادق وخارجه لإقرار النظام، وبعد نصف ساعة ارتج المكان بالهتاف. الله أكبر ولله الحمد.... وشعرت بأنني كبير جدًّا وأنا أردد مع هؤلاء الناس بصوتي. النحيف.... الله أكبر ولله الحمد.... لقد حضر المرشد... رأيته وعلى فمه ابتسامة عريضة، وهو يشق طريقه إلى المنصة بين صفين من الجوالة على هيئة كردون» وهم متشابكي الأيدي، واستطاعوا بصعوبة بالغة أن يمنعوا بظهورهم تدفق الجمهور المتدافع من الجانبين لمصافحة المرشد العظيم.
وعلى مدى ثلاث ساعات كان الناس يستمعون إليه، كأن على رؤوسهم الطير، لقد سمعته يقدم لونًا جديدًا من الكلام.... كلامًا يختلف تمامًا عما نسمعه في خطب الجمعة، واحتفالات المولد النبوي، ومن المشهور عن بلدي «المنزلة، أنها بلد الصيد والسفن والبحارة «نقل الركاب والبضائع بالسفن الشراعية في بحيرة المنزلة»، ومن هذا الواقع البيئي، الذي لا يجهله واحد من الحاضرين صغارهم وكبارهم انطلق حسن البنا في حديثه، فشبه الأمة بسفينة جسمها الشعب، وشراعها الإيمان، ودفتها الحكومة، وقد تعوزني الدقة في هذا التجزيء التشبيهي، ولكن الذي أذكره. وقد مضى نصف قرن على ما سمعت – أن السفينة كانت مشبهًا به، وأنه – رحمه الله – دخل نفوس الناس من الدقائق الأولى، وهو يشرح مقولته مكثرًا من الاستشهاد بالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، ووقائع من السيرة النبوية وحياة السلف الصالح.
كنت – على صغر سني – أفهم – بل أعيش – كل كلمة يقولها الرجل العظيم، ولكن الأهم من ذلك هو إحساسي القوي، وأنا مأخوذ بما يقول، بأنه يوجه نظراته وكلماته إليَّ دون غيري، وأخفيت هذا الخاطر عن والدي، إلى أن سمعته يقول لأحد جيراننا في اليوم التالي: لقد شدني الشيخ. الله يكرمه... كنت أشعر أنه يخصني بهذا الكلام الجميل .. فآمنت بأن الرجل قد بلغ مقامًا من البلاغة الإيمانية، لا يرقى إلى مثله إلا أقل الأقلين على مدار التاريخ الإنساني.
وقالت مشاعري...
إنها الذكرى التي لا تنسى... وكانت ومازال مغروسة في القلب، دافقة في الدم، ذكرى أول مرة وآخر مرة. رأيت فيها الإمام العظيم، وكان من بداياتي الشعرية – أو المتشاعرة ما عكسته هذه الذكرى من كلمات سجلتها بعد استشهاده بعامين، وأنا طالب في المرحلة الثانوية، بعد أن استمعت في مدينة المنصورة إلى أحد تلاميذه يخطب، وفي نبراته وطريقته بعض من سمات الإمام الشهيد وأنقل – دون تعديل – هذه الكلمات التي سجلتها في أوراقي، سنة ١٩٥١:
رأيته
أمامه من القلوب ألف ألف تَسْمَعُ.
رأيته كأنما يلحن الضياء والشفق
ويرسل النشيد من نباط قلبه الكبير
ترتيلة من الذهب...
قل يا إمام قل...
وحينما سمعته يقول:
الله غاية الغايات يا صحاب
رأيت فجر النور في الأفق
وألف ألف محراب يسبح
وكل عين في الضياء تَسبَحُ
والأرض. يا للأرض. أصبحت سماء
والليل فجرًا مائجًا بأقدس الأسماء
وبحر سر الله... لا يحد
الحي، والقيوم والجبار
والسميع والعليم والغفور والأحد..
* * *
قلْ يا إمامنا حَسَنْ
فكل ما تقوله حسن
زعيمنا محمد... له الولاء
وغيره في عصرنا ادعاء
وحبه فريضة مؤكدة
صلى عليه الله والملائكة
وعندها... رأيته.. محمدًا
وراية «العقاب» تمخر
وتحتها جنوده. إذ يزحفون.
نحو بدر
وكلهم يفديه بالعيون والقلوب والولد
وكلهم أسد
يقينه بالله لا يحده أمد
رايتهم في كرهم وكرهم
والكافرين في انكسارهم وفرهم
وعندها... رأيتها «العقاب»
في ازدهائها العظيم تبتسم
وقد جاء نصر الله فاسجدوا
وهللوا... وكبروه... واحمدوا..»
* * *
قل يا إمامنا حسن
فكل ما تقوله حسن
وإنك البناء في السراء والمحن
الموت في سبيل الله...
أسمى الأمنيات والمنن
قد خاب قوم طلقوا الجهاد والجلاد
واستجابوا للوهن
* * *
وتلت يا إمامنا العظيم ما اشتهيت
إلى السماء سيدي قد ارتقيت
إلى جوار الله سيدي.. لقد علوت
سائح يطلب الحقيقة...
إنها كلمات قد يعوزها – في ميزان النظرة الحاضرة والتقييم الأني - غير قليل من الفن ولكن يكفيني أنني أطلقتها بعفوية ومصداقية ووفاء وحب وتقدير لرجل قال عنه؛ حتى ألد أعدائه: إنه لو عاش لتغير وجه المنطقة، وربما وجه التاريخ، فهو لم يكن رجلًا ممن تصنعه الأحداث، ولكنه كان رجلًا ممن يصنعون الأحداث، ويربون تلاميذهم على الإيمان والصبر والثبات والقدرة على المواجهة والإيثار، وعاش الإمام – كما صور نفسه بأمانة دون إسراف، حين سأله صحفي من أنت؟
أنا سائح يطلب الحقيقة، وإنسان يبحث عن مدلول الإنسانية بين الناس، ومواطن ينشد لوطنه الكرامة والحرية والاستقرار والحياة الطبيعية في ظل الإسلام الحنيف، أنا متجرد أدرك سر وجوده فنادى ، ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلعَٰلَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرتُ وَأَنَا أَوَّلُ ٱلمُسلِمِينَ ﴾ (الأنعام: 162- 163).
وانتصرت “الله أكبر ولله الحمد”
لذلك كان أعداؤه صادقين... صادقين مع أنفسهم، ومع شياطينهم حين رأوا أن الميدان يجب أن يخلو من هذا الرجل؛ حتى تستمر مسيرة الضلال والصهيونية والصليبية والإباحية.
وسقط الرجل، أسف بل علا. شهيدًا في سبيل الله، ولكن مسيرة الحق. التي رأيت مثلها في طفولتي. صارت مسيرات تظللها راية «إياك نعبد وإياك نستعين».... مسيرات.... ومسيرات انطلقت من هنا إلى هناك، لتحقق. لا فتحًا واحدًا. ولكن فتوحات لا تحصى، ووضع جنود حسن البنا أقدامهم بثبات وإيمان في كل قارات المعمورة ينشرون الرسالة العظمى، التي انفتحت لها ملايين القلوب، وانتقلت «الله أكبر ولله الحمد» تهز أقطار أوروبا وأمريكا، وصدق الله وعده فهو القائل: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ (النور: 50).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل