العنوان ِوالدي السلطان عبد الحميد ١٨٤٢م – ١٩١٨م حياته - أعماله - خلعه - سجنه
الكاتب عائشه عثمان أوغلو
تاريخ النشر الثلاثاء 10-فبراير-1987
مشاهدات 75
نشر في العدد 804
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 10-فبراير-1987
تأليف/ الأميرة عائشة ابنة السلطان عبدالحميد
ترجمة: الدكتورإبراهيم الداقوقي
تقديم وتعليق: الأستاذ سيف مرزوق الشملان
* بنت السلطان تقول: كان والدي يطلب من الجميع أن يلتزموا بمبادئ الدين الإسلامي وأن يقيموا الصلاة في أوقاتها المحددة.
واستطاع السلطان عبدالمجيد أن يحقق مطالب
عمته ونال رضاها فتحققت آمال السلطان بالزواج من هذه الفتاة الجميلة وآمال عمته بزواج
ابنتها بهذا الشكل الفخم، وكانت أخلاقها جميلة كجمال وجهها لذا عاشت بعيدة عن الكبرياء،
ولكنها كانت وقورة ورحيمة فأحبها الجميع. كانت تساعد المعوزين والمحتاجين. وكانت محرومة
من الأطفال، ولكنها بعد أن أخذت على عاتقها تربية والدي -كما ذكرت- ارتفعت إلى منزلة
الوالدة الأم. وقد استطعت أنا تقبيل يدها ونيل رضاها في أواخر أيامها. وقد أمرت ببناء
قبرها في جامع الأيوبي عندما كانت على قيد الحياة. وهي التي أشرفت على بنائه وترتيبه،
واقترح والدي السلطان عبدالحميد أن يساعدها، ولكنها رفضت قائلة: «يجب أن أشرف أنا بنفسي
على داري الأبدية، ولا أريد لأي إنسان أن يتدخل، ويجب أن يكون خيره وشره لي».
ذكريات أبي عندما كان صغيرًا
كانت جدتي الأصلية «تير مشكان خانم» تحب
ابنها «والدي» عبدالحميد، وقد عانت كثيرًا بعد أن فقدت ابنها، لذا أسبغت كل حبها وحنانها
على عبدالحميد، وكانت تشتري له الهدايا والأشياء الثمينة. وقد احتفظ والدي حتى مماته
بطاقم القهوة والمملحة الذهبية، وقد قال في إحدى المرات إنها من ذكريات والدته، كان
يعتز بهما كثيرًا. وقد استطاع علِي أفندي -بعد تنازل والدي عن العرش- إحضار هذين التذكارين
إلى سلانيك بطريقة ما لأنه يعلم مدى اعتزاز والدي بهما.
وطوال فترة مرض والدته كان عبدالحميد يذهب
إلى قصر بيلربي «BEYI
SARAYL BEYLER»
لزيارتها ثم يعود إلى قصره قصر دولما باهجه. «DOLMA BAGE» وكانت «تير مشکان
خانم» تضع بعض النقود الفضية والذهبية تحت إحدى المخاديد وتطلب منه أن يمد يده ويخرج
ما تحتها، وكانت مثل هذه الهدايا البسيطة تفرح عبدالحميد وفي نفس الوقت تخفف من آلام
الأم المريضة التي تشعر بدنو أجلها، وكانت تنتظر مجيء ابنها لزيارتها بفارغ الصبر.
وكان لكل أمير في ذلك الوقت قزم مهرج وظيفته
تسلية الأمير، وكان لعبدالحميد مثل هذا القزم المهرج ويدعى إبراهيم أفندي. وكان هذا
المهرج يسلي الأمير عبدالحميد ويلازمه كظله ويحافظ عليه، وكانت تيرمشكان خانم توصي
هذا المهرج وتقول له: «أرجو أن تهتم بابني عبدالحميد، إنه أمانة لديك». وكان الاثنان:
الأمير عبدالحميد والمهرج كثيرًا ما يأتيان إلى قصر الوالدة، وهناك يشاهدان بائع المحلبي
محمود أغا ببدلته البيضاء وهو يصيح بنغمات حلوة: «محلبي.. محلبي»، فكان عبدالحميد يأخذ
الصينية ويوزع ما فيها على الخدم ويشارك إخوانه في أكل المحلبي.
وكان لوالدي نوع من الحصان الصغير تعوَّد
أن يمتطيه ويتجول في حديقة القصر، وكان إبراهيم أفندي «المهرج» يركض وراء الحصان وهو
يطلق صيحات مضحكة، واستمر على هذه الحالة حتى وفاة والدته. وقد أخفوا عنه وفاتها إلا
أنه شعر بذلك وذاق طعم الحزن لأول مرة في حياته وكان ذلك عام ١٨٥٣.
وبعد وفاة والدته أحضر السلطان عبدالمجيد
ابنه عبدالحميد وقال له: «لا تبك يا بني، لا يستطيع أحد أن يقف أمام سلطان الموت، إنني
الآن أبوك وأمك». ثم قبله في عينيه وجبينه وحاول أن يسليه وأطلق عليه اسم الابن الرحيم.
وبعد مرور شهر عرف جدي أن عبدالحميد أصغر
من أن يدير أملاكه وأمواله، ولكي لا يبقى دون معيل اختار إحدى نساء القصر لتربيته والاعتناء
به، وكانت هذه المرأة معروفة بمكانتها في القصر واحترام الجميع لها، وكانت متدينة عالمة
بأمور الدين والدنيا تقية، ولم تكن هذه المرأة سوى برستو خانم الزوجة الرابعة للسلطان
عبدالمجيد وكانت محرومة من الأطفال، ولعل هذا هو السبب في اختيارها لتربية عبدالحميد.
وقد أرسل عبدالمجيد في طلب عبدالحميد، وبعد
أن قبله أحاطه بعباءته وأخذه إلى قصر الحريم -إلى زوجته برستو- وقال لها: «انظري، أحضرت
لك طفلًا جميلًا». ثم أخرج والدي من تحت العباءة قائلًا له: «ستكون من الآن هذه المرأة
والدتك، فاحترمها وأطعها وكن وفيًّا لها». فأخذت برستو خانم الطفل عبدالحميد في أحضانها
وقبلته وضمته إلى صدرها وبدأت تهتم بتربيته، واعتنت به كما تعتني الأم بطفلها الحقيقي،
وقد احترمها عبدالحميد كثيرًا حتى بعد أن أصبح سلطانًا، قائلًا: «لو كانت والدتي الحقيقية
على قيد الحياة لما كانت تربيني وتهتم بي أكثر من هذا الاهتمام».
وقبل هذا التاريخ، أي عام ١٨٤٥ توفيت والدة
عمتنا، فبقيت السلطانة جميلة «عمتنا» يتيمة وهي في الثالثة من عمرها، فأحضرها عبدالمجيد
إلى زوجته برستو خانم وهكذا نشأ الاثنان -عبدالحميد والسلطانة جميلة- في مكان واحد
وقضيا فترة الطفولة معًا.
وقد بينت بأن عبدالمجيد كان متزوجًا من
أربعة نساء، وكانت «تیر مشکان خانم» تحب ضرتها برستو خانم وتفضلها على الأخريات، ولم
تكن تعلم بأن ابنها الذي تحبه حب العبادة سوف تربيه هذه الضرة.
أخلاق والدي وعاداته
كان والدي متعودًا على النوم مبكرًا والاستيقاظ
مبكرًا. كان يستيقظ قبل شروق الشمس ويذهب إلى الحمام، وكان يوجد في الغرفة الخارجية
للحمام سرير «دیوان» ليجلس عليه بعد الانتهاء من الغسل. وكان يرتدي ملابسه في هذه الغرفة
ثم يصلي صلاة الفجر ويتناول فطوره. وكان متعودًا دائمًا على تناول الشراب الملين بعد
استيقاظه مباشرة، لذا كان فطوره دائمًا عبارة عن وجبة خفيفة: مشروب يسمى مانيزي هازي
MANYEZI HAZI وبعد مرضه تعود
أن يتناول شراب الـ«سينامكي» SINAMERT
بعد مزجه بالسكر «وهذا نوع من الدواء الملين للأمعاء» ولكن قبل ذلك
يشرب 1/2 كأس من الحليب الممزوج بالمياه المعدنية.
وبتوصية من الطبيب الألماني برغمان أمر
والدي باستيراد صودة فردريك، وبعد أن يشرب من هذا الماء المعدني يشرب قهوة ويدخن سيجارة
ويذهب إلى قسم الحريم، ومن هناك يذهب إلى قاعة الاستقبال ويجلس في مكانه المخصص في
هذه القاعة وينادي على رئيس الكتاب، ويظل هناك حتى الساعة الحادية عشرة ينظر في أمور
الدولة الرسمية. وبعدها يذهب إلى جناح الحريم مرة أخرى لتناول طعام الغداء مع والدتي،
ثم يذهب إلى غرفة الاستراحة وهناك يتمدد قرابة عشرين دقيقة ثم يذهب إلى قاعة الاستقبال
لينهي بقية أعماله، ويبقى هناك حتى فترة العصر يعود بعدها إلى غرفته.
وإذا ما شعر بالتعب أو عندما تكون الأعمال
قليلة يذهب إلى جناح الحريم ويرسل في طلب أفراد عائلته الذي يرغب في رؤيتهم، وكثيرًا
ما كان يرسل في طلبنا ويطلب منا أن نعزف على البيانو أو يوجه لنا النصائح القيمة.
وفي الأمسيات الطيبة كان يخرج إلى الحديقة
للتنزه مع كبار رجال الدولة، أو يذهب إلى جناح الحريم، أو إلى محل النجارة الذي يفضله
ويقضي قسمًا من وقته هناك أو في مكتبته.
وعندما يكون مشغولًا يقضي أكثر أوقاته في
قصر الرئاسة «MABEYIN» وبالعكس، إذا كان
العمل قليلًا يذهب بعد صلاة العشاء إلى غرفته ويرسل في طلب والدتي لقضاء بعض الوقت
معه، وطوال فترة حكمه التي استمرت عشرين عامًا كان يتناول طعام العشاء مع والدتي «مشفقة
خانم»، أما بقية زوجاته فكان يطلب رؤيتهن في أوقات معينة فقط.
وكان دقيقًا وحريصًا على الالتزام بالوقت،
وأستطيع أن أقول إنه كان يحدد لكل عمل معين وقتًا خاصًّا، وقد قضى عمره بشكل مستقيم
ومنتظم. وعندما كانت تبدأ فترة استراحة والدي كان يسود القصر هدوء غريب، ولم تكن تسمع
في حديقة القصر أو في داخل القصر أصوات الضحك، وكان الجميع يخافون من إحداث صوت يزعج
والدي أثناء فترة استراحته.
وكان ينام أمام باب غرفته الخازندار الثاني
ومعه اثنان آخران. أما أمام باب قصر الرئاسة فكان ينام حارس ومعه مهي أفندي قائد فرقة
الحرس السلطاني.
وفي الليل كانوا يجلبون إلى غرفته الليمونادة
أو شراب العنب الفرنسي أو عصير الرمان، لأنه في بعض الأحيان كان يستيقظ ليلًا ليشرب،
وكان في بعض الليالي يطلب قراءة الكتب له قبل النوم. وكان يضع بجانب السرير ديوانًا
صغيرًا يجلس عليه عصمت بيك رئيس البزازين، وكانت تستمر قراءة الكتب حتى ينام والدي،
وعندما يشعر بأنه قد نام ينسحب على رؤوس أصابعه ثم يقفل الخازندار الثاني باب غرفته.
وكان والدي
يقول إن أحلى أوقاته عندما يسمع الموسيقى أو عندما يدخل في محل النجارة، فإنه عندما
يمارس هذين العملين كان لا يشعر بالتعب.
ويضيف بأنه قد أمضى حياة نشيطة في شبابه
إلا إنه يعيش الآن عاطلًا حسب تعبيره، حتى قراءة الكتب أصبح لا يطيقها لأنها أصبحت
له كترنيمة تقال للأطفال لكي يناموا، يستمع إلى نصفها وينام قبل أن تتم الترنيمة.
ولكي لا يصاب بالأرق كان ينفر من قراءة
الموضوعات الجدية التي تجعل الإنسان يفكر بها مع الانتهاء من قراءتها.
إن الناس كذابون ومنافقون، وكان البعض يتهم
والدي بإيمانه بالسحر والخرافات، مع العلم بأن والدي كان صاحب نفوذ مطلق يفعل ما يريد
ولم يكن بحاجة إلى سحر لتثبيت سلطانه، لماذا ولمن كان سيستعمل السحر؟ مع العلم بأن
والدي كان يعتنق الدين الإسلامي ويقرأ القرآن الكريم، وقد انضم إلى فرقة الشاذلية في
شبابه وكان يذهب للجوامع بصورة مستمرة وخاصة جامع السليمانية، ويزور المعارض التي تقام
في مختلف الجوامع. وكان يذكر كل ما جرى له في شبابه على شكل حكايات. وقد تعرف في أحد
الجوامع على الشيخ حمزة ظافر وانتسب بعدها إلى فرقة الشاذلية، وبواسطة شيخ تكية يحيى
أفندي الشيخ عبدالله أفندي انضم إلى فرقة القادرية. وكان الشيخ ظافر أفندي شخصًا محترمًا،
وكان محترمًا من قبل أهل القصر، وعندما ينتشر أي وباء في المملكة كان صحيح البخاري
يُقرأ على شكل «بحر الحزب»، وقد طبع والدي «البخاري الشريف» على حسابه الخاص ووزعه
مجانًا على مساجد الدول الإسلامية، وقد أهدى نسخة من هذه الطبعة الشريفة لجميع أفراد
عائلته وما زلت أحتفظ بها كذكرى ثمينة.
وكان والدي يطلب من الجميع أن يلتزموا بمبادئ
الدين الإسلامي ويقيمون الصلاة في أوقاتها المحددة، وكان الأذان يُقرأ في حديقة القصر
«وهذا الأذان يقرأ بالأسلوب الذي كان يقرأ في زمن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم».
وكان أبو الهدى (۱) قد دخل نفس الفرقة التي انتسب إليها والدي. وكان والدي معجبًا بأفكاره
وذكائه، لذا كان يستشيره في مسائل السياسة العربية. وقد أرسل الدعوة إلى رؤساء القبائل
اليمنية عندما حدثت الثورة العربية هناك، فأكرمهم وأحسن ضيافتهم، وأمر والدي بإخراج
العرش إلى ساحة قصر الرئاسة واستقبل هناك هؤلاء الرؤساء فحضروا وهم يرتدون الملابس
العربية ووقفوا صفًّا واحدًا، ثم قبلوا يد والدي وأقسموا جميعًا وبصوت واحد: «يا خليفة
الرسول سنبقى لك صادقين». ثم قالوا: «الله ينصر السلطان». ثم وقف أبو الهدى أفندي وخطب
فيهم نيابة عن والدي باللغة العربية، وقد رأينا مراسيم القبول هذه نحن النساء من شرفات
قصر الحريم.
وقد استضاف أبو الهدى بعض هؤلاء الرؤساء
اليمنيين في داره، وبقي القسم الآخر في تكية ظافر أفندي في دار الضيافة الذي أمر والدي
ببنائه لمثل هذه الزيارات. وكانوا يوم الجمعة يحضرون لأداء فريضة الصلاة ثم يستلمون
الهدايا من السلطان بواسطة أبو الهدى أفندي ثم يعودون إلى ديارهم. ويقال إن أبو الهدى
أفندي كان يمثل رئيس الكتاب في عهد والدي. ولا يجوز أن ننسى أن لكل عهد سياسة معينة
تتبعها في تسيير أمور الدولة.
_____________
(١) أبو الهدى: هو أبو الهدى الصيادي، ولد
في مدينة حلب سنة ١٨٤٩م. من رجال الدين وصاحب طريقة صوفية، وكان شاعرًا غادر حلب إلى
إسطنبول، واتصل بالسلطان عبدالحميد فنال حظوة لديه وأصبح مستشاره في الشؤون العربية
وكانت له كلمته ونفوذه. وكان يقصده العرب في إسطنبول لقضاء حاجاتهم عند السلطان عبدالحميد.
وكانت بينه وبين جمال الدين الأفغاني خصومة عندما أقام جمال الدين في إسطنبول. كان
للسلطان عبدالحميد بعض المستشارين العرب ومن بينهم عزت باشا العابد من سوريا، وهو الذي
أشار على السلطان عبدالحميد بمد سكة حديد الحجاز لراحة الحجاج والمسافرين؛ مما يكون
له أبعد الأثر في نفوس المسلمين بصفته خليفة المسلمين، وفعلًا عمل السلطان عبدالحميد
بمشورته ومد سكة حديد الحجاز إلى المدينة المنورة ووصلها القطار في موسم الحج سنة ١٩٠٨
قبل خلع السلطان عبدالحميد بنحو سنة.
بعد خلع السلطان عبدالحميد سنة ١٩٠٩ – ۱۳۲۷هـ ألقى الاتحاديون -من الشبان
الأتراك المتطرفين- القبض على رجالات العرب المتصلين بالسلطان عبدالحميد، ومن بينهم
أبو الهدى الصيادي ونفوه خارج إسطنبول، وتوفي في منفاه سنة ١٩٠٩م.
سيف الشملان
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل