العنوان أبي.. كما عرفته (رجل بسبعة) (٦)
الكاتب عبدالرحمن المطوع
تاريخ النشر السبت 20-يناير-2007
مشاهدات 69
نشر في العدد 1735
نشر في الصفحة 45
السبت 20-يناير-2007
عبد الرحمن المطوع - شيخة المطوع
عن أبي هريرةt عن النبي رضى الله عنه قال «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه» أخرجه البخاري (660)، ومسلم (1031)).
«ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»
أثناء دراستي الجامعية وبين قاعات الدراسة في إحدى المحاضرات أخذ مدرس المادة يتكلم عن الصدقات ويخبرنا عن البركات التي يجنيها المتصدقون، وكيف أنها تجارة رابحة مع الله وصفقة رائجة لا يوفق إليها إلا من يحبه الله وبرضاء، وأذكر أنه أخبرنا عن الشح وأهله وذمه ذمًا شديدًا حتى أني لا أنسى عبوس وجهه ونفور قلبه منهما.. ثم استرسل في المدح والثناء لأهل الفضل والعطاء وضرب الأمثلة بهم وبإنفاقهم ثم بدا لي وكأنه تذكر شيئًا قد نساه فتداركه قائلًا، هل تصدقون أيتها الطالبات أن هناك في هذا العصر وفي هذا البلد الطيب من يعطي عطاء بلا من وبلا حد لا يرجو سوى رضا ربه... حتى أن الحملات التي تدعو الناس إلى التبرعات غالبًا ما يبدؤون به تبركًا بصدقته ولأن كافة المحسنين إذا رأوا أسمه سارعوا في الدفع وتسابقوا لكسب الأجر لأنهم علموا أن فلانًا تصدق بكذا وكذا.... ولعله نفسه لا يعلم أننا نضطر في أحيان كثيرة لكشف أسمه وصدقته حتى يتشجع البعض ... وتساءلت الطالبات من يكون؟ وتشوقن لمعرفة ذلك الرجل العظيم المعطاء...
ولعلي عرفت الإجابة قبل أن يتفوه بها هذا الشيخ.... كثر الإلحاح من الطالبات، ووجدت نفسي ساكنة هادئة وحاولت أن أنتحى من مكاني أو أخفى نفسي حياء وخجلًا من أن يعرف اسمي، وإذا به يقول بعد أن أكثرت عليه الطالبات بالسؤال، إنه الشيخ «عبد الله المطوع»
نعم إنه والدي يرحمه الله. حيثما جاء أسمه يدور الخير معه، وكيفما ذكر المسكين والفقير واليتيم والمحتاج أقترن ذكره بهم.
«ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» قال الحافظ ابن حجر: «المقصود منه المبالغة في إخفاء الصدقة بحيث إن شماله مع قربها من يمينه وتلازمهما لو تصور أنها تعلم لما علمت ما فعلت اليمنى لشدة إخفائها».([1])
لم نعلم بحجم تلك الصدقات الخفية والتبرعات السخية إلا بعد وفاته يرحمه الله – تلقينا الاتصالات العديدة من أناس لا نعرفهم يبكون ويترحمون عليه وهم يرددون، إنكم لا تعرفوننا، ولكنا نعيش على إحسان والدكم ..... كم من يتيم كفله. وكم من أرملة جبر كسرها وكم من مسجد شيده وكم من فقير تكفل بنفقته!! ونحن لا تعلم من ذلك شيئًا... الله وحده يعلم ويزيد ويبارك ويضاعف الأجور سبحانه.
وها هو الشيخ يوسف القرضاوي يحدثنا بعد وفاته. يرحمه الله- عن تأسيس الهيئة الخيرية الإسلامية، وكيف أن والدي يرحمه الله. تصدق بمبلغ طائل وأمره أن يخفي اسمه فقال الشيخ يحفظه الله، وهنا لا أنسي موقف أبي بدر يرحمه الله وغفر له وجعل الجنة مثواه الذي أقبل عليوهمس في أذني قائلًا إني أتبرع لهذا المشروع بمليون دولار وأرجوك ألا تعلن عن أسمي .... ثم استأنف قائلًا ثم لم تمل فترة حتى عرف الناس من هو صاحب المليون ولم يكتف بذلك بل ضم إلى المليون عمارتين من عماراته أوقفهما لصاحب المشروع ...
ولا يزال صوت أبي يرن في أذني حينما حدثني قائلًا والفرحة تعلو وجهه ابنتي إنني «ممتن لله سبحانه أن وفقني لأن أدفع للتو مبلغ كذا وكذا صدقة لله تعالى، وذكره وهو مبلغ كبير جدًا، ولا أخفى عليكم أني استغربت قوله وحدثت نفسي قائلة يستوجب على أبي إخفاء صدقته وعدم إظهارها والله تعالى يقول ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (البَقَرَةِ ٢٧١)
وإذا به بفراسة المؤمن النقي يجيبني من غير أن أسأله وكأنه علم ما يدور بخلدي، أطماني ابنتي هذا جزء من الصدقات الظاهرة. وما خفي منها عند الله لا يعلمه إلا هو ولعلك تدركين معنى كلامي بعد وفاتي.
وحدثني أحد أقاربي، أنه اصطحب والدي في رحلة الحج في إحدى السنوات وهناك التقى برجل كفيف عفيف الفقر واضح على محياه وعلى هيئته وهندامه ولكنه لا يمد يده لغير ربه سبحانه، وكان والدي يعرفه معرفة شخصية، وإذ به يمد يده إلى جيبه ويأخذ مبلغًا من المال ويضعه في يد ذلك الكفيف، ولعل والدي نفسه لا يعلم حجم هذه الأموال وعددها.. ويضيف محدثي قائلًا لا يعرف ما أحدثك به إلا الله سبحانه وهذين الرجلين.
ولعل الأزقة الضيقة والبيوت الطينية القديمة والأبواب المهترئة تشهد أيضًا معي شهادة صادقة لوالدي بصدقة السر.. حيث إنه يرحمه الله – علمنا والله أعلم بما كان في الزمان الماضي أي منذ خمسين سنة تقريبًا عندما كان يرحمه الله – أيام شبابه وصباه وقبل أن يعم الخير والفضل على أهل الكويت كان يطرق أبواب الأسر المتعففة ويمدهم بما يحتاجونه من الزاد والمؤونة من غير أن يعرفوه فقد كان يتخفى وما أن يفتح الباب إلا ويلهج أهل البيت بالدعاء لمن وضع لهم الزاد والماء.
حديثي قد يطول ويكثر عن والدي وصدقة السر وأسأل الله ألا يحرمك الأجر، ويظلك بظله الظليل ويغدق عليك بعفوه الجميل آمين.