; قفزة حزب العدالة في الانتخابات الأخيرة.. ترسم المستقبل السياسي لإندونيسيا | مجلة المجتمع

العنوان قفزة حزب العدالة في الانتخابات الأخيرة.. ترسم المستقبل السياسي لإندونيسيا

الكاتب أحمد دمياطي بصاري

تاريخ النشر الجمعة 21-مايو-2004

مشاهدات 68

نشر في العدد 1601

نشر في الصفحة 40

الجمعة 21-مايو-2004

  • سيطرة الحزب على غالبية مقاعد العاصمة أصاب - الأحزاب الكبرى بالصدمة.

  • نظافته ومقاومته الشرسة للفساد وانغماسه في العمل الاجتماعي وحل مشكلات الجماهير.. رفعت رصيده من ٣% إلى ٨% من الأصوات.

  • تجربة الحزب الرائدة بين الفلاحين.. وبرنامج متميز لمساعدة المنكوبين والمحتاجين.

  • لماذا اختار الحزب موقع المعارضة في البرلمان؟ ولماذا أحجم عن الترشح للرئاسة؟

 لم يتوقع كثير من المحللين والمراقبين أن يحقق حزب العدالة للرفاهية في الانتخاب البرلمانية الإندونيسية الأخيرة هذه القفزة في تحقيق النتائج فقد تمكن من تجاوز الحد الانتخابي «الأدنى» للأصوات المتفق عليه حاليًا 3% من مجمل أصوات الناخبين البالغة نحو ١٣٠ مليون ناخب, وحسب ما نقلته لجنة الانتخاب العام، فإن حزب العدالة حصل على ٨,١٨% من الأصوات، أي ما يعادل ٦,٧٠٤,٧٢٦ ناخبًا، ويحوز بذلك على ٤٥ مقعدًا في البرلمان المركزي «بعد أن كان ٧ نواب في برلمان انتخابات عام ١٩٩٩م».

هذه النتائج كانت مثار دهشة أكبر تانجونج رئيس حزب جولكار الحاصل على أعلى الأصوات والذي قال: لم نتوقع ما حصل عليه حزب العدالة، لأننا نرى بنية الحزب التحتية ما زالت قليلة وضعيفة، ولكن هذا التطور يكشف شيئًا جديدًا ومشوقًا للاطلاع عليه.

معظم المراقبين توقعوا إخفاق الحزب في هذه الانتخابات خاصة أنه خاضها وهو محاط بعراقيل ومعوقات عديدة لمنعه من خوض الانتخابات وكان أبرزها: 

أولًا: إدراج أمريكا لمؤسسة الحرمين التي أسها رئيس الحزب د. هداية نور واحد ضمن لائحة المؤسسات الإرهابية دون أي دليل واضح, ثم موافقة الأمم المتحدة في ٢٦ يناير2004 م الماضي على ذلك. وقد هدد الحزب رفع دعوى ضد الأمم المتحدة وأمريكا، وقد اضطر سفير أمريكا في جاكرتا، راب إثبويس في 6 فبراير المنصرم عقد لقاء مع د. هداية، اعترف خلاله بخطأ واشنطن الفني في المسارعة بإعلان إرهابية مؤسسة الحرمين، هي مؤسسة معنية بتطوير منهج المعاهد الإسلامية التي أنشئت منذ سنة ١٩٩٦م. 

ويرى المراقبون أن الهدف من وراء استهداف مؤسسة الحرمين هو اغتيال شخصية د. هداية الذي قاد حزبًا إسلاميًا ذا سمعة طيبة وله مستقبل في البلاد.

 ثانيًا: حملة الاتهامات الواسعة ضد الحزب التي رمت إلى تشويهه ورميه بالتطرف وبأن نشأته جاءت على أيدي المخابرات الإندونيسية والأجنبية.

 ثالثًا: اضطرار الحزب إلى تغيير اسمه في فبراير ٢٠٠٤ الماضي بموجب قانون الانتخاب المفروض عليه «المادة ١٤٣», وهو القانون الذي يقضي بحل أي حزب لا يحصل في الانتخابات العامة على ٣٪ من الأصوات.

لكن الحزب تمكن من تجاوز هذه العراقيل محققًا انتصارًا كبيرًا في المدن الكبرى مثل: جاكرتا وضواحيها ومدينة بادنج «سومطرى الغربية» وبالدونج «جاوى الشرقية» وكاليمانتان الجنوبية، إضافة إلى انتصاره بين الطلبة الإندونيسيين في ١٤ دولة منها: مصر وباكستان، والسعودية، واليابان، وأمريكا.

كان أقصى ما يتوقعه قادة الحزب الحصول على 3% فقط من أصوات الناخبين فتعداد كوادره لم يتجاوز الـ ٦٠٠ ألف شخص، ومعظمهم يقطنون المدن الكبرى، ولكن النتائج فاقت التوقعات ووضعت الحزب كمنافس قوي للأحزاب الكبرى في البلاد وهي ذات محركات سياسية ضخمة وأموال طائلة ومنتشرة في كل أرجاء إندونيسيا.

 ويمثل انتصار حزب العدالة في العاصمة جاكرتا قفزة باهرة باعتبار ناخبي جاكرتا من ذوي العقلية السياسية العالية وذات خلفيات وعرقيات متعددة، وقد علق بعض المراقبين على ذلك بالقول إن الذي انتصر في جاكرتا هو المنتصر الحقيقي في الانتخاب؛ لأن سكان المناطق الأخرى قد ينتخبون أحزابًا بناء على العلاقات الاجتماعية أو بدوافع الشريح المادي التي اعتادت الأحزاب الكبرى اللجوء إليها.

 وما أنجزه حزب العدالة يؤشر على توجه جديد لبعض الناخبين وهو التمحور حول سياسة الحزب واتجاهه بعيدًا عن التمحور حول شهرة شخص أو حزب أو المنافع المادية وبعد هذا اتجاهًا واعيًا وعقلانيًا يقيم ما قدمه الحزب من إنجازات سياسية واجتماعية وعنايته بقضايا الأمة، ويجب أن يوضع في الاعتبار أن غالبية سكان إندونيسيا ليسوا متعلمين ويعيشون تحت خط الفقر «نحو ٣٠ من مجمل السكان ٢٢٠ مليون نسمة»، ويقطنون القرى البعيدة عن التمدن والإعلام، بحيث لم يتمكن حزب العدالة من تقديم شيء لهم في الفترة اليسيرة الماضية.

لماذا انتخاب حزب العدالة؟

شارك نحو ٢٤ جزبًا في الانتخابات البرلمانية في أبريل المنصرم، ومنها: أحزاب ذات اتجاهات إسلامية «حزب العدالة للرفاهية - حزب الوحدة للتنمية- حزب القمر والنجمة- حزب النجمة للإصلاح- حزب الوحدة لنهضة الأمة الإندونيسية» وحزبان وطنيان يناصرهما الإسلاميون «حزب الأمانة الوطنية- حزب نهضة الوطن» وحزبان وطنيان علمانيان «حزب جولكار- الحزب الديمقراطي للكفاح»، أما الأحزاب السياسية الأخرى فهي مسيحية وعمالية وإقليمية.

 وقد ظهرت التصنيفات بين الإسلامية والعلمانية في الانتخابات الإندونيسية للمرة الأولى في عام ١٩٥٥م، واستمر الصراع بين التيارين حتى قام الرئيس سوكارتو بحل البرلمان عام ١٩٥٩م، وتم إبعاد الإسلاميين عن الحياة السياسية.

 الصراع بين التيارين مازال على قيد الحياة منذ ٥٠ سنة، لكنه لم يحتدم كالسابق في الانتخابات الأخيرة كما أن الناخبين من جهة أخرى ينجذبون إلى من يتلمس حل مشكلاتهم الحياتية من الأحزاب ولا ينظرون كثيرًا إلى الشعارات حتى ولو كانت إسلامية ولهذا فإن الأحزاب الإسلامية مثل التي رفعت شعارات تطبيق الشريعة دون طرح برامج لحل مشكلات الناس التي هي من صلب الشريعة لم توفق كثيرًا في الانتخابات مثل حزب الوحدة للتنمية وحزب القمر والنجمة والأحزاب الإسلامية الأخرى وهي بالمناسبة لم تحقق أي نتائج لافتة على مدى تاريخها خلال خمسة عقود، كما أن الأحزاب الإسلامية لم تقدم شيئًا تنقذ به الشعب من المأزق والحياة العصيبة.

 لكن حزب العدالة للرفاهية حرص منذ نشأته على تركيز نشاطه في تقديم الخدمات الاجتماعية وخاصة خلال أحداث الفيضانات والزلازل والحروب الطائفية في البلاد، وقد عرف لدى الشارع الإندونيسي بالنزاهة والجدية في كفاحه لنصرة الجماهير وتصديه للفساد المالي والإداري، وقد بدا ذلك في مواقفه في مجلس النواب المركزي والمحلي طوال السنوات الماضية، وقد رفع الحزب في حملته الانتخابية شعار نظيف ومبال، أي بأن الحزب يعني بمكافحة الفساد المالي الذي أصبح سرطانًا قاتلًا ومنتشرًا في جسم إندونيسيا ويحرص على المبالاة بقضايا الشعب أيًا كانت.

وقد سجلت وسائل الإعلام مواقف نواب حزب العدالة في البرلمانات المحلية في العديد من المدن برفض الرشاوى ومبادراتهم في كشف الفساد المالي الذي ارتكبه الحزب الحاكم والأحزاب الأخرى.

 وزكت اللجنة الإندونيسية لمراقبة الفساد حزب العدالة للرفاهية في الانتخابات الأخيرة، وطالبت الجماهير بانتخابه باعتباره حزبًا نظيفًا وجادًا، في محاربة الفساد، وذلك من أجل هندسة مستقبل البلاد المزدهر هذه المسيرة الجيدة لحزب العدالة حصد ثمارها في هذا الانتخاب الأخيرة.

 لقد صنعت الخدمات الاجتماعية والعناية بها ونظافة الحزب من الفساد جاذبية وقبول لحزب العدالة لدى الناخب الإندونيسي، وهذا ما شهد به سكان كامبونج بولو جاتينيجارا، جاكرتا الشرقية عند الفيضان في عام 2002م. يقول أهالي تلك المناطق لم يأتنا أحد من الأحزاب التي انتخبناها عام ١٩٩٩م، ولكن جاءنا شباب وكوادر حزب آخر لم تعرفه من قبل، يضيف نانا سيف الله قائلًا: علمنا أن الشباب هم نشطاء حزب العدالة للرفاهية وقد وصلوا قبل عناصر الأحزاب الأخرى الذين جاءوا في النهاية أفواجًا بعد تغطية وسائل الإعلام لإنجازات وأنشطة حزب العدالة... حينما انشغل عناصر الأحزاب الأخرى في إنقاذ مؤيديهم فحسب، قدم نشطاء حزب العدالة خدماتهم لكل الناس دون نظر لخلفياتهم الحزبية، بل إنهم قاموا بتقديم خدمات الرعاية الصحية كل 4 أشهر مجانًا، وتعليم تلاوة القرآن لضحايا الفيضان دون مقابل. «مجلة تيمبو ٤ أبريل ٢٠٠٤م».

 هذه الخدمات الاجتماعية لم يرها سكان جاكرتا فقط، بل استفاد بها سكان المناطق الأخرى، وقد خرج الحزب بشكل بارز من إطار الجامعات والمساجد التي تعتبر مسقط رأسه, وبدأ ينتشر بين الفلاحين ويشتري حاصلات زراعتهم بسعر يرضاه الفلاحون وهو أعلى من سعر الحكومة، وقد أنشأ نشطاء العدالة شركة لبيع الأرز «الرفاهية» للتجارة.

 كل هذه الأنشطة الجذابة زادت حزب العدالة شهرة وشعبية لدى الفلاحين والضعفاء في البلاد إلا أنه لم يتمكن من منافسة الحزب الحاكم وحزب جونكار وحزب الوحدة للتنمية جعلت حزب العدالة بفضل الآلة السياسية التي تمتلكها هذه الأحزاب غير قادر على منافستها إلا أن استقامته على هذا الخطوات المبتكرة لا يستبعد تغلبه عليه في المستقبل، وخاصة أن بعض كبار الشخصيات كأمثال كمال ستامبول مدير شركة بريس واتار حوس، وأحمد دانيري المدير العام لبورصة جاكرتا الأسبق وإيري سوديوو، مدير كيس ريبابليكا للضعفاء وغيرهم اقتنعوا بأجندة حزب العدالة وانضموا إلى صفوفه. 

من ناحية أخرى فإن الطرح العقلاني والتعبير السياسي الهادئ للحزب خلال المظاهرات السلمية للحزب أكسبت الحزب أرضية جديدة وأنصارًا جددًا. يقول خبير ومخرج الإعلانات التجارية، عرفان واحد «أحد أقارب عبد الرحمن واحد، الرئيس الأسبق» الذي ساهم في الإشراف على حملة الحزب التليفزيونية قبل الانتخاب السالفة يقول: إنني لا أخشى من تطبيق الشريعة الإسلامية بالطريقة التي يحرص عليها الحزب فحزب العدالة يؤكد تطبيق الشريعة على طريقة ميثاق المدينة حيث يحرص على التسامح والتعددية الاجتماعية، ولم يقدم الحزب وعودًا كلامية بذلك، وإنما يقدم أدلة عملية على مصداقيته على أرض الواقع.

 هل يمكن رئاسة جاكرتا؟ 

التحاق حزب العدالة بزمرة الأحزاب الستة الكبرى في إندونيسيا يمثل شاهدًا قويًا على الرغبة الشعبية في إحداث تغيير ملموس في البلاد، كما أن النتائج الكبرى التي حصل عليها الحزب في العاصمة جاكرتا، تؤكد نمو المؤيدين له، فقد ارتفعت نسبة الأصوات التي حصل عليها الحزب من ٥% عام ١٩٩٩م إلى ٣٠% في الانتخابات الأخيرة، وهو ما يعني أن عدد نواب الحزب في البرلمان المحلي للعاصمة ما سيصبح بين ١٨ إلى ٢٠ نائبًا «من إجمالي ٦٠ مقعدًا» بعد أن كان ٤ نواب فقط، وذلك يعني أن الحزب سيمتلك أكبر كتلة في البرلمان المحلي، ويكون من حقه ترشيح حاكم للعاصمة جاكرتا.

 ولم تكن هذه النتائج بهيئة على الأحزاب الكبرى وبقية الأحزاب التي حصلت على نتائج متدنية في العاصمة «الحزب الديمقراطي- حزب الوزير المنسق للشؤون الأمنية والسياسية الأسبق، باميانج يودويونو ۱۱ نائبًا، والحزب الديمقراطي للكفاح ۸ نواب، وحزب جونكار ٦ نواب، وحزب الأمانة الوطنية ٥ نواب وحزب النهضة الوطنية ٤ نواب- وحزب السلام للرفاهية- الحزب المسيحي- نواب والأحزاب الأخرى».

 ويفضل الحزب انتخاب حاكم العاصمة بشكل مباشر كانتخاب رئيس الدولة في 5 يوليو القادم. 

وحسب المصادر المطلعة في حزب العدالة فإن جاكرتا ستصبح «مشروع الدليل» في الفترة القادمة حتى تكون نموذجًا لبقية المناطق في العمران والتقدم اللذين يعدان من الأهداف الرئيسة للحزب.

 وإذا استطاع حزب العدالة حل مشكلات جاكرتا المتراكمة والعصيبة فإن سيمثل رصيدًا سياسيًا مهمًا له في انتخاب عام ۲۰۰۹.

 المعارضة وإصلاح الحلبة السياسية 

فيما يتعلق بالانتخابات الرئاسية فقد أكد رئيس الحزب رحمة عبد الله، أن قرار مجلس شورى الحزب الصادر في ٢٤-25 أبريل 2004م الماضي يقضي بعدم ترشيح الحزب أي من كوادره للرئاسة، وتركيز الحزب على مواصلة الجهاد السياسي في البرلمان من موقع المعارضة. 

وأكد هداية قائلًا: «سيقوم الحزب بأداء الأمانة الموكلة إليه بتركيز طاقاته في البرلمان بشكل بناء».

الرابط المختصر :