العنوان سالم البهنساوي ونادر النوري يتحدثان للمجتمع عن: أمية الدعاة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أغسطس-1992
مشاهدات 75
نشر في العدد 1010
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 04-أغسطس-1992
|
* يجب على الدعاة أن
يدركوا أن الإسلام يوجب الاطلاع على أفكار وآراء الآخرين |
نلتقي مع فضيلة الأستاذ المستشار سالم البهنساوي ليحدثنا عن ظاهرة شاذة وغريبة عن مجتمع الدعاة بشكل خاص وبين الناس بشكل
عام وهي ظاهرة ضعف الاطلاع والنفور من الاطلاع وسنسأل الأستاذ المستشار ثلاثة
أسئلة حول هذا الموضوع:
الأول: ما أسباب هذه الظاهرة بشكل عام
وبين الدعاة بشكل خاص؟
الثاني: هل يمكن تجاوز هذا العيب؟ وما سبل
العلاج؟
الثالث: ما الأمور التي يجب على المسلم
الاطلاع عليها؟
البهنساوي: بسم الله الرحمن الرحيم..
بإيجاز شديد يمكن أن نلخص أسباب هذه الظاهرة العامة والخاصة في أمور أهمها:
1- الانشغال
بالمظاهر المادية بأنواعها، وهذا عامل مشترك لدى الخاصة والعامة.
2- السبب
الثاني ضعف مستوى الجامعات والمعاهد الإسلامية ووجود خلل في النظام التربوي
والتعليمي بهذه الجامعات حتى إننا نرى خريجي هذه الجامعات يجهلون الكثير من الأمور
التي من المفترض أنهم قد درسوها في المعاهد والجامعات.
3- تشجيع
الالتزام المذهبي الفقهي تحت دعوى «اللامذهبية انحراف» وهذا أدى إلى التقليد
والجمود وعدم البحث عن الدليل، اكتفاء بمعرفة المذهب في مسألة من المسائل أو
الرجوع إلى أحد العلماء.
4- إنه
على العكس من مسألة الالتزام بالمذاهب بعض الداعين إلى عدم التقليد يلجأون إلى
تفسير القرآن الكريم والحديث الشريف بدون الرجوع إلى كتب التفسير والحديث وإلى كتب
الفقه تحت دعوى «إننا رجال وهم رجال» وهذه مقولة مغلوطة، فالذي يقول ذلك يجب أن
يعرف أننا جميعًا عيال على كتب الفقه وعلى الأقدمين، ولسنا في مصافهم من حيث الفقه
أو العلم حتى ندعي أننا رجال وهم رجال ثم نفسر الآيات القرآنية والأحاديث بدون
الرجوع إلى هذه المصادر التي هي مفاتيح هذا التفسير وهذا العلم، وهذا أدى إلى وجود
خلل وظاهرة في المجتمعات الإسلامية يدركها الجميع، من الجرأة على الفتيا بغير فهم
ولا دليل.
5- السبب
الأخير سقوط الوعي بسبيل المنافقين وسبيل الملحدين، ربنا تبارك وتعالى قد قال: ﴿وَكَذَلِكَ
نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (الأنعام:55).
فيجب على المسلم أن يطلع على المناهج والأفكار والتيارات غير الإسلامية التي سماها
القرآن «سبيل المجرمين» حتى يستطيع أن يحدد أوجه الخطر والخلل أو الغزو الفكري
فيها، وعدم الاهتمام بهذه المسألة، وعدم الاطلاع على هذه الثقافات، والاكتفاء فقط
بالثقافة الدينية أدى أيضًا إلى هذه الظاهرة وإلى تخلف كثير من الدعاة في معرفة
حجج هذه الظاهرة وإلى تخلف كثير من الدعاة في معرفة حجج خصوم الإسلام ووسائلهم
ومعرفة كيفية التصدي لهم وكشف باطلهم. هذه بصفة عامة هي مجمل أسباب هذه الظاهرة.
المجتمع: هل يمكن تجاوز هذا العيب؟ وما سبل
العلاج؟
لو نظرنا إلى كل سبب في هذه الأسباب
لرأينا أن فيها تكمن وسائل الخروج من هذا المأزق. فمثلًا:
1- الانشغال
في المظاهر المادية، لو وضع الإنسان لنفسه- وخصوصًا الدعاة- منهجًا محددًا في
الاطلاع والقراءة، وقدم ذلك على ما يسمى بالالتزامات الدنيوية الأخرى، وألزم نفسه
بذلك لخرج بالتدريج من ظاهرة عدم القراءة وقلة العلم.
2- أيضًا
لو حدث توجيه للمسؤولين عن الحكومات والمعاهد والجامعات لبحث ظاهرة الخلل الواضح
جيدًا في خريجي هذه الجامعات وتوفرت النية لذلك لأمكن التغلب على هذا السبب وعلاج
هذه المسألة.
3- أيضًا
يجب التوفيق بين مسألة المذهبية واللامذهبية، وللإمام حسن البنا رحمه الله في ذلك
نقاط جيدة برسالة التعاليم عندما نقرأ أن الأصل هو التزام المسلم بالكتاب والسنة
والبحث عن الدليل، قصر هذا على من يستطيع أن يقوم بهذه المهمة أي من بلغ درجة
النظر، أما من لا يستطيع ذلك فإنه حتى يستكمل هذا النقص عليه أن يلتزم رأي من يثق
به من العلماء، بعد أن يعرف دليله.
4- وهكذا
أيضًا لو أدرك الذين يدعون إلى عدم التقليد أن هذه الدعوة دعوة صحيحة ولكنها تحتاج
إلى أن يتسلح هؤلاء بأسلحة العلم وهو ألا يفتح الباب لكل من هب ودب للخوض في
الحديث والقرآن من غير أن يتسلح بأسلحة هذا العلم وهو الاطلاع على كتب التفسير
والحديث وكتب الفقه حتى يستطيع أن يكون على بينة من أمر الحديث أو الآية التي يريد
تفسيرها.
5- وكذلك
الإخوة من الدعاة لو أدركوا أن الإسلام يوجب الاطلاع على أفكار وآراء الآخرين
وبحثها ودراستها وتصنيفها لزالت ظاهرة عدم الاهتمام بهذه الأفكار سواء سميت بالغزو
الفكري أو غيره.
المجتمع: ما الأمور الأساسية التي ينبغي
على المسلم بشكل عام والدعاة بشكل خاص الاطلاع عليها؟
البهنساوي: لقد عالج الأخ الفاضل الدكتور
يوسف القرضاوي هذه المسألة في كتاب له اسمه «ثقافة الداعية» هذا الكتاب تضمن
الأمور الأساسية التي يجب للداعية أن يحيط بها أو يعلمها حتى يصبح داعية وحتى
يستطيع أن يتحرك بالإسلام وسط العامة والخاصة وأنا أنصح كل قارئ- ولا أقول كل
داعية أو متخصص- أن يرجع إلى هذا الكتاب، وأيضًا توجد كتب أخرى بهذا المعنى، ولكني
أختار هذا الكتاب ليسره والتركيز الجيد من الدكتور القرضاوي في هذه المسألة، وبصفة
رئيسية عموم المسلمين بحاجة أساسية إلى معرفة العقائد والفرائض الأساسية على
المسلم ومعرفة دليل ذلك، فإذا تطرقنا إلى موضوع الدعاة فهم يحتاجون إلى أكثر من
هذا، ويضاف إلى علوم القرآن والحديث والفقه وأصول الفقه أيضًا معرفة المذاهب
الوضعية سواء كانت شيوعية أو رأسمالية أو غيرها، ومعرفة مكمن الخطر فيها، ومعرفة
موقف الإسلام من كل هذا المذاهب، لأن أكثر هذه المذاهب حاول غزو المسلمين عن طريق
ادعاء أنها لا تتعارض مع الدين، والادعاء أنه «حيث تكون المصلحة فثمت شرع الله»
دون إدراك إلى أن المصلحة في الشريعة لها قيود وضوابط، وليست كل مصلحة هي شرع
الله، بل المصلحة التي لا تعارض ولا تنافي القرآن الكريم والسنة النبوية، المصلحة
التي لم يتعرض الشرع الإسلامي لها بالإلغاء أو الاعتبار، وهي التي تسمى بالمصلحة
المرسلة، أي التي لم يتحدث عنها الشارع لتنظيم أمر من الأمور تركه الشرع لولي
الأمر ولو أن كل ما يفهمه بعض الناس أنه مصلحة أو أخذ على إطلاقه لكان الخمر عند
بعض الناس مصلحة، والفحش مصلحة، ولهدمنا الإسلام بهذه المقولة التي تفهم خطأ.
مقابلة مع الشيخ نادر النوري
نلتقي هنا اليوم مع الشيخ نادر النوري
ليجيب عن نفس الأسئلة التي أجاب عنها الأستاذ سالم البهنساوي ونبدأ بالسؤال الأول
هو:
المجتمع: ما هي أسباب ظاهرة أمية الدعاة
بين الدعاة بشكل خاص وبين الناس بشكل عام؟
الشيخ نادر: بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، هذه الظاهرة لا أستطيع أن أقول إلا أنها وليدة
البيئة، فكل بيئة هي التي تحدد ثقافة المجتمع، فهناك مجتمعات تعيش في عزلة ثقافية
وفكرية تكون اهتمامات الناس فيها موجهة إلى أمور المعاش وسد الرمق وجلب القوت فلا
يكون هناك مجال أو وقت أو همة لأن يتوسع الإنسان في مجال الثقافة وهناك مجتمعات
يغدق الله سبحانه عليها الرخاء ويلهيها الترف وتغلب اهتمامات الدنيا والتجارة
والثراء والمال والمظاهر والألقاب على كثير من الناس فيها، فتكون مثل هذه الأمور
هي مجمل اهتمامات الناس، فالبيئة تؤثر، هناك كتاب اسمه «مشاكلة الناس لزمانهم»
لأحد المؤرخين يبين وهو يسرد فصول التاريخ الإسلامي أن كل فترة من فترات تاريخ
خلفاء بني أمية كان للخليفة طبيعة تشغل اهتمامات الناس، فتارة يكون الخليفة مولعًا
بالقصور والدور، وفخامة المساكن والأبهة في الملك، فيكون حديث الناس هو هذا، ولما
صار عهد الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبدالعزيز، أصبح حديث الناس في هذه الفترة
منصبًا على أمور العبادة، وطلب العلم والتهيؤ للآخرة، والتزود لها، وهكذا نرى
مجتمعاتنا بشكل عام هي أصلًا لا تميل إلى الثقافة، فمجتمع الكويت هو مجتمع أستطيع
أن أقول هو مجتمع سفر وارتحال، ومجتمع تجوال، ولا يغلب على طبيعة هذا المجتمع حب
القراءة والاطلاع، نظرًا أيضًا لعدم توافر وسائط الثقافة بشكل جاد، ولعدم وجود
العلماء المقربين الذين يعلمون الناس صغائر العلم قبل كباره على طريقة علماء
السلف. فالدعاة هم جزء من هذا المجتمع، ولا بد أن تسري عليهم الظاهرة تبعًا لذلك.
المجتمع: هل يمكن تجاوز هذا العيب؟ وما سبل
العلاج؟
الشيخ النوري: يمكن تجاوز هذا العيب، وذلك
بأن نبدأ منذ نعومة الأظفار بما يسمى بالكتاتيب، وأن نبدأ بالثقافة الأصلية وهي
الكتاب والسنة وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم والتهذيب الأخلاقي وهو علم السلوك
منذ الطفولة، حيث تفتح كتاتيب المسجد للأطفال ويبدأون بتلقي العلوم على أيدي علماء
في المساجد أو دعاة ومصلحين ومؤدبين، لهم زاد أخلاقي وعلمي وقدوة يفيضون بها على
الأطفال بحيث ينشأ هؤلاء الأطفال مع نشأتهم الأولى على العلم، ويبدأون بطلبه منذ
الصغر وتكبر اهتماماتهم بكبر أعمارهم وتبدأ تغذي هذه الجوانب والتخصصات حسب النبوغ
وحسب الميل الذي يميل له كل شاب ناشئ وعندئذ يكون للدعوة اهتمام خاص بتنمية هذا
الاختصاص وتعميقه حتى تظهر طليعة من هؤلاء الشباب من العلماء والمتفقهين
والمؤدبين، وأصحاب القلم، فيكون منهم من هو متخصص بالأدب وعلوم الأدب واللغة
العربية، وفي الفقه وأصوله أو التفسير أو الوعظ أو غير ذلك، فتعميق ذلك من الصغر
ثم تنميته مع الكبر، ويكون إن شاء الله هو العلاج في ذلك.
المجتمع: ما الأمور الأساسية التي يجب على
العوام الاطلاع عليها، ثم الدعاة بشكل خاص؟
الشيخ النوري: أعتقد أن الأمية عند الدعاة
ظاهرة واضحة، وطبعًا نجد أن هناك ضحالة فكرية وطفولة فكرية عند الكثير من الدعاة،
بحيث تجد أن داعية ينتمي إلى دعوة ودين ثم لا يعرف من تفاصيل هذا الدين إلا
العموميات، والعموميات هي إيمان العجائز وإيمان العوام، أما الدعاة إلى الله فيجب
أن يتخصصوا فيما يدعون إليه، وأن يتعمقوا فيما يدعون إليه. فالداعية يجب أن يحوز
دمعة المتهجد، وحدس السياسي، ولباقة المناصر، ووقار العالم، وانتباه الفقيه، ورأفة
الوالد، وشجاعة المقاتل، حتى يستطيع أن يتأهل للدعوة إلى هذا الدين وإقناع الناس
به.
فالأمور الأساسية يجب أن تكون هي جوهر
الدين ونصوصه، أن يتعمق الإنسان في نصوص الكتاب والسنة يحفظ من القرآن القدر
المناسب، ويلم بآياته وأحكامه، وفق منهج تثقيفي واضح على عالم متبحر، فقلما نجد من
شباب الدعوة من تفرغ لطلب العلم على أيدي المشايخ والعلماء، وإنما اكتفى ببعض
الأشرطة، والأناشيد، وبعض المعاني والقراءات المتناثرة المتبعثرة التي تفتقر إلى
الترتيب والموضوعية.. إنما ينبغي أن يتلقى العلم على شيخ متبحر في العلم ويقرأ
عليه أبواب العلم بابًا بابًا.. يأخذ عليه الأبواب ثم يستفسر عما أشكل عليه من
أمور، وكذلك ينبغي أن يحاول أن يراجع هذا الأمر، وفي نفس الوقت حديث الرسول صلى
الله عليه وسلم.. يطلع على أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في كتب الأحاديث
المعتبرة مثل صحيح البخاري أو مختصر صحيح مسلم، أو اللؤلؤ والمرجان، أو رياض
الصالحين، أو مشكاة المصابيح، على مستوياتها المتفاوتة، كذلك يلم ببعض العلوم،
ويحاول أن يطلع على الثقافة العامة، حتى يكون عنده زاد يستطيع فيه أن يتفهم دينه
أو يعبر عنه تعبيرًا صحيحًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل