العنوان المجتمع الثقافي عدد 1808
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 28-يونيو-2008
مشاهدات 73
نشر في العدد 1808
نشر في الصفحة 44
السبت 28-يونيو-2008
اللغة سلوك
د. ناصر دسوقي رمضان
العقلاء ينتقون مفردات لغتهم. بما يناسب مواقفهم وعلاقاتهم مع الناس فيتعاملون مع العدو بلغة معادية، ومع الصديق بلغة فيها مودة ولطف ومع الإنسان الاعتيادي بلغة محايدة تعكس أخلاق صاحبها وحكمته في التعامل مع الغرباء!.
الحمقى ليس للغتهم ضوابط أو مقاييس فقد يتكلم أحدهم مع صديقه بلغة جارحة مؤذية، دون سبب واضح وقد يتحدث عن شخص، بعده من أقرب الناس إليه في غيابه بلغة سيئة تحمل شحنة كبيرة من العداوة.. دون سبب واضح، كما أنه قد يتحدث عن أعدى أعدائه بلغة تحمل مودة أو لطفًا زائدًا، دون سبب واضح مع أن عدوه يسن الخنجر لذبحه، أو هو مستمر فعلاً في ذبح أهله وأقاربه وأصدقائه، وقد تسأله عن سبب إيذائه لصديقه في غيابه بكلام جارح فلا يجد لديه جوابًا واضحًا كما قد تسأله عن سبب ذكره لعدوه بلغة لطيفة تحمل مودة فيجيبك بابتسامة بليدة بأنه لا يريد فتح جبهة عداوة معه. ناسيًا أن الجبهة مفتوحة على مصارعها. وأن العدو يعد العدة للقضاء عليه ماديًا أو معنويًا!
اللغة السياسية
اللغة السياسية سلوك سياسي، لا تقبل فيه حماقات الأفراد لأن المتكلم لا يعبر عن شخصه وأخلاقه الفردية بل عن سياسة يشترك فيها مع آخرين، وحتى لو تكلم باسمه الشخصي فإن سلوكه اللغوي يعد نافذة ينظر من خلالها الآخرون إلى ما في داخل البيت السياسي من قيم، وأخلاق وتوجهات، وطموحات وسياسات ونيات مبيتة لأن المتكلم هو لبنة في بنيان سياسي يضم لبنات كثيرة، يتوقع أن تكون متقاربة في أفكارها ونياتها وطموحاتها وسياساتها، التي تعكسها لغة كل فرد من أفرادها!
وفي حال اختلاف اللغات بين الأفراد... يتوقع الناس أن ثمة اختلافًا في السياسات، وفي حال تعارض اللغات يتوقع العقلاء أن ثمة تعارضًا في السياسات، لا يسوغه مبدأ حرية الرأي: لأن حرية الرأي الفردية الشاذة عن سياسة البنيان السياسي، الذي ينتمي إليه الفرد- تفسر- إذا سمعها الناس أو قرأوها- على أنها انشقاق أو توتر.. داخل البنيان.
سلوك جديد: اللغة السياسية التي تظهر المودة لعدو ظاهر العداوة، تفسر على أنها سلوك جديد طرأ على تفكير الفريق السياسي، ودفعه إلى إعادة النظر في موقفه من عدوه! فإذا كان الفريق ضمن تحالف ما أثارت اللغة الجديدة ريبة الأطراف الأخرى في التحالف، وصار من حقها الاستيضاح عن سبب الخطاب الجديد الذي يفترض، بحكم منطق السياسة المستقر بين العقلاء أنه يحمل موقفًا جديدًا، وأنه ليس مجرد ألفاظ عابرة عنت لهذا الفرد أو ذاك من أفراد الفريق السياسي ليتظرف بها، أو يظهر نفسه بمظهر المهذب اللطيف الذي يكن الود لخصمه الشرس الذي يذبحه! فالشاعر يقول:
إن الكلام من الفؤاد، وإنما
جعل اللسان على الفؤاد دليلاً
أما العدو نفسه، فيصعب عليه تفسير هذا اللطف تجاهه لذلك يعتبره نوعًا من التذاكي الفج والمكر الساذج.. أو صورة من صور الغباء الشديد وهو لطف يسره في كل الأحوال لأنه يوظفه توظيفات مختلفة في مصالحه المختلفة.. وأهم هذه التوظيفات هو المتاجرة به أمام الناس عامة، وأمام الجماهير المؤيدة لصاحب اللغة اللطيفة خاصة.
غير أن الشتائم تختلف بشكل عام عن وصف العدو، أو الخصم اللدود... بما فيه من أوصاف حقيقية كالظلم والإجرام، والنزعة العدوانية، والغدر والرشوة واللصوصية.. وغيرها من أوصاف يجب أن يعرفها الناس عن حقيقة هذا العدو، أو الخصم الشرس المتجبر...
العدو المختلف حول عداوته داخل البنيان السياسي الواحد يستفيد كثيرًا من اختلاف اللغة حوله بين أعضاء هذا الفريق، ويوظفها لمصلحته سياسيًا واجتماعيًا، وثقافيًا، وقد ورد في القرآن الكريم قول الله عز وجل: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ۖ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ (النساء: 88).
شتم حكومات بعض الدول الكبرى لبعض عملائها من حكام الدول الصغرى، وحض هؤلاء على شتمها لمنح هؤلاء العملاء شهادات حسن سلوك مجانية، يخدعون بها شعوبهم، حين يظهرون بمظهر الزعماء الكبار أصحاب السيادة والموقف الصلب، ورفض العمالة للأجنبي.. هذا كله لا يغير شيئًا من صحة المبدأ: بل صحة المبدأ أساسًا هي التي تجعل المغفلين يصدقون لعبة الدول الكبرى مع عملائها الحكام الصغار، ومنحهم شهادات البطولة الزائفة، وشهادات حسن السلوك المجانية، عبر الشتم المتبادل بين التابع والمتبوع، أو بين السيد والعبد! وربما كان هذا الخداع من أهم العمليات التي يحتاجها صنع الزعماء، في الدول البائسة في العصر الحديث.
حافية القدمين
قصة قصيرة
منى العمد
دخلت غرفة المدرسات وهي تتلثم بشالها الصوفي وتغطي رأسها بقبعة سميكة دخلت وهي تدعك إحدى كفيها بالأخرى وتقول برد برد قهقهت المعلمات المتعلقات حول المدفأة، تساءلت في دهشة: هل قلت شيئًا مضحكًا؟ قالت إحداهن وهي لا تزال تضحك: كلما دخلت واحدة منا كان أول ما تقوله برد. برد. علقنا وقلنا: إن برد... برد، أصبحت هذه الأيام تسبق التحية وتلازمها، شاركتهن الضحك وهي تأخذ مكانها حول المدفأة وتقول: يا للصحراء ما أشد حرها وما أقسى بردها!
دخلت معلمة الصف الأول الابتدائي... تهيأت الزميلات للتعليق، فمعلوم أن سماح هي أقلهن احتمالاً للبرد، وأكثرهن شكوى منه، لكنها دخلت ولم تقل شيئًا، بل لم تلق التحية على زميلاتها، مشت وهي واجمة ولشد ما كانت دهشة المعلمات عظيمة عندما أخذت زميلتهن المدفأة من وسطهن، ومضت بها إلى زاوية بعيدة في الغرفة غير عابئة بتساؤلات زميلاتها واعتراضاتهن، ثم ذهبت إلى حيث كانت تقف طالبة صغيرة على كتفيها معطف معلمتها سماح، أمسكت المعلمة بيدها وقادتها نحو المدفأة، وهي تقول اقتربي حبيبتي.. تعالي هنا نظرت المعلمات إلى حيث الطفلة التي جاءت.. إلى المدرسة.. وهي لا تلبس فوق جسدها المقرور سوى مريول المدرسة لا تلبس تحته شيئًا ولا فوقه، كانت قدماها حافيتين، لم تكن حتى تلبس الجوارب كان جسدها الصغير يرتجف من شدة البرد احتضنتها المعلمة أمام المدفأة وقدمت لها كوبًا من الشاي الحار تستجلب لها بعض الدفء، وهي تسألها: لماذا لم تلبسي سترة وهي تلوذ بالصمت.. لا تجيب بشيء.
أخذت المعلمات يتحدثن كأنهن كن يبحثن عن موضوع يقطعن به وقتهن وأخذن في غيبة أم الطفلة، فمن قائلة: إنها لا تستحق أن تكون أمًا، وتضيف الأخرى، كيف تترك ابنتها تخرج هكذا في صباح يوم من أشد أيام أربعينية الشتاء بردًا؟ يا لها من أم قاسية!!
وتضيف ثالثة: تنام الضحى تستدفئ تحت أغطية ثقيلة، ولا تكثرت لأمر ابنتها، ماذا لبست؟ وماذا أكلت؟ وكيف خرجت؟، وتضيف: أما أنا فالحمد لله لا يخرج أولادي من البيت إلا بعد أن يتناولوا فطورهم ويشربوا الحليب وألبسهم المعاطف ولو رغمًا عنهم في كثير من الأيام!! تعلمت أن الأولاد يحبون أن يتخففوا لكني لا أسمح لهم نهائيًا، وقالت أخرى... وقالت أخرى.
دخلت مستخدمة المدرسة وهي تحمل القهوة للمعلمات وسمعت طرف حديثهن.. نظرت إلى حيث الطفلة، فلم تتمالك نفسها وانفجرت باكية، وهي تقول: يا للطفلة المسكينة لقد توفيت والدتها منذ ثلاثة أيام!
ستون عامًا على النكبة
وما زالت فلسطين.. القضية الساخنة
طلعت سقيرق
قضية فلسطين، ولا تخترع أو تبتدع هي قضية تاريخ ومصير وأزمان ومثل هذه القضية لا تكون هنا مرة، وهناك مرة أخرى حسب الأمزجة أو المتغيرات والتقلبات السياسية وغير السياسية!!.. فهي بالتأكيد أكبر من كل ذلك، وأعمق من أي تصور يخطر على بال هذا السياسي أو ذاك.. سخونة هذه القضية مرتبطة بزمن يطول أو يقصر، وحل يوجد أو لا يوجد.. ومن يظن أن كلمات قليلة تغير المجرى والمسار بكليته فهو دون شك قصير النظر جدًا.. لأن الأمور هنا ستبقى على مدار الأيام كبيرة أكبر من الأشخاص مهما علا شأنهم!
بطبيعة الحال يظن البعض أنهم سيوجدون الحل بين ليلة وضحاها.. لكنهم في هذا عندما يفعلون يوجدون أشياء صغيرة من الحل تؤدي بطبيعتها إلى حلول مؤقتة من جهة، وتعقيدات كبيرة من جهة ثانية.. وقد علمنا الأيام كما السنوات أن الحقيقة غير ما ذهب إليه كل الساسة الذين فكروا بأنصاف الحلول أو أرباعها أو أخماسها.. فكان خطأ كل واحد منهم مريعًا بما استجر من فوضى معيشة للشعب صاحب القضية أولاً ... فالحلول المتجزأة الناقصة تترك أشياء غير مكتملة على الأرض ليدفع الشعب الثمن من دمه ووجوده ومستقبله وكل ما يتعلق به... وتراجع السياسي عن الخطأ يأتي بعد فوات الأوان.
القضية الفلسطينية قضية كل لا قضية جزء.. والتفكير بالتجزيء مصيبة صارت نتائجها معروفة للقاصي والداني إلا للسياسيين الذين ما زالوا يأخذون ويعطون ويعملون في مساحة الهوامش الضيقة الخائفة مع أنه من المفترض حسب مفهوم السياسة، أن يعي السياسي معنى القضية ومعنى الشمولية في الحل.. يفترض أن نفهم ونعي ما تفهمه سيئة الذكر إسرائيل، قبل غيرها، وتعمل على أساسه.. هذا الفهم يتحدد في التناقض بين حالتي الوجود العربي والوجود الإسرائيلي على طول الخط وما المماطلة والتسويف واللف والدوران من قبل إسرائيل، إلا لأنهم يعون ذلك تمامًا بل ويعملون على أساسه.. فليس من باب الغباء رفضهم للسلام مع المحيط العربي بل من باب معرفة الواقع الذي- كأننا- لا نريد أن نعرفه هذا الواقع الذي استوعبه السياسيون الأكثر إخلاصًا والأبعد نظرًا- منذ البداية ورأوا أن إمكانية قيام إسرائيل، في محيط عربي.. محض خيال.. وأن بقاء ما هو عربي مع وجود هذا الكيان غير ممكن أيضًا.. فكانوا يعملون من هذا المنطلق الواعي ويرسمون خططهم على هذا الأساس الذي لا يمكن القفز فوقه ...
فلسطين في هذا المعنى نفي للكيان الصهيوني.. والكيان الصهيوني نفي لفلسطين وإذا كنا نستطيب الوقوع مرات في فخ الخطأ القاتل، فقد آن الأوان أن تفتح العيون بعد ستين عامًا من النكبة على الحقيقة دون حاجة إلى الكثير من الضحك على الذات والذقون لأن الأمور جد واضحة ولا تحتاج إلى الكثير من التفكير إنها الحقيقة فاعملوا على أساسها وكفانا تضييعًا للوقت فيما لا ينفع ولا يجدي ولا يفيد بأي حال.
ازدواجية المعايير
لبنى شرف
بعض الناس يرون ما لهم من الحقوق ويتناسون ما عليهم من واجبات يريدون من الناس أن يحترموهم ويبجلوهم، وهم لا يحترمون أحدًا، ولا يعرفون الفضل لأهل الفضل. وهناك من يخاف على ولده ويغضب إن رآه يحمل شيئًا ثقيلاً، وأما البواب أو العامل فيحمله فوق ما يستطيع!!
لماذا هذه الازدواجية، ولماذا هذا الظلم؟ أليس هذا بشرًا مثل ولدك، يحس كما يحس ويتعب كما يتعب، أم أنه مخلوق من عالم آخر؟!!
ومنهم من ينزعج ويكيل السباب والشتائم لمن يطلق مزمار سيارته من تحت نافذة بيته وهو نائم، أو لمن يرفع صوت المذياع أو التلفاز، مع أنه يقوم بنفس الفعل، وكان له من الحقوق ما ليس للآخرين!
ومن الازدواجية أيضًا، ما نراه بين الكنة والحماة، فالحماة عندما تخطب لابنها تبحث عن فتاة كاملة المواصفات والمقاييس، وتنسى أن لها بنتًا ربما تكون في مستوى متواضع من هذه المواصفات، فما هذه الازدواجية، بل ما هذا العقل السقيم والنفسية المريضة!
هذا رسول الله ﷺ يقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، وكلكم يعلم حديث ذلك الفتى الذي جاء إلى النبي ليأذن له بالزنى، فعن أبي أمامة، قال: «إن فتى شابًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنى. فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه! مه! فقال: أدنه. فدنا منه قريبًا. قال: فجلس. قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا، والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. قال: أتحبه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم. قال: أتحبه لأختك؟ قال: لا، والله جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم. قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا، والله جعلني الله فداءك... إلى آخر الحديث.
بهذا المنطق الحكيم، وبهذه المعادلة البسيطة بين النبي الكريم للفتى أنه كما أنك لا تحب الزني لنساء بيتك ولمحارمك، فكذلك الناس لا يحبونه لنسائهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل