العنوان المجتمع الثقافي (العدد 1185)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يناير-1996
مشاهدات 69
نشر في العدد 1185
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 23-يناير-1996
ومضة:
إعداد: مبارك عبد الله
كانت ابتسامته الراضية، تنم عن ثقته بالوعد الحق، كما كانت نظرته الثاقبة تعكس التصميم الأكيد، على المضي قدمًا في طريقه لتحقيق موعود الله، وسواء عنده أتحقق ما يريده في حياته، أم أن أبناءه وأحفاده، هم الذي جنوا ثمار تعبه، وحصدوا نتاج مجهوداته، التي بذلها، خلال سنوات عمره.
شيء واحد كان يشغل باله، وهو أن لا يكون هؤلاء الأبناء على مستوى المسؤولية التي ورثها لهم، أو أن لا يكونوا قادرين على حمل الأعباء، أو الحفاظ على ما أنجزه لهم من مشاريع وما بناه من صروح، وما خلفه من مفاخر.
تعجب كثيرًا عندما سألته، إن كان يخشى من تعثر الموعود أو تأخره بسبب العوائق الكثيرة التي تقف في طريقه والظروف القاهرة التي تحول دون وصوله إلى أهدافه والكيد الخبيث الذي يعمل على إفشال مخططاته، والمكر العظيم الذي يتربص بكل حركاته وسكناته، ويحاول تعطيل خطواته الصغيرة والكبيرة.
وقال بلهجة تحمل من العتاب بقدر ما فيها من الثقة إن سنن الله لا تتخلف، إلا إذا أخلينا بشروطها، والمشكلة ليست في العوائق التي تعلق عليها كثيرًا من المسؤولية، في محاولة للتهرب من الاعتراف بقصورنا وضعفنا، لأن العوائق لا تستطيع إيقاف أو تأجيل سنة الله، ما دمنا قد أدينا ما علينا من واجبات تكون بتقدير الله تمهيدًا أو إرهاصًا بإنفاذ سنة الله وإيقاع قضائه.
لم يتابع الرجل حديثه، وإنما ترك المجال لتعليقاتنا وردودنا، ليتعرف من خلالها على مقدار ما استوعبناه من حديثه الشيق، ثم أبدى ارتياحه عندما سمع أحدنا يستشهد بالآية الكريمة ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11) ذلك أنه أدرك أننا فهمنا درسه جيدًا.
في العدد السابع من مجلة الأدب الإسلامي:
أسلمة الأدب العربي وتراث باكثير المجهول القصة عند توفيق الحكيم
في ظل الإمكانات المتواضعة والحملات المغرضة تواصل مجلة الأدب الإسلامي، الفصلية القيام بوظيفتها في تأصيل النظرية وتقديم التطبيق عليها إبداعا وتقويمًا، وقد صدر العدد السابع حاملًا الكثير من الموضوعات والإبداعات، ومبشرًا بعصر جديد من الأمل في وجود أدب رفيع يعبر عن آمال الأمة وطموحاتها.
من أبرز موضوعات العدد دراسة عن أسلمة الأدب العربي من أجل الوصول إلى الأدب الإسلامي، كتبها الأستاذ أنور الجندي، حيث يناقش المذاهب الوافدة والنظريات الأدبية الأجنبية، ويشير إلى محاولات احتواء الأمة الإسلامية التي قام بها المستشرقون وأتباع الغرب، وضرورة أن يكون لنا خصوصيتنا وتميزنا من خلال أدب إسلامي صريح، ويعالج الدكتور محمد رجب البيومي، القصة الإسلامية عند توفيق الحكيم باستعراض بعض كتبه مثل «أهل الكهف» و«سليمان الحكيم»، و«حوارية محمد -صلى الله عليه وسلم-»، و«السلطان الحائر».. وغيرها، ويأخذ عليه بعض المأخذ الفنية، ويكتب الدكتور «عماد الدين خليل» عن الرواية الغربية والعودة إلى الوثنية من خلال بعض النماذج في الرواية الأوروبية الحديثة، التي تظهر فيها العقيدة الخاطئة والجو الكتيب، ويكشف الدكتور «حلمي محمد القاعود» عن بعض التراث المجهول للكاتب الراحل «علي أحمد باكثير»، ويناقش إحدى رواياته المجهولة مناقشة نقدية تجلى عناصرها الفنية والأسلوبية.
وفي مجال الأدب خارج اللغة العربية يكتب الدكتور «محمد السعيد عبد المؤمن» عن نبوءة شاعر واللغة القومية في طاجيكستان، حيث صارت الأبجدية العربية هي أساس التعليم هناك بعد سقوط سيف ستالين واستقلال البلاد، ويتحدث الدكتور «غريب جرمة» عن رائد من رواد الأدب الإسلامي في مطلع القرن العشرين هو الراحل «محمد فريد وجدي» الذي خدم الإسلام خدمة جليلة في شتى الميادين وعلى رأسها الأدب الإسلامي.
وتحفل المجلة بالإبداعات الشعرية والقصصية العديدة، كما تقدم المجلة لأول مرة كاتبًا مسرحيًا موهوبًا هو الشاب «علي الغريب» الذي نشرت له فصلًا من مسرحيته قبل الغروب، وتتناول ما يفعله أعداء الأمة بأبنائها وشبابها في إطار من التمويه والخداع لصرفهم عن واجباتهم في البناء والتقدم.
وكالعادة تقدم مجلة الأدب الإسلامي نماذج من آداب الشعوب الإسلامية غير العربية مترجمة إلى لغتنا فضلًا عن موضوعات أخرى وقضايا عديدة.
الحقيقة المرة:
القرآن الكريم والسنة النبوية بمثابة النبراس والنهج الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور والمسلمون كانوا سادة العالم لعدة قرون بالتزامهم منهج الله واتباعهم أثر الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- الذي حمل الرسالة وأدى الأمانة فكانت الحضارة الإسلامية التي ازدهرت وشع نورها فأبادت ظلمات الجهل في العالم.
والناظر إلى أحوال المسلمين في هذه الأيام يرى أن الوضع قد تغير وأصاب الأمة حالة من الضعف والتخلف لأنها ابتعدت عن مصدر القوة كتاب الله وسنة رسوله الكريم، وهناك الكثير من العوامل التي أدت إلى ذلك التدهور والتخلف منها عوامل مادية ومعنوية داخلية وخارجية، لكن أهم هذه العوامل ما يتعلق بالإطار العلمي والفكري.
فالمسلمون لا يجتمعون على إطار علمي مشترك، وأصبحت أحوال المسلمين في الوقت الحاضر يسودها التخبط والارتباك والسير عكس السنن الربانية مما أدى إلى استقرار الخطأ وسريانه وتعميمه لدى بعض المخلصين، وترتب على ذلك تراكم الهدر وتضييع الطاقات وردود الأفعال، وأصبح الاتكال سمة الغالبية، وغياب الإحساس بدور التمثيل الحضاري المطلوب من المسلم والتخبط في تقليد الحركات الأجنبية وضياع الطاقات والخبرات المسلمة وتسريبها إلى بلدان غير إسلامية لعدم القدرة على الاستفادة منها في إدارة المجتمع في ظل منهج الله، وأصبح التعليم الديني مادة إضافية في كثير من بلدان المسلمين.
وهكذا أصبح البون شاسعًا بين الإسلام والمسلمين، لقد ابتعد المسلمون عن روح الإسلام بعد جني الثمار المرة التي غرسها أعداء الإسلام بطريقة خفية لا تثير الغيرة والحمية والتحدي وأصبحت الأيدي الخفية تحرك المسلمين للقتال وكأنهم أجهزة كهربائية لا تفكر ولا تعقل..
محمد أبو سيدو
واحة الشعر
على درب الجهاد
«مهداة إلى روح الشهيد البطل «يحيى عياش»»
شعر: أحمد محمد الصديق
ستحيا في القلوب على الزمان | كما تحيا الزنابق في الجنان |
وتُشعل ليل أمتنا.. فَتَصْحو | لتَخْلَعَ قَيْدَها.. قيد الهوان |
أيا «عياش» يا «يَحْيَى» الشهيد | لك الفردوس.. والعيش السعيد |
وذكرك في فم الدنيا مجيد | تردده الحناجر كُل آن |
تَلوحُ لَنا كَوَجْهِ الشَّمْسِ صَبْحًا | فتنكأ في شغاف القَلْبِ جُرْحا |
أيا بطل الحمى.. بالروح ضحى | رحلت.. وأنْتَ رَيان الأماني |
ألا سحقًا لأنياب الأفاعي | وأذناب الخيانة والخداع |
إذا ما نَالَهُمْ بَطْش السباع | فَلَيْسَ لَهُمْ إلى دفع يدان |
فَمَهْلًا يا أخا الإسلام مهلًا | دماؤكَ لَنْ تَضيع.. فَأَنْتَ أَغْلَى |
ونقسم.. لَنْ نَهونَ وَلَنْ نَذِلا | وثأرك من عدو الله دان |
أخفت الغاصبين وأَنْتَ فَرد | وَلَمْ يُفْلِحْ لَهُمْ كَيْدٌ وَرَصْدُ |
وليس سوى الرحيلِ لَهُمْ مَرَدٌ | سَنَطْرُدُ كُلِّ مُغتَصِبٍ وَجانِ |
ستَبْقَى دائمًا رمز الوفاء | نشـــــــــــــــــــــــدًا للبطولة والفداء |
تُحَرِّضُنَا لِمُعَرَكَة البقاء | فَتَنْهَضَ رَغْمَ شَدَّةٍ ما نعاني |
نراك طليعة الفجر القريب | وبشرى النصر في غدنا الحبيب |
تلون زهرة الغصن الرطيب | وَتَمْنَحُنا التحية بالبنان |
نُقَبِلْ جَبْهَةَ «القَسَامٍ» لَمَّا | حَلَلْتَ عَلَيْهِ ضَيْفَا قَدْ أَلَمَا |
على الإسلام إيمانًا.. وَهَمَا | كتائب في الوقائع ذات شان |
ألا قُل للألى ذرفوا الدموعــا | علي «رابين».. وانْقَمَعُوا خُضُوعًا |
أما يكفي أما يكفي خُنوعا؟ | لماذا ها هنا صَمْتُ اللِسان؟ |
ألا إن اليهود هُمُ اليهود | ولَيْسَ لَهُمْ وَفَاء أو عُهود |
كتاب الله أخبرنا.. فعودوا | إليه بلا جحود أو تواني |
وهَلْ عَهْدُ اليهود هُوَ الوثيق؟ | وقاتلنا اللئيم هُوَ الصديق؟ |
أجل.. إن الجهاد هو الطريق | ولن نُرخي لَهُمْ حَبْلَ الأمان |
صلاحُ الدِّينِ شَق لنا السبيلا | إلى «الأقصى».. فكان لنا الدليلا |
ألا لا تَبْتَغوا عنه بديلًا | وهل بعد الحقيقة من بيان؟! |
همسًا في أذن القذافي: (3 من 8)
الاستهزاء بالصحابة والتابعين
- القذافي ما زال مصرًا على إنكاره واستهزائه بالصحابة الكرام.
بقلم: الدكتور جابر قميحة(*)
من محاسن الإسلام وركائزه القوية أنه جعل معيار التفضيل بين الناس هو العمل، وبذلك خاطب النبي -صلى الله عليه وسلم- الناس جميعًا يوم فتح مكة فقال: «أيها الناس: لقد أذهب الله عنكم عبية «حالة» الجاهلية، وتعاظمها بآبائها، فالناس رجلان: بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله، والناس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب، اقرءوا إن شئتم ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: ۱۳).
ويؤكد القرآن الكريم عبثية الاعتماد على الأنساب والتفاخر بها، ويوضح معيارية العمل في الجزاء، فيقول تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ (المؤمنون: ۱۰۱ - ۱۰۳).
فلا عجب أن يتسع المجتمع الإسلامي لأبي بكر «العربي»، وصهيب «الرومي»، وبلال «الحبشي»، وسلمان «الفارسي»، وعن الأخير يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «سلمان منا أهل البيت» لأن الإسلام أصبح هو «الجنسية» الجديدة، والنسب الذي لا تنقطع وشائجه، ورحم الله من قال:
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم
سید قطب هندي!!.. فارسي!!...
وفي المجموعة القصصية!! التي كتبها «معمر محمد عبد السلام أبو منيار القذافي»- «زعيم» الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى.. تلك التي جعل عنوانها «القرية القرية الأرض الأرض.. انتحار رائد الفضاء.. مع قصص أخرى» يصب جام تهكمه واستهزائه على حسن البنا، وأبي الأعلى المودودي، وسيد قطب الذي يقول عنه في «قصته!!» دعاء الجمعة الآخرة: السيد قطب الفارسي من أصل هندي وجنسيته زادا مصرية.. إلخ (۱) ص ١٠٥.
ولكن علام استند القذافي في هذه النسبة؟ وأقول إن الرجل استند على مقولة لسيد قطب نفسه، فيذكر أبو الحسن الندوي (۲) أنه التقى بسید قطب في مصر سنة ١٩٥١ فأخبره أنه يرغب في زيارة الهند، وقال: «إن جدنا السادس كان هنديًا، وهو الفقير عبد الله، ولا تزال السحنة الهندية موروثة في أسرتنا»، وإن ذهب الأستاذ محمد قطب إلى أن شقيقه لم يقل لأبي الحسن الندوي إلا على سبيل المداعبة أو المجاملة (۳).
ولو كنت مكان الأستاذ محمد قطب، ما نفيت ذلك أبدًا، وما وقفت عند هذه المسألة لأن نسبنا الحقيقي، وجنسيتنا الحقيقية الأصيلة هي «الجنسية الإسلامية»، وخصوصًا أن الجد السادس قد مضى عليه قرابة خمسة قرون.
ومن الواضح أن كاتبنا القذافي لم يذكر هذا الأصل الهندي لسيد قطب إلا على سبيل التهكم والاستهزاء، يدل على ذلك ويقطع به إضافته كلمة «زادا» كلمة «الفارسي».. ويا ليت القذافي قيم الشهيد سيد قطب تقييمًا موضوعيًا ناظرًا إلى أدبه وفكره، ولكن يشاء الله أن يكشف القذافي مستوره بنفسه، فيقول في «القصة!!» نفسها بالحرف الواحد... «أما التعويذة الأخرى فهي مجرد قراءة كتاب «في ظلال القرآن» وليس القرآن نفسه، وحسب شرح «الإخوان المسلمون» هو أن القرآن كتاب واحد فقط، أما ظلال القرآن فهي عشرة» ص ۱۰۷.
وكلام الكاتب العقيد يجزم بأنه لم يقرأ تفسير الشهيد سيد قطب في ظلال القرآن... بل لم يقرأ صفحات أو صفحة واحدة منه أاستغفر الله، بل لم يفتح- أقول لم يفتح- جزءًا واحدًا من أجزائه، ولو فعل لاكتشف أنه ليس هناك تفسير منفصل اسمه «في ظلال القرآن»، ومن ثم يكون من المستحيل على أي عقل بشري أو عقل إلكتروني أن يقرأ تفسير سيد قطب من غير أن يقرأ القرآن، لأنه رحمه الله لم يعرضه «بطريقة المتن الفوقي المنفصل» وتحته الشرح أو الحواشي» ولكن طريقته فيه أن يعرض مجموعة من الآيات متكاملة متتالية في صفحة مستقلة أو أكثر، ثم يقدم لها بما يربط بين أجزائها، ويوضح بإجمال مقاصدها وأهدافها ومناسبتها، ثم يكون التفسير المفصل للآيات موضوعة بين أقواس لا يفصل بينها وبين التفسير فاصل فقراءة التفسير دون قراءة الآيات القرآنية ضرب من المستحيل، ومن ثم يسقط ما قاله القذافي من «إمكان قراءة ظلال القرآن بدون القرآن نفسه» ولكن يبقى لكلامه هذا قيمة لأنه يمثل إدانة صارخة صريحة بأنه لم يقرأ كلمة واحدة من تفسير سيد قطب، بل لم يفتحه ويلقي نظرة واحدة على بعض صفحاته، ولو حاول قراءة هذا التفسير بنية طيبة وعقل متفتح لآمن بما قاله عالم قدير جليل: الكتاب تفسير كامل للحياة في ضوء القرآن وهدى الإسلام، عاش مؤلفه في ظلال الذكر الحكيم -كما يفهم من تسميته- يتذوق حلاوة القرآن، ويعبر عن مشاعره تعبيرًا صادقًا، انتهى فيه إلى أن الإنسانية اليوم في شقائها بالمذاهب الهدامة، وصراعها الدامي من حين لآخر، لا خلاص لها إلا بالإسلام (٤).
تيمية.. وابن تيمية:
ويستمرئ القذافي الاستهزاء بالفقهاء والعلماء، فيقول «... وبالرجوع إلى كتب تيمية وابن كثير ويكن وحواء وسيد قطب زادًا واللوري والمودودي...» ص ۱۱۰.
واعتقدت أن كلمة «ابن» سقطت من الطباعة ولكني اكتشفت أن القذافي قد أسقطها عمدًا إسرافًا منه في الاستهزاء، وأن مسلكه هذا يمثل طريقة من طرائقه في التهكم لا في «أدبه» فحسب، ولكن في خطبه كذلك. (٥)
ويعود القذافي إلى مواصلة منظومته في سب السلف وخصوصًا ابن تيمية فمن كتبهم حكم الدين في اللحية والتدخين - وفقه أهل السنة في استعمال الشامبو والحنة - والكناش في دخول الجنة ببلاش- وكتب ابن تيمية التي تشرح لكم حكمة الأكل بثلاث صوابع، والأكل وأنت متكئ، وحكمة الأكل في قصعة العود، أو قصعة الحديد ص ١٠٨.
وهذا الكلام الساقط يقطع أيضًا بأن «الكاتب القذافي لم يقرأ كلمة واحدة لابن تيمية (٦٦١ - ٧٢٨)، ولم يقرأ شيئًا ذا بال عن ابن تيمية، وإلا لعرف أن له مئات من الكتب في التفسير والفقه والتوحيد والسياسة الشرعية (٦)، وأنه عاش إمامًا مجاهدًا، وامتحن بالسجن فلم يهن، ولم يلن، وكان على علمه يقول: «ربما طالعت على الآية الواحدة نحو مئة تفسير، ثم أسأل الله الفهم وأقول يا معلم آدم وإبراهيم علمني» (۷).
وابن كثير كذلك لا ينجو من غضب القذافي ونقمته، ويناله باستهزائه وتهكمه، وطلاب المدارس والمعاهد يعرفون أن تفسير ابن كثير هو أصح التفاسير بالمأثور، أو من أصحها على الأقل، وأنه يتسم بالدقة في الإسناد، وبساطة العبارة والوضوح في الفكرة (۸)، ويصل القارئ في تفسيره برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته -رضي الله عنه-، وهذه هي عقدة القذافي التي هيجته وتهيجه دائمًا.
نعم: على الصحابة يتهكم!
ممن صب عليهم القذافي سياط استهزائه وتهكمه «أم أيمن» و«خبيب بن عدي» و«خالد ابن الوليد»، وإني لأجد من تمام الفائدة أن ألقى الضوء على الواقعة التي ارتبطت بكل منهم، فأثارت الكاتب معمر، وهيجت موهبته في الاستهزاء.
وأم أيمن بركة: كانت حاضنة محمد -صلى الله عليه وسلم- بعد أن ماتت أمه وهو في السادسة من عمره، اعتقها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين تزوج خديجة فتزوجها عبيد بن زيد الخزرجي فولدت له أيمن، واستشهد زوجها في غزوة حنين، ثم تزوجت زيد ابن حارثة فولدت له أسامة، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يناديها إلا بـ: يا «أمه» -أي يا أمي- ويشير إليها ويقول «هذه بقية أهل بيتي».
ويورد محمد بن سعد خبر هجرتها مسندًا موثقًا بالنص التالي: لما هاجرت أم أيمن أمست بالمنصرف دون الروحاء، فعطشت وليس معها ماء، وهي صائمة فجهدها العطش، فدلي عليها من السماء دلو من ماء برشاء «حبل» أبيض، فأخذته فشربت منه حتى رويت، فكانت تقول: ما أصابني بعد ذلك عطش، ولقد تعرضت للعطش بالصوم في الهواجر، فما عطشت بعد تلك الشربة، وإن كنت لأصوم في اليوم الحار فما أعطش (۹)، هذا ما أورده محمد بن سعد مسندًا موثقًا، فماذا قال القذافي متهافتًا مستهزئًا؟ يقول في «قصته!!» التي عنوانها، «وانتهت الجمعة دون دعاء»... «أم أيمن كادت تموت عطشًا بين مكة والمدينة وهي صائمة، فنزل عليها حساء من شربة بالمعد نوس، ودلو ماء معدني ماركة أفيان، ولم تعطش طيلة عمرها بعد أن شربت من ماء أفيان.. ص ۱۲۳.
أما خبيب بن عدي فكان فقيها حافظًا، بعثه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع خمسة من الصحابة استجابة لرهط من قبيلتي «عضل والقارة»، فغدروا بوفد الرسول عند بئر الرجيع، قتلوا منهم ثلاثة، وأسروا ثلاثة منهم خبيب، وفي هؤلاء نزل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابتغاء مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (البقرة: ۲۰۷) وبيع خبيب لأحد الكفار ليقتله بأبيه الذي قتله المسلمون في إحدى الغزوات، وحبس خبيب حتى اليوم الموعود لقتله على ملأ من الكفار، قالت ماوية مولاة حجير بن أبي إهاب مشتري خبيب «كان خبيب عندي، حبس في بيتي، فلقد طلعت عليه يومًا، وإن في يده لقطفا من عنب مثل رأس الرجل يأكل منه، وما أعلم في أرض الله عنبا يؤكل..»(١٠).
ويقول الكاتب العقيد معمر محمد عبد السلام أبو منيار القذافي«... وهل العنب الذي كان يسقط على خبيب بن عدي وهو أسير عند المشركين في مكة كان من الزهرة أم عطارد، لأن مكة لا عنب بها...» ص ۱۲۲.
وخالد بن الوليد...
ويمضى القذافي في استكمال منظومته الهجائية التهكمية الاستهانية الاستهزائية «العظمي» فيقول بالحرف الواحد...«..وأن خالد ابن الوليد حاصر حصنًا منيعًا للروم، وطلب منهم التسليم، فقالوا له: لا نسلم حتى تشرب السم»، فشرب قدحين من السم «السقرطوي» القاتل (۱۱)، ولم يوجعه حتى مصران واحد من مصارينه...» ص ۱۲۳.
وحتى لا نزيد من غضب الكاتب العقيد وهياجه، سنترك ولو مؤقتًا الكتب القديمة -كتب التراث- التي يصر العقيد على تسميتها بالكتب الصفراء، ونقف وقفة متأنية مع خبر خالد ابن الوليد t بأقلام كتاب محدثين لهم وزنهم ومكانهم في الفكر الإسلامي والغربي.
كتب العقاد في كتابه عن خالد (۱۲).. وغير بعيد أنه تعود عيشة الشظف، وراض نفسه على الخشونة عمدًا في البادية ليصبر على مضانك الحرب، وشدائد الجوع والظمأ.. فقد جاء في بعض الأحاديث أن خالدًا كان يأكل الضب ويشتهيه، كما يأكله الأعراب ويشتهونه، وهو أغنى إنسان في مكة (۱۳).
ويكاد الصدق والإشاعة معًا يتوافيان إلى دلالة واحدة في تربية هذا البطل المنذور للبطولة والعبقرية، فأكلة الضب - التي سبق ذكرها واحدة - وغيرها أكلات مسمومات - يبدو لنا أنها مخترعة أو محرفة - ولكن اختراعها وتحريفها يدلان - لا محالة - على شيء، وهو اشتهار خالد بترويض بنيته على تجرع القصص التي يتقزز منها الناس ويخافون منه الهلاك.
ففي اليواقيت للقطب الشعراني أنه حاصر قومًا من الكفار في حصن لهم، فقالوا: تزعم أن دين الإسلام حق؟ فأرنا آية لنسلم.
فقال احملوا إلى السم القاتل، فأتوه به فأخذه وقال: بسم الله، وشربه فلم يضره، وتردد مثل ذلك في كتاب الإصابة، فروي من مصادر شتى - أنه لما قدم الحيرة أتى بسم فوضعه في راحته ثم سمى وشربه، ولم يؤثر فيه.
وقد سمعنا نيتشه -بشير السوبر مان في العصر الحديث- يقول: «إن السم الذي لا يميتني يزيدني قوة، فهذه بنية بطل نشأت للمجد على هذا الغرار (١٤).
والذي نخرج به من كلام العقاد يتلخص فيما يأتي:
- أن خالد بن الوليد - على يساره وثراء أهله - تربی - باختياره - تربية الخشونة والصلابة، وروض نفسه على شظف العيش، ومرارة الحرب وخشونة الحياة.
- أن مسألة تعاطيه السم جاءت في أكثر من مرجع قديم، وأنها تتفق مع ما درب عليه خالد نفسه من خشونة وصلابة وقدرة على الصبر والمواجهة.
- أن الخبر -حتى لو كان موضوعًا أو محرفًا- تبقى له الدلالة التي لا تنكر، وهي قدرة خالد على القيام بما يعجز عنه كثير من القادة والأبطال، فهو القائد المنتصر دائمًا، فلم يهزم في موقعة واحدة خاضها، وكثيرًا ما انتصر بالسمعة والرعب، وأعداء الإسلام يعرفون هذه القدرات الفذة فيه حتى اعتقد أحد قادة الروم -واسمه جورج- أن قوة خالد ترجع لسبب غيبي وضحه في سؤاله الخالد:
- أحقًا أن الله أنزل على نبيكم سيفًا من السماء، فأعطاكه فلا تسله على قوم إلا هزمتهم؟ فلما أجاب خالد بالنفي سأله جورج: فبم سمیت سيف الله؟ قال خالد: تابعنا نبينا، فقال: أنت سيف من سيوف الله سله الله على المشركين، ودعا لي بالنصر، فسميت سيف الله، فأنا من أشد المسلمين على المشركين. (١٥)
وإذا كانت الرياضة والدربة وحمل النفس على ركوب الصعاب عاملًا من عوامل تحمل ما لا يتحمله الآخرون، فإن هناك عاملًا أقوى وهو الطاقة الروحية التي ترتبط بالإرادة القوية والعزيمة الحاسمة، وقد يؤيد هذا الحكم أن خالدًا كان يبدأ دائمًا بالتسمية «بسم الله» قبل إقدامه على شرب السم.
وأثر «الطاقة الروحية» في قوة التحمل وإحراز النصر أمر لا يمكن إنكاره، وفي مجتمعاتنا الحاضرة أشخاص يعدون بالمئات والآلاف يتحملون من السم -دون أن يؤذيهم- أضعاف ما يروي أن ابن الوليد طعمه أو تجرعه، وليسوا من الصحابة أو التابعين (١٦).
أو هي الكرامة.. يا قذافي...
المعجزة -كما هو معروف- لا تكون إلا للأنبياء، وهي أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي، سالم عن المعارضة أي لا يستطيع أحد أن يعارضه أي يأتي بمثله.
والكرامة كالمعجزة في خروجها عن العادة والمألوف، ولكن يجريها الله I على يد بعض المؤمنين الصالحين من عباده إكرامًا لهم، ولكن قد يجري مثل هذا العمل الخارق على يد غير مؤمن أو غير ذي عمل صالح، وفي هذه الحال يسمى العمل استدراجًا لإكرامه.
وكرامات الأولياء حق بالإجماع، وبالأدلة كقصة أصحاب الكهف، وقصة مريم، ورأى أهل السنة والجماعة هو الإيمان بما جاء من كراماتهم وصح عن الثقات من رواياتهم (۱۷).
فلماذا لا يكون نزول الماء على أم أيمن، وإنعام الله على خبيب بالعنب في غير أوانه وغير مكانه.. واحتساء خالد السم دون أن يؤثر فيه لماذا لا تكون هذه الحالات الثلاث من قبيل الكرامة إكرامًا من الله لثلاثة من أوليائه، وهو القائل: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (يونس: ٦٢ - ٦٤).
وفي حياة المسلمين بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- من هذه الكرامات الكثير، وبعيدًا عن «الكتب الصفراء» التي لا يطيقها «العقيد الكاتب القصاص» نرى من الكتاب المحدثين أصحاب الكتب «البيضاء» من يعرض بعض هذه الكرامات ويبدي إيمانه بها، ومن هؤلاء عباس محمود العقاد (۱۸): فقد عرض ما نقل من أن عمر ابن الخطاب كان يخطب الجمعة وفجأة قطع خطبته وصاح: «يا سارية بن حصن الجبل الجبل» وكان سارية على رأس جيش يقاتل الأعداء وبينه وبين عمر مئات الأميال، فسمع الصوت ومال إلى الجبل وهزم الأعداء ويعلق العقاد قائلًا: ولا داعي لنفي هذه القصة استنادًا إلى العقل أو العلم أو التجربة فإن العقل لا يمنعها ومن علماء النفس من مارسوا التلباثي: Telepathy -أي الرؤية والشعور على البعد– وسجلوا مشاهداته، وهم ملحدون لا يؤمنون بدين.
ومنهم الدكتور محمد حسين هيكل (۱۹) الذي يورد قصة القائد المسلم العلاء ابن الحضرمي وجيشه في عهد أبي بكر، t فقد سلك العلاء بجيشه مفاوز الدهناء، فلما جن الليل أمر الناس بالنزول حتى لا يضلوا في تيه الصحراء، فنفذوا أمره، وفجأة نفرت الإبل بما تحمله من ماء وزاد، وهذا يعني تعرضهم للهلاك جوعًا وعطشًا، فأصابهم حزن عظيم.. وخفف عنهم العلاء بخطبة ختمها بقوله: «... فأبشروا فوالله لا يخذل الله من كان في مثل حالكم..».
وصلى الناس الفجر، وأخذوا في الدعاء، فلما بزغت الشمس رأوا على البعد سرابا.. فلما قصدوه وجدوه ماء، فشربوا واغتسلوا، ونالوا ما شاءوا، وتعالي النهار، فإذا إبلهم تعود إليهم من كل صوب وتبرك، وعاد أبو هريرة وصاحب له من أعرف العرب بهذه المنطقة إلى المكان فلم يجدا فيه أي أثر للماء، وقال الذي له علم بهذا المكان إنه لم ير فيه ماء ناقعًا قبل اليوم.
ويبدي هيكل مسايرته لقول من قال «إنما كان ذلك من آيات الله، وإن الماء إنما كان مَنًّا من الله..».
ولكن الكاتب القصاص «معمر القذافي»، ما زال مصرًا على إنكاره واستهزائه بأم أيمن وخبيب وخالد بن الوليد y وما زال في منظومته «القصصية» الاستهزائية بقية، ومازال في جعبتنا ما يدفعها ويزهقها ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (الأنبياء: ۱۸).
المراجع والتعليقات:
- وقد درج حواريو القذافي على وصف سيد قطب دائمًا بالهندي أو الفارسي أو هما معًا «انظر في مجلة الثقافة العربية «الليبية» العدد 9 سبتمبر ١٩٩٥م مقالة بعنوان «أبعد من أدوات القياس، أكبر مسارب القواعد« ص ۱۰ - ۱۲».
- في كتاب له عنوانه «مذكرات سائح في الشرق العربي» ١٥3 «مؤسسة الرسالة- بيروت ١٩٧٥م».
- عبد الله الخباص: سيد قطب الأديب الناقد ٧٩ «مكتبة المنار -الزرقاء-الأردن وانظر: د. صلاح عبد الفتاح الخالدي: «سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد» ص 3٠ «دار القلم- دمشق ط (۱) - ۱۹۹۱م».
- مناع قطان: مباحث في علوم القرآن ٤٢٢ «دار المريخ -الرياض- ط (١٦).
هذا والقذافي يلح على الازدراء بسيد قطب في كل خطبه وملتقياته، وهو يتولى كبر ذلك في الوقت الذي تشتد فيه الحملات الضارية في بعض البلاد العربية على هذا المجاهد العالم الشهيد، وبين يدي خمسة كتب صدرت متتالية في طبعات فاخرة جدًا- وتباع بسعر رمزي، وأنقل للقارئ سطورًا قليلة من أحدهما يأخذ الكاتب -من وجهة نظره- على سيد قطب «تكفيره للأمة، وطعنه على أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتعطيله لصفات الله U وقوله بخلق القرآن، وأن الله لا يتكلم، وإنما قوله مجرد إرادة وقوله بالحلول، ووحدة الوجود والجبر، وقوله إن الروح أزلية، وقوله بالاشتراكية الغالية، وبموادة أعداء الله، وقوله عن مساجد المسلمين إنها معابد جاهلية، وتهوينه من معجزات الرسول -صلى الله عليه وسلم- ورده لأخبار الآحاد، بل للمتواترات من أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وغير هذا من الضلالات...» «ص ١٥».
وأقول للكاتب «المسلم»- الذي تعمدت إغفال ذكر عنوان كتابه: إذا كان سيد قطب -رحمه الله- بهذه الصورة فلماذا أعدمه أعداء الإسلام، ورقص اليهود والصليبيون والملاحدة يوم شنقه؟
وقد نهض الأستاذ محمد قطب يدحض -بإيجاز شديد- هذه التهم في تقديمه لكتاب شقيقه الشهيد: مقومات التصور الإسلامي ٧-١٤ «دار الشروق –القاهرة- ط (4) ١٤١٤ -١٩٩٣.
- فهو يقول في خطاب ألقاه في ١٩/٢/١٩٧٨م «ولم يقل النبي تمسكوا بشيء آخر: لا يكتب حنبل، ولا الشافعي ولا المالكي..» ص 4٦ من هذا الخطاب الذي طبع في ٤٧ صفحة من القطع الصغير بعنوان: «خطاب الثائر المسلم معمر القذافي: في ذكرى المولد النبوي الشريف» ۱۲ من ربيع الأول سنة ۱۳۸۷ من وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
- راجع كتاب «العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية» ص ٢٦ - ٦٧ لمحمد بن أحمد عبد الهادي، تحقيق محمد حامد الفقي «مكتبة المؤيد – الرياض: د.ت».
- السابق ٢٦.
- انظر «مناهل العرفان في علوم القرآن» لمحمد عبد العظيم الزرقاني- 2/30 «عيسى البابي الحلبي- القاهرة د.ت» وانظر مباحث في علوم القرآن، ص ۲۹۱ د صبحي الصالح «دار العلم للملايين- بيروت ط (۱۲)- 1981 م.
- انظر «الطبقات الكبرى» لمحمد بن سعد ۲۲۳- ۲۲5 «دار صادر بيروت د ت».
- عبد السلام هارون «تهذيب سيرة ابن هشام» (141).
- ربما أراد القذافي «السقراطي» نسبة إلى «سقراط» الذي حكم عليه بالموت بأن يشرب السم.
- عبقرية خالد «دار الكتاب العربي- بيروت لبنان- ط (٣٠) ١٩٦٩م».
- السابق ۲۹.
- السابق ٣٣.
- العقاد: السابق ص ۱۱۰، وانظر: محمد الصادق عرجون في «خالد بن الوليد» ٢٤٠- ٢٤١ «مكتبة الكليات الأزهرية - القاهرة» ط)۲) ۱۳۷۸ - ۱۹6۷».
- في قرية بالجيزة بصعيد مصر اسمها «أبو رواش» -إن لم تخني الذاكرة- يعمل أغلب سكانها في صيد الثعابين السامة، وتربيتها بالآلاف في صناديق زجاجية لاستخراج السم منها وبيعه لمصانع الأدوية، وهم يطعمون أنفسهم عن طريق الجلد بمسات من السم تزيد تدريجيًا بمرور أشهر أو سنوات حتى يبلغ أحدهم حد الحصانة، فلا يؤثر فيه سم الثعابين إذا لدغ.
ولا يخلو مجتمع من مجتمعاتنا الحاضرة من أشخاص لا يضارون بأكل الزجاج والنار والمسامير والحجارة، وقد عرض التلفاز عشرات من هذه الحالات.
- انظر شرح العقيدة الطحاوية من ٥٥٨ ، ٥٦٢ لابن أبي العز الحنفي »المكتب الإسلامي ۱۳۹۲».
وكذلك »أصول الدين» للإمام أبي منصور عبد القاهر البغدادي التميمي، ص- ۱۷۰ »مطبعة الدولة- إستانبول ۱۹۲۸م».
وكذلك كتاب التعريفات: لعلي الشريف الجرجاني ص ۱۹۳ »مكتبة لبنان- بيروت».
- في كتابه عبقرية عمر ص ٣٩٥ من العبقرية الإسلامية م (1) » دار الكتاب اللبناني- بيروت ١٩٧٤ وانظر القصة كاملة في كتاب ابن الجوزي » مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب» ص ۷۲ - دار الكتب العلمية - بيروت »د.ت».
- کتابه» الصديق أبو بكر» ١٦٢ - ١٦٣ دار المعارف القاهرة - ط (6).
قصة قصيرة:
يافا.. أولًا
بقلم: عبد الرحمن فرحانة
نظر إلى بقية جسده الممزق، وأثار التعذيب المحفورة كالأخاديد الضحلة في ثنايا جلده وإلى بقاياه التي لم يلحقها الضرر أو لعله قد لحقها ولكنها برئت منه، أما الأجزاء التي اجتثت من بدنه فما زالت في ذاكرته وكيف ينسى الإنسان جسده.. الشيء الوحيد الذي ينساه، في أي السجون كان موطن كل جزء من هذه الأجزاء المجتثة.. والذاكرة رغم ضعفها لم تهمل تصنيفها، فأرشيفها يحمل قائمتين في ذهنه، قائمة تخص أجزاء بدنه التي اجتثها رجال النجمة السداسية، أما القائمة الأخرى وهي الأشد وضوحًا في الذاكرة والأكثر مرارة.. أنها تشمل الأجزاء التي اجتثها جلادون من بني جلدته.
تمعن بقاياه التي تسمى مجازًا جسدًا إنسانيًا، ولكنها في الحقيقة تمثل مجرد رقم تضمه خانات الإحصاءات الخاصة بالإغاثة الدولية، بل رقم مشلول.. هكذا يتصور، ولعل واقعه المرير يشارك في تفاقم هذا التصور في ذهنه.
حرك عربته –الخاصة بالمعوقين- وبيده اليمنى إذ إن يده اليسرى قلما تستجيب له فانحدرت العربة نحو الفناء الواسع والممتد قبالة بيته.. ذلك البيت الذي أبقته له بساطير العسكر، البيت الذي بناه أبوه بعد الهجرة الأولى ببقايا الصفيح والأخشاب ولحقته خطط التنمية مؤخرًا فبنيت بعض أركانه بالطوب الإسمنتي الرخيص أراد بانحدار عربيته هذا نحو الفناء أن يتعرض لأشعة الشمس، فكم يتمنى أن يقف تحتها منتصبًا كما وقف تحتها سنين طويلة قبل أن يخرج من السجن، لقد منعوه قبل السجن أن يغادر أزقة المخيم... منعوه أن يفكر أو يتكلم.. فقط كان يأكل من دقيق الإغاثة الدولية وزيتها الكريه الذي لا يحمل من الزيت إلا اسمه، وها هو كومة اللحم الملقاة في القفص الحديدي ذي العجلات.
اشتدت حرارة الشمس مع صعودها إلى منتصف السماء وبدأ يحس بالحرارة خاصة دماغه لأن الشعر رحل من فوق رأسه إلى غير رجعة وأبقى مكانه منزلقًا كأنه مهبط طوارئ لمطار قديم، لم تكن صلعته ذات الشعيرات المتناثرة لتحتمل شمس الظهيرة.. وحاول أن يعود بعربته داخل البيت ولكن دون جدوى.. وأخذ ينادي:
- أماه.. أماه.
- نعم يا ولدي.
- أريد أن أعود للداخل ثانية يا أماه.
- وأمسكت أمه مقابض العربة لتدفعها بكل القوى التي تبقت لها بعد الهجرة والترمل والشتات، ومن بين شفتين عتيقتين لا تعرفان لون الأصباغ، قاسيتين بكلماتهما كقسوة حجر الصوان قالت:
- كم أنت عنيد يا ولدي!!
- كنت في الظل وأصريت أن تذهب تحت الشمس وها أنت تعود للظل ثانية، ولقد حذرتك بأن الشمس حامية هذه الأيام.
وبصوت المعوق المكسور الذي يحتاج لغيره دائمًا قال: لقد حاولت يا أماه، ولكل محاولة خطوة.
- لا يا ولدي.
كان أبوك يقول: قبل خطوتك فلتكن فكرتك، يرحمه الله كان حكيمًا في كل شيء.
وكأنه وجدها مناسبة ليسألها عن شيء قديم يشغله.
- ولكن كيف قتل أبي يا أماه.
- لا تقل قتل، إنه استشهد يا ولدي..
يرحمه الله كان يعرف كيف يموت.. أبوك يا ولدي مع كل رصاصة كان يطلقها كان يتلو أية.. كان كلما يعود يقول لي... يا فاطمة.. قرآن ربي هو هويتي...
وموطن الأنبياء خريطة محفورة في قلبي، حدوده ممتدة من برتقالات الساحل حتى دقلي النهر... يا فاطمة لا تنسي أن تعلمي طفلنا الصغير عندما يكبر كيف يرسم الخريطة في قلبه كاملة دون انتقاص تريد أن تعرف كيف استشهد أبوك يا ولدي.
وبكل الحرارة قالها:
نعم.. أريد أن أعرف.
وبكلمات من حزن قالت:
- إنه لم يستشهد بعيدًا يا ولدي.. فبعد الهجرة أسكنت بندقيته القديمة، وفرشت دربه بالأسلاك الشائكة والحواجز المكهربة، وبالكلاب المدربة.. وبعيون الحراس الجامدة.
أبوك يا ولدي استشهد هنا، وليس بعيدًا، بل في نفس الموطن الذي اجتثت فيه أجزاء بدنك وسلخت مساحات واسعة من جلدك.
وبالبراءة الممزوجة بالعجز قال ومآقيه قد فاضت بالدموع:
- ولكن لماذا قتلوه مع أنه كان بطلًا.
- قتلوه.. لأنه كان يقول إن القرآن له سلطان...
لأنه كان يقول: من الخيانة أن تسمع عواصم الخلافة تغني ساهرة بينما رجال النجمة السداسية يتلون توراتهم فوق رُبي يافا الحبيبة.. أما كتابنا فيظل للجنائز وكأنه كتاب موتى.
وأحس بأنه نبش في جرحها العتيق الذي لا يندمل ذلك الجرح الذي سيظل مفتوحًا وينزف حتى الموت.
فأمسك يدها بحنان فوق مقبض العربة يربت عليها وقال وكأنه يبحث عن شيء يفرحها...
- لا تحزني يا أماه.. ها هي مآذن القدس قد اقتربت، بل لعلنا نحن اقتربنا منها.
- وكيف يا ولدي، وبيننا وبينها خطوات لا يعلمها إلا رب الغيب.
- لم تسمعي إذًا يا أماه!!
لقد ولدت الرايات فصار لنا علم، وأختام الهجرة قد تغيرت فأصبحت وثيقتي جواز سفر، ألا تفرحي يا أماه سيكون لنا فوق جزء من أرضنا دولة.. وسيكون لي جواز سفر.
- لا لن أفرح يا ولدي.. ولن تفرح أنت.
لأن أباك حملني الأمانة بأن ترسم الخريطة في قلبك من بعده من برتقالات الساحل حتى دخلي النهر.
- ولكن.. لنحاول يا أماه....
- لا.. لن نرضى ما دامت يافا لا تحمل نفس جواز السفر.
- لتكن خطوتنا الأولى من أريحا.. يا أماه..!!
- لا.. بل يافا أولًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل