; مصر: حصلت نقابة الصحفيين على استقلالها.. فمتى تحقق الصحافة حريتها؟! | مجلة المجتمع

العنوان مصر: حصلت نقابة الصحفيين على استقلالها.. فمتى تحقق الصحافة حريتها؟!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 09-أغسطس-2003

مشاهدات 51

نشر في العدد 1563

نشر في الصفحة 28

السبت 09-أغسطس-2003

حقق الصحافيون في مصر مفاجأة مزدوجة في انتخابات نقابتهم الأخيرة باختيارهم الأستاذ جلال عارف الناصري الاتجاه، نقيبًا لهم بفارق أصوات كبير عن منافسه الأستاذ صلاح منتصر، ولم يكتفوا بذلك بل اختاروا مجلسًا لإدارة النقابة العريقة غالبيته من المعارضة الإسلامية والناصرية (7) من (12)، وبذلك نستطيع القول إن نقابة الصحافيين حققت استقلالاً حقيقيًّا عن السيطرة الحكومية: نقيبًا ومجلسًا.

وقد أثار ذلك سؤالاً أكثر أهمية هل يمكن إذن أن تصبح الصحافة المصرية أكثر حرية وأشد استقلالية.

لا ينكر أحد أن هناك نسبة حرية تتمتع بها الصحافة المصرية قياسًا ببلاد أخرى في المنطقة العربية والعالم، لكنها، وإذا قارناها بمقاييس الصحافة الحرة في العالم تراجعت إلى ذيل قائمة الصحافة الحرة، وأصبح الحديث حول مجرد التنفيس عن البخار المكتوم.

ويكفي كم التعليقات حول الانتخابات الأخيرة لمجلس إدارة نقابة الصحفيين للتدليل على حجم المفاجأة، مما يعني أن ما حدث كان اختراقًا مهمًّا لجدار الحصار الحكومي على الصحفيين أنفسهم، فما بالكم بالصحافة كمهنة ومؤسسة 

إجتماعية لها دور كبير؟!

كانت الانتخابات الأخيرة دليلاً آخر على فشل القانون الشاذ المسمى بضمانات الديمقراطية في النقابات المهنية رقم 100 لسنة 1993م والذي سعى النظام من خلاله لحصار المجتمع المدني والجمعيات الأهلية ممثلة في أقوى أجنحتها وهي النقابات المهنية وذلك بذريعة منع سيطرة التيار الإسلامي الإخوان المسلمون على مجالس إدارة تلك النقابات بعد أن حقق طوال عقد كامل (1981) - (1993م) نجاحات ملموسة تمثلت في:

  1. زيادة الإقبال على التصويت في الانتخابات النقابية أضعافًا مضاعفة (في نقابة الأطباء كانت النسبة أكثر من 10 أمثال).

  2. انتظام الجمعيات العمومية للنقابات المهنية لأول مرة في تاريخها. 

  3. استقلالية النقابات عن التوجهات الحكومية في مجال السياسات الداخلية والخاصة بالمهن وطرح رؤى تخالف ما تذهب إليه الحكومة.

  4. المشاركة الواسعة للنقابات في الهم الوطني العام وتبني مواقف ضد الضغوط الخارجية مثل منع التطبيع مع العدو الصهيوني بقرارات للجمعيات العمومية، وأخيرًا تبني مقاطعة بضائع الدول التي تضطهد وتحارب الشعوب العربية والإسلامية.

  5. تحقيق قدر كبير من الاستقلالية المالية للنقابات بعيدًا عن الدعم الحكومي بتبني سياسة راشدة لتنمية موارد النقابات ذاتيًّا. 

  6. توفير الخدمات الضرورية لأعضاء المهن خاصة في مجالات العلاج الصحي والتضامن الاجتماعي ومشاريع الإسكان الاقتصادي، وتنمية المشروعات الصغيرة للأعضاء والمساعدة في مجالات البحث العلمي والتدريب وتنمية المهارات خاصة في المجالات الحديثة.

كانت أصعب النقابات -في نظر خصوم التيار الإسلامي- على الاختراق هما نقابتا المحامين والصحافيين. الأولى: بحكم الاتجاه الليبرالي الذي صبغها لفترات طويلة ممثلاً في حزب الوفد، والثانية بحكم غلبة الفكر اليساري والناصري على جموع الصحافيين والحصار المحكم على أي صحافة إسلامية مما يقلل القاعدة الانتخابية للتيار الإسلامي.

وعندما نجح الإخوان في تحقيق فوز تاريخي في انتخابات المحامين عام 1992م واستطاعوا تشكيل هيئة مكتب النقابة وضمان أغلبية في مجلسها كان صدور القانون 100 لسنة 1993م لعرقلة هذا النمو والانتشار؛ لأن ذلك كان جرس إنذار، وها نحن نشهد اليوم -وبعد عشر سنوات من صدور هذا القانون- الفشل المتكرر له في تحقيق الأهداف الحكومية.

فعندما جربت الحكومة تطبيق القانون في نقابة الصيادلة عقب صدوره فوجئت بالنجاح الكبير للإخوان والقائمة المتحالفة معهم: أولاً في انعقاد الجمعية العمومية التي يشترط لها القانون حضور 50% + 1 من الأعضاء وثانيًا في نجاح القائمة الإخوانية.

وعندما استجاب الإخوان للقوى الوطنية وتبنوا سياسة المشاركة، وقرروا أن يطرحوه على بقية التيارات الانضمام في قائمة قومية ووطنية واحدة كان رد فعل الحكومة الأعجب هو إلقاء القبض على كل القيادات النقابية الإخوانية في القضية الشهيرة (النقابات المهنية) ومحاكمتهم عسكريًّا وسجنهم المحدد من 5 – 10 سنوات ولم يفرج عنهم إلا مؤخرًا بمضي 3/1 المدة، في بارقة أمل لتعاط إيجابي من النظام، ومع ذلك تمت انتخابات نقابة المحامين عام 2001م، وكانت المفاجأة -في ظل هذه الأجواء المحمومة- نجاح النقيب الناصري الأستاذ سامح عاشور، وفشل النقيب المدعوم من الحكومة والحزب الحاكم الأستاذ رجائي عطية، ونجاح كل القائمة الوطنية التي ضمت غالبية إخوانية وحزبية من تيارات مختلفة ومتنوعة.

وعاد الإخوان لإدارة النقابة التي كانت قد فُرضت عليها الحراسة لمدة ست سنوات تقريبًا.

وها نحن نشهد الفشل الذريع لهذا القانون والسياسة الحزبية الحكومية في التعاطي مع النقابات المهنية فيفشل المرشح الذي جاء لحل الخلافات بين رؤساء المؤسسات الصحفية الذين ينتمون جميعًا للحزب الحاكم.

عكست أزمة نقابة الصحفيين قبيل الانتخابات الأزمة الحقيقية التي يعاني فيها النظام في مصر، والصراعات الداخلية بين مراكز القوى داخل الحزب الحاكم، هؤلاء الذين تحولوا إلى أمراء مماليك جدد. 

هل يعالج النظام الأزمات كلها ولو بتدرج فيدرك أن أزمة النقابة جزء من أزمة النقابات المهنية كلها، والتي تسبب فيها القانون الشاذ والعجيب الذي لم يغن عن الحكومة شيئًا؟

وهل يدرك أن أزمة النقابات المهنية جزء من أزمة المجتمع المدني (الأهلي) الذي يعاني من الاختناق بسبب الإجراءات والقيود الحكومية والحزبية المتربصة بالقوى الحية في المجتمع والتي تمنع المبادرات الأهلية وتشل حركة الناس والهيئات في مجالات الدفاع عن حقوق الإنسان وخدمة المجتمع وتحقيق التضامن الاجتماعي والتماسك بين طبقات المجتمع؟

هل يدرك أن أزمة المجتمع الأهلي جزء من الإنسداد السياسي الذي وصلت إليه مصر بسبب القيود على حرية تشكيل الأحزاب والقيود على حرية إصدار الصحف والحجر على حرية الصحافة وتدفق المعلومات، بل أيضًا شكلية المؤسسات الدستورية مثل البرلمان وغيره بل وصلنا إلى مؤسسات يجب أن ننزهها على النقد مثل القضاء، وكانت أزمة نقابة الصحفيين في أحد تجلياتها عاكسة لأزمة في أحكام القضاء التي صدرت بشأنها.

استطاع الصحفيون تجاوز السدود والعقبات وحققوا نسبة حضور عالية (3328) من (4332) وانتخبوا مجلسًا جديدًا لإدارة نقابتهم وأيدوا نقيبًا معارضًا وغالبية معارضة كذلك.

فهل يستطيع المواطنون المصريون أن يحققوا حرية الوطن ومؤسساته الدستورية في انتخابات حرة نزيهة؟

وهل تستطيع نقابة الصحفيين -في ظل إدارة مجلسها الجديد- أن تحقق بعض أحلام الصحفيين والمواطنين وهي كثيرة، ومنها إلغاء عقوبة الحبس ضد الصحفيين والاكتفاء بالغرامات المالية عند مخالفة القانون وحرية إصدار الصحف وحرية الوصول إلى المعلومات، وإذا لم يستطيعوا ذلك فعليهم على الأقل، أن يجاهدوا لتحسين أحوال الصحفيين المعيشية والوظيفية، وهذا أيضًا لن يكتمل إلا إذا تحققت أحلام المواطنين المصريين، فهناك صعوبة -إن لم تكن استحالة- أن تحقق فئة أو مهنة تقدمًا حقيقيًّا في ظل تدهور عام في المجتمع.

ومع ذلك فإن جهاد الصحفيين ممثلين في نقابتهم يمكن أن يحقق اختراقًا مهمًّا في النضال الوطني؛ ذلك لأن حرية الصحافة ووجود ضمانات حقيقية للصحفيين يمكن أن يمثل بداية لجهاد طويل وتنوير جاد في المجتمع يحقق في النهاية تقدمًا في مجال محاربة الفساد والمحسوبية وضمانات الحياة سياسية سليمة. 

وبنجاح أربعة من الإسلاميين وثلاثة من الناصريين يتوج التحالف الإسلامي - القومي نجاحًا آخر كما حدث في نقابة المحامين وإن كان هنا برز وأكبر، وذلك لأن الإخوان لم يلتزموا تأیید مرشح معين، وقد حضرت لقاءين للمرشحين لمنصب النقيب «منتصر وعارف» مع المرشد العام للإخوان المستشار الهضيبي الذي أوضح أن قرار العمل النقابي وما يتعلق به رهن بأبناء المهنة من الإخوان، وأن مكتب الإرشاد يهمه ما يتعلق بالقضايا العامة كالحريات العامة وكان قرار الصحفيين الإخوان هو ترك حرية التصويت بالنسبة لموقع النقيب والسعي لاختيار قائمة متنوعة تشمل الاتجاهات السياسية كافة، مع الحرص على من يركز على الهم العام ضد التطبيع ومع حرية واستقلال النقابة.

خاتمة

حقق الصحفيون نجاحًا مهمًّا في السعي لاستقلال النقابة وعليهم الالتفاف حول مجلسهم وتأكيد وحدة الجمعية العمومية خلف الجهود التي وعد بها النقيب والفائزون معه.

وحقق الإخوان نجاحًا كبيرًا بفوز  مرشحين إسلاميين وأصبح لهم ثلث المجلس لأول مرة في تاريخ نقابة الصحفيين، وأغلبية الأعضاء إذا صمد تحالفهم مع الناصريين وبذلك يمكن تشكيل هيئة مكتب منسجمة سياسيًّا ونقابيًّا.

ويبقى أن يتحقق حلم الشعب المصري في صحافة حرة تنير له الطريق وتقوم بواجبها المهني في كشف الحقائق ومحاسبة المسؤولين.

الرابط المختصر :