العنوان آلام الكبار لتخلي الأنصار
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يناير-1998
مشاهدات 77
نشر في العدد 1285
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 20-يناير-1998
نقوش على جدار الدعوة
آلام الكبار لتخلي الأنصار
حفظ الله كتابه من التحريف أو التغيير، وجعله صراطًا مستقيمًا لا تزيغ به الأهواء وتوعد الذين يتركون العمل به بأن يقصمهم ويذلهم من تركه من جبار قصمه الله، ومن حاد عنه وانحرف عن سبيله ضل وغوي من ابتغى الهدى في غيره أضله الله وكفى بهذا الكتاب فخرًا لهذه الأمة أن نزل بلغتها، وأحيا مواتها، وصنع منها خير أمة إن تمسكت به، وجاهدت في سبيل إعلاء كلمته، وسيادة شريعته، وأخذت نفسها بتعاليمه، واستقامت على هداه.وحملة القرآن الكريم من بين الناس أرقهم أفئدة، وأعظمهم أخلاقًا، وأقومهم طريقًا - أو هكذا ينبغي أن يكونوا - لقربهم من القرآن، وعملهم بتعاليمه، ويقينهم بأقواله، وثقتهم في تحقيق ما جاء فيه من وعد أو وعيد، ولذا حين رأى عمر t كاهنًا يجتهد في العبادة بكى، قيل يا أمير المؤمنين ما يبكك من هذا؟ قال: ذكرت قول الله U في كتابه ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ فذاك الذي أبكاني (مختصر تفسير ابن كثير 3/٦٣٢)، هكذا إحساس المتدبرين للقرآن التالين لآياته يفرحهم الثواب والخير والهدى والنور فتنشرح صدورهم وصدور قوم مؤمنين يسمعون تلاوتهم ويعايشون كتاب الله معهم.ومن هؤلاء -إن شاء الله- إمام الحرم المكي الشيخ عبد الرحمن السديس - ولا نزكيه على الله - الذي عايشنا معه كتاب الله في ليالي رمضان في الحرم الشريف، وهو يتمثل معاني الآيات حين يقرأ بصوت جهوري وهبه الله إياه، فأحسن استخدامه فيما ينفع الناس فالآيات تمر من لسانه إلى قلوب المصلين خلفه في الحرم، فإذا تأثر بالمعاني وسالت منه الدموع وجدت كثيرًا من المصلين بيكون.وقد ذكرني هذا البكاء في الحرم المكي لسماع آيات الله في صلاة القيام بما حدث في العام الماضي وسجلناه حينذاك لـ «المجتمع» حيث كنا قد استمعنا للشيخ سعود الشريم في المكان نفسه وهو يتلو قول الله﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ﴾ (هود: 42) وسالت دموع التوبة والخوف من الله على الخدود، إعلانًا بإنابة القلوب إلى الله رب العالمين.لقد اعتاد عامة الناس أن يبكوا عند ذكر الموت أو عند ذكر الجنة والنار، ولكن الكبار من الناس يبكون ويألمون لتخلي الأنصار عن واجب التعاضد والتعاون لإقامة الحق في الأرض ونشره، والدفاع عنه، حيث تجد بعضهم يتخلى عن واجبه في هذه النصرة -نصرة الحق- دون مبالاة تذكر، وكأنه لم يفعل شيئًا، بل قد يسيء الأدب حين يدعى إلى هذا الأمر. وقد كان مما استمعنا له من الشيخ عبد الرحمن السديس آيات من سورة المائدة تقص علينا جزءًا من قصة موسى عليه السلام الآيات من (۲۰ - 25) وفي بعضها يطلب موسى من بني إسرائيل أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لهم، فما كان منهم إلا أن أشاحوا بوجوههم، وأعرضوا عن نبيهم، وتخلوا عن واجبهم، وقالوا ما حكاه القرآن ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (المائدة:24) فكانوا سلبيين في قعودهم متجاوزين حدود الأدب في قولهم، وشتان بين موقفهم وموقف ذلك الصحابي الذي قال للنبي الله بعد أن استشار أصحابه لملاقاة العدو في غزوة بدر، قال: لا نقول لك اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكنا نقول اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، وهذه هي الإيجابية التي يطلبها الكبار ممن معهم في الصف، فإذا ما انعدمت هذه الإيجابية عند البعض بكي الكبار ألمًا وحسرة على تخلي الأنصار.وإنك لتجد البعض اليوم لا يمنعك من أن تفعل ما تشاء، بل ويؤيدك ولكنه لا يساعد حين يحتاج الأمر إلى مساعدة، ولا يعاون والموقف لا يقتضي إعراضًا أو مناقضة، وتكون السلبية على هذا البعض هي الغالبة في مواقف لا تحتمل التأجيل أو التعطيل. إن هذه السلبية بين الأنصار والأعوان لا تمحوها كثرة الدموع ولكنها تسري عن صاحبها قليلا، وتدفعه لأن يلتجئ إلى الله داعيًا ضارعًا ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾(آل عمران: 8) وما عرفت الدعوات ولا عرف أصحابها طريقًا يؤدي إلى فشلهم - أحيانا - وتأخر تمكينهم - أحيانًا أخرى - أخطر من هذا الطريق إنه أعظم شرًا عليهم من عدوهم، لأن أصحابه يؤتون من قِبل أنفسهم، فكيف يتوقون ضرر هذه النفوس وخطرها، وهم لا يحسبون حسابها، ولا يعرفون متى تظهر هذه النفوس سلبياتها؟ إن العدو الخارجي تستطيع أن تتقي خطره وأن تقلل شره برصد حركته، وإقامة المتاريس في وجهه، أما خطر النفس، وخطر بعض من في الصف فمتى ترصد حركتهم وأنت تثق بهم وتعتمد على قدراتهم وعطائهم؟ إذا تخلى أصحاب المال فلم يبذلوا عند الاحتياج، وتخلى أصحاب العلم فكتموه، وتخلى أصحاب العافية والصحة عن الجهاد، وارتدوا على أعقابهم، فكيف لصف مثل هذا أن ينجح؟ وهذا ما يحزن الكبار، ويدعو إلى استمرار الألم، ولا يملك المرء أمامه إلا أن يقول ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: 250)
أخوكم جاسم بن محمد بن مهما الياسمين
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل