العنوان المجتمع التربوي [1660]
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 16-يوليو-2005
مشاهدات 67
نشر في العدد 1660
نشر في الصفحة 54
السبت 16-يوليو-2005
التفكر في كتاب الله
حالة من التأمل العميق تقودك إلى اتساع دائرة خيالك
جميل القرشي
التفكر في كتاب الله يعنى حالة من التأمل العميق المتواصل الذي يقودك إلى اتساع دائرة فكرك وخيالك، وكلما كان المتفكر فيه متسعًا غنيًا كانت حالة التفكر أكثر متعةً وأحلى نتائجًا.
وكلما زاد تأثير النص في السامع أو القارئ زاد اهتمامه به. وبهذه الأجواء نزل القرآن الكريم، وراح العربي ينظر في هذا الكلام ويتفكر فيه، وفي كل مرة يغلبه القرآن الكريم، فلقد عرفت العرب البلاغة، ولكنها لم تعرف بعد هذا النوع من البلاغة الغريبة عليها من جنس لغتها، وكأن القائل العربي يحدث نفسه: هل فعلًا تحمل اللغة العربية كل هذا الكم من البلاغة؟!
-وكان الجواب الفوري لا، فاللغة لا تحمل ولكنها تحمل.. وكل صائغ أو شاعر يحمل اللغة من بلاغته؛ إذ إن اللغة صماء، ولكن مستعملها هو الذي يتحكم بها يعالجها بفهمه وفقهه وقدرته على صياغة المعنى، ولكن العربي صدم تلك الأيام صدمة أنسته كل هذا.
فما الذي صدم العربي حتى أوقف لغته وهو على ما عليه من إتقان اللغة؟
-السبب بكل بساطة هو التفكر ولا سبب آخر، فالعربي يعرف العربية وأقوالها، وهذا القرآن لا صورة متخيلة فيه، وإنما حقيقة أو وصف لحقيقة أو فكرة لا يعرف حقيقتها كأخبار الأمم السابقة، فمن أين له أن يأتي وخلال ثلاثة وعشرين عامًا بهذا الكم الهائل من المفردات والمعلومات؛ ليكتشف كل التاريخ السابق وكل ما كان وما هو كائن وما سيكون.
وكانت الصفعة الثانية ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ (البقرة: 23) فراح العربي المتفكر يسمع التحدي ويطرق رأسه ولم يتكلم؛ بل لم يحاول… فما الذي أوقفه؟
التفكر في الموضوع
تفكر العرب في هذه النصوص التي تارة تنزل تعالج الميتة وتارة تنزل تعالج ملائكة السماء.. وأخرى تتحدث عن نبي مر من تلك الديار قبل آلاف السنين، من أين يأتي كل هذا ومحمد ﷺ لا رحالة معروف ولا دارس موصوف؛ بل رجل مستقيم صادق من بيت عريق، ليس له صنعة شعر ولا وعظ سابق، ولبث فيهم عمرًا، نعم، أربعين عامًا عاشها هذا الرجل وفجأة ودون سابق إنذار يحدث بمواضيع عجيبة غريبة في لغة راقية مثيرة، لا يحسنها أكابرهم ولا عظماء شعرائهم من أصحاب المعلقات وأمثالها، فهل يمكن هذا؟ وهل يمكن أن ينام هذا الرجل وفي الصباح يقول: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق : 1).
فيشمل جميع مخلوقات الله عز وجل كلها على عددها غير المحصى ولا المدرك في صورة لم ترى العرب مثلها في اللغة؟! وكأن كل ذلك على ضخامته معروف مدرك بدهي لا يحتاج من هذا الرجل أن يكلف نفسه عناء التصريح بالمفعول به إذا كان بمثل هذه الأهمية، والمأثور عرفًا أنه لو قتل أحدهم أسدًا لتغنى به طويلًا، وهذا الرجل يتحدث عن الكون كله، ولكن لغته لا تكترث أن تصرح بذلك ولا حتى بضمير واحد متصل أو منفصل أو حتى بضمير مستتر.
ويزيد هذا الرجل الأمر صعوبة ليقول: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ (العلق: 3- 4) وهو نفسه لا يعرف كيف يخط بالقلم، وهذا من أعجب ما واجه العربي المتفكر المخضرم.. فهذا الرجل يفاخر بالقلم الذي لم يكتب به يومًا سابقًا، ولا يكتب به نصه الذي أتى به، فكيف يفتخر به، بل ويعالي ويسامع بأن ربًّا يقول له: اقرأ وهو لا يعرف القراءة.
المتفكر العربي العريق صدم بهذا كله، لا لأنه لا يستطيع أن يركب خمسين حرفًا فوق بعضها، ولكن لأن الخمسين حرفًا هذه جاءت بصورة ما عهدها في لغته موضوعًا وبهذا القالب المبهر.
محمد ﷺ لم يضرب مثلًا ثم توقف؛ بل راح يتلو نصًّا إثر نص في تلك اللغة العربية المعروفة المشهورة، يقارع أباطرتها وفحولها، ويقف يتحداهم وهم الذين بلغوا واعتلوا حتى وصلوا من البلاغة حدًّا أن وضعوا فعلًا بحرف حين قالوا: »قِ«وهو فعل أمر بمعنى اتق.
المتفكر العربي عرف هذه الصنعة وهي صنعة التفكر، واستخرج منها الكنوز حين رشد، وكلما تفكر أكثر عرف أكثر، فكان المتفكر العربي من أوائل من أسلم وسلم، وعرف وتعرف، ورشد وأرشد، وتبع واتبع فقط بميزة التفكر، التفكر الجدلي التحقيقي، ثم التفكر التوافقي الاختباري، ثم التفكر الدراسي المنهجي، ثم التفكر التطبيقي، فكان أن صار العربي المتفكر واليًا على دمشق وبغداد وعمان واليمن.
التفكر ميزة لا يمكن أن تنال ببساطة، لكنها إن نيلت رفعت، ورفعت صاحبها لتصل به إلى مستوى النص القرآني ..
"سجادة" ينبغي لمن يقف أمام الله عليها أن يقف خاشعًا
إيمان المغازي الشرقاوي
نستكمل اليوم الحديث عن السجادة، فإنها تذكرنا بنعم الله وبالقرآن، فهناك سجدة التلاوة، وسجدة الشكر، وسجدة الصلاة، وغير ذلك من السجدات، ولما كان السجود هو غاية القرب من الله تعالى، فقد جعله ركنًا من أركان الصلاة المفروضة، فلا تقبل بغيره، وكانت الصلاة تبعًا لذلك القرب مفتاح الراحة وسكينة النفس، وكلما أراد الإنسان أن يقترب سارع وفتح الباب، فإذا هو ساجد مقترب.
قال بكر بن عبد الله: يا بن آدم.. إذا شئت أن تدخل على مولاك بغير إذن وتكلمه بلا ترجمان دخلت، قيل: وكيف ذلك؟ قال: تسبغ وضوءك وتدخل محرابك، فإذا أنت قد دخلت على مولاك بغير إذن، فتكلمه بغير ترجمان.
ينبغي لمن يقف أمام الله على هذه السجادة أن يقف خاشعًا، وأصل الخشوع هو لين القلب ورقته وسكونه وخضوعه وانكساره وحرقته، وإذا خشع القلب تبعته في الخشوع بقية الجوارح...
»ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله. وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب«(مسلم). وهو من صفات المؤمنين. قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (المؤمنون: 2).
وأصل الخشوع الحاصل في القلب إنما هو من معرفة الله ومعرفة عظمته وجلاله وكماله فمن كان أعرف فهو له أخشع، أما من خشعت جوارحه وقلبه غافل، فإن ذلك ليس بخشوع، وقد نظر عمر رضي الله عنه إلى شاب قد نكس رأسه، فقال له: يا هذا ارفع رأسك، فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب.
وقد كان رسول الله ﷺ يستعيذ بالله من قسوة القلب، فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع«(مسلم). وأخبرنا أن الخشوع هو أول ما يرفع من هذه الأمة فقال: »أول ما يرفع من الناس الخشوع«(أحمد).
ولأن الخشوع يحتاج إلى مجاهدة فقد رغبنا رسول الله ﷺ فيه فقال: »من صلى ركعتين لم يحدث نفسه فيهما بشيء من الدنيا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه«(أخرجه ابن أبي شيبة). وبين أهميته فقال: »إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له سدسها ولا عشرها، وإنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها«(النسائي). فحث على حضور القلب وخشوعه فيها، ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنه: ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة والقلب ساهٍ.
ورغم كل ما قلناه في فضل السجود وضرورة الخشوع إلا أن الدنيا سلبت معظمنا حلاوة الطاعات ولذة الخشوع في الصلوات، وقد يسجد المرء في صلاته بلا اطمئنان وينقرها نقر الغراب، فهلا علمنا أن الصلاة التي تستوفي حقها من الخشوع وتنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر هي التي يقبلها الله، فأخذنا بأسباب الخشوع من الاستعداد للصلاة قبلها بوقت، وتفريغ القلب من مشاغل الدنيا ووساوس الشيطان، واللجوء إلى الله تعاىي؛ ليعصمنا من الغفلة.
وهل تتذكر ما قاله حاتم الأصم حين سئل: كيف تصلي؟ فقال: أقوم بالأمر، وأمشي بالخشية، وأدخل بالنية، وأكبر بالعظمة، وأقرأ بالترتيل والتفكر، وأركع بالخشوع، وأسجد بالتواضع، وأجلس للتشهد بالتمام، وأسلم بالنية، وأختمها بالإخلاص لله عز وجل، وأرجع علي نفسي بالخوف أخاف ألا يقبل مني، وأحفظه بالجهد إلى الموت. فإذا رأيت السجادة ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾(الحجر: 98)وانضم إلى قافلة عباد الرحمن ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾(الفرقان: 64)، فإن كنت منهم فأنت من أصحاب الغرف الذين قال الله فيهم: ﴿أُولَٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ (الفرقان: 75)، وإن أصابتك النار بذنوبك فاعلم أن سجودك في الدنيا نجاة لك في الآخرة، قال رسول الله ﷺ: »إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار، أمر الله الملائكة أن يخرجوا من يعبد الله، فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار، فكل ابن آدم . تأكله النار إلا أثر السجود«. (البخاري).
فعلى السجادة يطهر المرء وتصفو نفسه، وتنتهي عن الشر، فيصلي صلاة العابدين الخاشعين، ويسجد سجود الطائعين المتذللين، فيصعد إلى الله الدعاء، ويحصل القرب منه والصفاء، فاستعن بالله تعالى، واسجد واقترب، وقل من أعماق قلبك وأنت ساجد: »اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين«. (مسلم).
الوقت في حياة المسلم
القرآن الكريم اهتم به.. والرسول ﷺ حث المسلمين على اغتنامه في العمل الصالح
حفيظ الرحمن الأعظمي
الوقت أغلى ما يملكه الإنسان، أغلى من الذهب والفضة ومن كل غالٍ وكريم، فما خسره الإنسان اليوم قد يعوضه غدًّا، ولكن الوقت هو الثروة الوحيدة التي لا يمكن تعويضها، فما ضاع منه لن يعود، وإن أهل الجنة لن يتحسروا من الدنيا إلا على الوقت الذي مضى، ولم يذكروا فيه اسم الله.
وقد حقق سلفنا الصالح الأمجاد التليدة التي خلدها التاريخ عندما أعطوا الوقت قدره ولم يضيعوه، فهذا ابن الجوزي رحمه الله. يعتبر واحدًا من علماء الإسلام المكثرين في التأليف، كان يأتيه أمثالنا من الفضوليين يتجاذب معه أطراف الأحاديث، وفي الوقت ذاته يعد أقلامه للكتابة؛ حتى لا تضيع هذه الدقائق، وإن علماءنا الذين نعتز بهم كابن حجر الذي لقب بحافظ الدنيا، وابن تيمية وابن القيم والخطيب البغدادي وغيرهم، خلفوا وراءهم تراثًا عظيمًا ضخمًا، رغم أنهم في عصرهم كانوا يفتقرون إلى ما به وعليه يكتبون، وبعضهم خلف هذا التراث الهائل وهو يتنقل من سجن إلى سجن كابن تيمية .
يعجبني جدًّا ما كتبه العلامة الراحل محمد شفيع -رحمه الله- في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء :81)؛ حيث قال: «الباطل زاهق لا يمكن أن تستوي سوقه ويصلب عوده أو يمكن لأهله في الأرض، وإن رأيت لأهل الباطل صولة وجولة أو قوة وشوكة، فاعلم أنهم تمسكوا بجانب من جوانب الحق فيه اعتزوا وتمكنوا«.
وإنني أرى أن أهل الغرب ما تقدموا إلا بأخذهم بعض الجوانب والأحكام من شريعتنا، ومن ضمنها استغلالهم للوقت فيما يعود عليهم بالنفع، فلهم روتين يومي لا يحيدون عنه للعمل ساعات معينة، وللراحة وقت محدد، وللنوم موعد معلوم، وبالكاد تجد أحدهم عالة على أحد أو طفيليًّا، فالكل يعمل ويكد ويكدح، ويندر عندهم فكرة التقاعد المعروفة لدينا، ولذلك مكَّن الله لهم في الأرض، فقانون الفطرة يقول: من جد وجد، ومن زرع حصد.. والندم بعد قوات الأوان لا ينفع، وسنة الله لا تتغير ولا تتبدل: ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾) الأحزاب (62: .
ولم يعرف التاريخ أمة من الأمم اهتمت شريعتها بالزمن، وحثت على اغتنامه قبل ضياعه مثل الأمة الإسلامية، وذلك لأن الزمن هو الحياة، هو العمل والإنتاج هو التطور العلمي في تشييد الحضارات وازدهارها.
والأيام هي الأيام لم تزد ولم تنقص لا من حيث العدد، ولا من حيث المساحة الزمنية اليومية، والشهور والأعوام لم يتبدل فيها شيء. إلا الناس -شمس تشرق وتغيب-، وهلال يهل ثم يقمر، ثم يتناقص ثم يختفي، وهكذا حياة الأقوام، وكذلك حياة الإنسان؛ حيث يولد صغيرًا ضعيفًا، ثم يكبر، ثم يشيخ، ثم يختفي، كأن لم يكن. ومن رغب في أن يخلد ذكره، وينفع نفسه في دنياه وآخرته، ويسعد الآخرين في حياته وبعد مماته؛ فلينتهز فرصة وجوده في الحياة، وليزين هذه المدة المحدودة بالعمل، وها هو رسولنا الكريم ﷺ يحث أمته على انتهاز الوقت واستثماره قبل فواته، فيقول: «اغتنم خمسا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك». ويقول أيضا: »نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ«.
لأن الوقت هو المادة الخام الطيَّعة للإنسان، والتي يقدر على تشكليها حسبما يرى ويهوى، فهو يستطيع استثمارها فيما يعود عليه شخصيًّا، وعلى أسرته ومجتمعه وأمته والإنسانية كافة بالفائدة الجمة، ويمكن أن يهدر وقته، فيذهب هباءً منثورًا
لا فائدة حاضرة، ولا خير يرتجى مستقبلًا، ويصبح هو ومن على شاكلته أشقى من أظلتهم السماء، وأقلتهم الغبراء، وذلك بإهدارهم زمانهم.
ولو جئنا إلى كتاب الله العزيز لوجدنا أن الله ذكر الوقت، وأقسم به في بدايات بعض السور، مثل: والفجر والليل والضحى، وذكره كثيرًا في بعض السور أيضًا، وقد سميت سورة بسورة العصر ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (العصر: 1-3).
فليس المقصود هنا إنسانًا معينًا وإنما المراد جنس الإنسان، فـ ال هنا ليست للتعريف والتحديد، وإنما هي للعموم لتشمل جميع بني آدم ذكورهم وإناثهم.
إهمال العمر خسران
فكل من أهمل عمره وقته هو في خسران مبين في فقر ومذلة ومرض وجهل وتخلف، هو في عوز لكل ما تقوم به الحياة الإنسانية. ثم استثنى الله - تبارك وتعالى، الذين أفردوه بالألوهية، وخصوه بالعبادة، ثم يخبرنا الله أن الإيمان القلبي وحده لا يكفي، بل لا بد أن يضاف إليه العمل النافع، والعمل معناه الاستفادة من الوقت، فيقضونه فيما يجنون منه فوائد لهم ولغيرهم، وتواصوا بالصبر في مواجهة متاعب الحياة؛ كي يعيشوا أعزة.
أما الذين استلذوا الكسل واستمرأوا البطالة، والذين لا يصبرون على تحمل المشاق ومكابدة الصعاب، وتخور قواهم لأدنى نصب، فهؤلاء جميعًا تلفظهم الحياة، وتدوسهم الأقدام، وتلعنهم الأرض التي يحيون عليها، يتجاوزهم الركب الحضاري غير مأسوف عليهم؛ لأنهم رضوا لأنفسهم بالتخلف عن المشاركة في بناء الحضارات.. وعندما يضرب الله لنا الأمثال في القرآن الكريم بالأمم السابقة، التي سادت ثم بادت، ويطلعنا على ما حل بهم من عقاب، كما يخبرنا بما كانوا عليه من القوة والبأس، وأن آثارهم في الأرض باقية من بعدهم، وهي خير شاهد على اغتنامهم لأزمانهم وقضائها في أعمال مثمرة، يقول تعالى : ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (غافر: 88).
فإن هؤلاء الأقوام لم يكن هلاكهم بسبب كسلهم وتباطئهم عن أعمالهم، وإنما كان بسبب جحودهم للنعم التي أنعم الله بها عليهم؛ لنتعظ ولنحد عن الطريق الذي سلكوه، من حيث الاعتقاد والعبادة.
أما من حيث العمل، واستغلال الوقت والالتزام بتعمير الأرض، وتشييد الحضارات والمساهمة بنصيب وافر في التقدم العلمي الإنساني، فقد كانوا على قدر عظيم منها، وها هي الآيات من 6 حتى 10 من سورة الفجر تنطق بذلك صراحة، فقد كانت ثمود قوم صالح.. عليه السلام - ينحتون من الجبال بيوتًا فارهين، كما كانوا ذوي مزارع ونخل هضيم، وعاد قوم هود كانوا ذوي مصانع ومزارع، والحضارة الفرعونية ما زالت آثارها أهرامها تشهد لهم بذلك إلى يومنا هذا وإلى ما شاء الله من الزمان القادم، وكذلك الحضارات الإغريقية والرومانية والهندية والبابلية، والفينيقية والفارسية والإسلامية، كل واحدة قد ساهم معاصروها في بناء الحضارة العالمية، التي هي أطوار، كل عصر يشيد دورًا من أدوارها بسواعد أبنائه، فخلدوا في التاريخ، وإذا كان المثل يقول: »اطلب الموت توهب لك الحياة»، فأقول لك أخي القارئ: اغتنم الوقت يوهب لك الخلود والذكر الحسن..
وإذا كان القرآن تعرض للزمن فأورده بكل جزئياته، فإن الزمن غير مقصود لذاته، وإنما المقصود أهله الذين عاشوا فيه ماذا قدموا لأنفسهم؟ وماذا أهدوا لغيرهم من المجتمعات الحاضرة واللاحقة؟ وهل قاموا بواجب الخلافة في الأرض، أم أنهم عاشوا وماتوا، وكأنهم لم؛ يولدوا لأنهم لم يتركوا شيئًا تذكرهم الأجيال القادمة به؟ إن العلماء لم يولدوا علماء، ولا المشهورين ولدوا مشهورين، وإنما ولدوا مثل غيرهم، ولكنهم عرفوا كيف يستغلون وقتًهم علما وعملًا، فأصبحوا علماء مشهورين...
من هنا فإن المؤمن الواعي يحس في أعماق نفسه، أنه في سباق مع النهاية المحتومة، وهذا الإحساس يدفعه لأن يسجل لنفسه أكبر قدر من العمل الصالح، الذي يحتاجه في حياته وبعد مماته؛ ولذا يحضنا الرسول ﷺ على اغتنام الوقت والاستفادة منه؛ لأن الإنسان محاسب يوم القيامة على وقته، فيم قضاه؟ يقول: »لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به«... وبهذا الحساب الدقيق للزمن واستثماره استثمارًا مفيدًا، حافظ المسلمون الأوائل على توجيهات ربهم، وطبقوا تعاليم دينهم، وأقاموا أحكام شريعتهم، فأسسوا للدنيا حضارة شامخة ومجدًا تليدًا، ولا نستغرب اليوم عندما نسمع أو نقرأ أن العالم الفلاني ألف من الكتب ما يربو على 300 كتاب أو 400 أو أكثر؛ لأنهم استثمروا وقتهم وشغلوا فراغهم، فتركوا لنا مصنفات دقيقةً مختلفة الأجناس، نعكف الآن على دراستها والتزود منها ..
من شهداء الإسلام في عصر النبوة
خبيب بن عدي
أُسر خبيب وهو في طريقه من المدينة إلى عضل والقارة؛ ليقوم بمهام الدعوة التي كلفه بها رسول الله ﷺ، وساقه المجرمون إلى مكة وباعوه لحجر بن أبي إهاب التميمي ليقتله بأبيه الذي قتل في غزوة بدر الكبرى.
وفي اليوم المحدد لقتله أخرجه المشركون إلى التنعيم ليصلبوه، فقال لهم: »إن رأيتم أن تدعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا «قالوا : لك هذا ...
فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما، ثم أقبل على القوم، فقال: «أما والله لولا أن تظنوا أني إنما طولت جزعًا من الموت لاستكثرت من الصلاة«، وعندما رفع خبيب على الخشبة قال له المشركون: ارجع عن الإسلام نخلِّ سبيلك. فقال: »لا والله ما أحب أن أرجع عن الإسلام وإن لي ما في الأرض جميعًا .. إن قتلي في الله لقليل.. اللهم إنه ليس هاهنا أحد يبلغ رسولك عني السلام فبلغه أنت السلام«... وكان الرسول ﷺ في هذا الوقت بين صحبه في المدينة، فأخذته سنة، ثم قال: هذا جبريل يُقْرِئُنِي من خبيب السلام» (رواه الطبراني في معجمه الكبير – بنحوه(.
قالوا له: أتحب أن تكون آمنًا في بيتك ويكون محمد مكانك؟ قال: لا والله لا أحب أن أكون آمًنا في بيتي ويشاك رسول الله بشوكة .
واقترب من خبيب أربعون رجلًا من المشركين بأيديهم الرماح وانهالوا عليه يمزقون جسده، استدار إلى الكعبة، وقال: »الحمد لله الذي جعل وجهي نحو قبلته التي ارتضى لنفسه ونبيه وللمؤمنين«.
واستمر أعداء الله يمزقون جسد خبيب برماحهم وهو لا يفتر يردد: »لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ حتى فاضت روحه الزكية الطاهرة إلى الملأ الأعلى..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل