; قالوا عن الجهاد الأفغاني وقلنا | مجلة المجتمع

العنوان قالوا عن الجهاد الأفغاني وقلنا

الكاتب د. عبد الله عزام

تاريخ النشر الثلاثاء 29-يوليو-1986

مشاهدات 79

نشر في العدد 777

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 29-يوليو-1986

  • الجهاد فرض عين ليس في أفغانستان فقط؛ وإنما في جميع البلدان الإسلامية التي تقع تحت العدوان.
  • المجاهدون الأفغان اتخذوا شعارًا يرددونه هو «من كابل إلى القدس».

كثرت الأقاويل حول الجهاد الأفغاني وانتشرت البلبلات، والناس بين مصدق ومتشكك ومكذب، وبدأت الألسنة تلوك سمعة الذين يكتبون عن الجهاد وتمزق لحومهم يتهمونهم بالتهويل والتفخيم، ويرمونهم برسم صور مثالية، وبنقل صور خيالية وأخبار أسطورية عن الجهاد.

قال بعض الناس:

1- إن الجهاد الأفغاني على وشك السقوط والانتهاء. 

2- وقالوا: إن قيادة الجهاد الأفغاني مختلفة ومتناحرة على مناصبها.

3- وقالوا: إن الشعب الأفغاني شعب قبلي ويتأمل بحمية قبلية وعصبية عرقية، وليس للإسلام دور في الجهاد الأفغاني أو هناك تخليط في الجهاد.

4- وقالوا: إن الكلام عن قضية أفغانستان قد صرف النظر عن قضية فلسطين.

5- وقالوا: لم يثبت في التاريخ أن حصل التغيير من الأعاجم؛ بل التغيير طيلة حقبات التاريخ يحصل على يد العرب، ومن خلال بلدان الشرق الأوسط.

٦- وقالوا: لقد قلتم: إن الجهاد الأفغاني فرض عين مع أنه فرض كفاية.

ونحن نرى لزامًا علينا أن نوضح الصورة بما نعتقده حقًّا، وليس ادعاء ولا فخرًا، فلا أظن -والله أعلم- أن عربيًّا واحدًا في أرجاء الأرض يعلم من خبايا الجهاد الأفغاني وخفاياه ما أعلم.. إذ هذه هي السنة الرابعة التي أعيشها بين المجاهدين وعلى صلة وثيقة بجنودهم وقادتهم في الداخل والخارج.

أقول هذا، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمني ومن الشيطان، وأرجو الله عز وجل أن يغفر لنا بحسن ظننا وسلامة قصدنا.. إنه سميع قريب مجيب.

روسيا مختلفة داخل أفغانستان:

أما أن الجهاد الأفغاني على وشك السقوط فزعم تكذبه الأرقام وينفيه الواقع؛ إذ إن الواقع يشهد أن روسيا مختنقة في داخل أفغانستان، وهذا الذي جعلها تقرر أن تنقل العاصمة كابل إلى مزار شريف «بلخ» على الحدود الروسية؛ إذ إنها تيقنت أن استقرارها فوق أرض أفغانستان مستحیل ويكلفها ثمنًا باهظًا في الأنفس والمعدات، عدا أن كابل كمستقر للدبلوماسيين ومقر للشعارات لم يعد ممكنًا؛ إذ لم تعد أكثر السفارات حراسة وهي الروسية بمأمن من قذائف المجاهدين التي تنهال عليهم من كل جانب.. وكذلك وزارة الدفاع «دار الأمان» وقصر الرئاسة «خلق خانة» «دار الشعب» «ومیکروریان: مساكن الضباط» أصبحت هدفًا للمجاهدين. وإن روسيا والشيوعيين يتمنون أن تمر ليلة واحدة على كابل دون أن تروع بالتفجيرات وتدوي في أرجائها القذائف.

ولم تعد الدولة قادرة على المحافظة على السجناء من المجاهدين في سجونها؛ إذ تم في عام ۱۹۸۳ إطلاق سراح ألف من المجاهدين بقوة سلاح المجاهدين الذين أغاروا على السجون التالية وأطلقوا سجناءها: «غزني، جارديز «مركز بكتيا» قندهار، فرح، لغمان، مرغاب في بادغيس».

إحصائيات:

وأما الأرقام فإني أضع بين يدي القارئ الكريم الإحصائية التي استلمتها من إذاعة المجاهدين، ورغم أن البعض قد يرى أن هذه الأرقام دون الحقيقة وأقل من الصورة الواقعية؛ إذ إن الأخبار التي تصل الإذاعة لا تتعدى ٢٠٪ من الوقائع والأحداث التي تجري فوق أرض أفغانستان.. حقائق حية ومشاهد واقعية مرئية تخط بالدماء وتشهد لها الجماجم والأشلاء.

وأرجو من الذين يتشككون في الجهاد أن يروني مركزًا واحدًا للروس في أفغانستان بعيدًا عن متناول أيدي المجاهدين؛ مطارًا أو قاعدة أو سفارة أو غير ذلك، وسل مطارات کابل : قندهار، غزني، شنلند/ فرح، وجلال آباد وخوست/ بكتيا وترینکوت/ أوزجان.. کم شهدت من هجمات المجاهدين؟! وكم تحطم فوق مدرجاتها من طائرات؟!

إن روسيا تحاول جاهدة منذ سنتين سد الحدود أو طرق المجاهدين، فهل استطاعت؟ لقد راهنت روسيا وأعلنت كابل أن سنة ١٩٨٣ هي آخر سنة للجهاد، فهل استطاعت أن تفعل شيئًا؟ لقد ضاعفت روسيا قواتها حتى وصلت إلى «۲۰۰- ٢٥٠» ألفًا، ولكن كما قال الله عز وجل: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (آل عمران: ۱۲) وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (الأنفال: ٣٦).

إن كارمل من قرية «كمري» ضاحية من ضواحي كابل، ولا يستطيع أن يأكل من ثمار بساتينه لأن المجاهدين يسيطرون عليها.

الجهاد فوق أرض الواقع:

إن القيادات في بيشاور مختلفة، فهذا لا ننكره ونقر به؛ ولكن لو دخلنا إلى الداخل ورأينا الجهاد فوق أرض الواقع لرأينا النفوس المتآلفة ورأينا جميع الأحزاب متكاتفة أمام العدو، ولا يخلو الأمر من بعض المنغصات مما يعكر صفو الأخوة في بعض المناطق. وهل يمكن أن تجد شعبًا كاملًا لا ترى فيه عوجًا ولا أمتًا.. شعب تعمل عليه كل الأجهزة العالمية وتسلط عليه الأضواء الدولية، وكم من الأموال تنفق لبث الفرقة بينهم ولغرس الشقاق بين ظهرانيهم.. ودعك عن الفقر المذل ومرارة الحاجة الملحة التي تعتبر معبرًا سهلًا إلى النفوس الضعيفة التي تشترى.

وأما بالنسبة للقيادات السياسية فنحن لا نقرهم على هذا الخلاف، ونحاول معهم ونضرع إلى الله أن يؤلف بين قلوبهم مع أن ذوبانهم تحت قيادة واحدة من أصعب الأمور على أنفسهم؛ إذ يعتبر كل واحد منهم كأنه رئيس دولة وراءه حوالي مائة ألف مجاهد رهن إشارته. إنه يصعب على النفوس التي خلصت من حظ نفوسها. وقبل هذا علينا أن ننظر إلى أنفسنا وإلى حالة التمزق والتشتت التي يعيشها المسلمون في العالم العربي.

ليس الجهاد حربًا قبلية:

وأما أن الجهاد الأفغاني حرب قبلية فهو مردود من نواح:

1- أن الجهاد لم يبدأ ضد الروس الذي يعادي القومية الأفغانية؛ بل بدأ الجهاد ضد أبناء أفغانستان أنفسهم من الشيوعيين.. لقد بدأ الجهاد ضد داود، ثم اشتد أيام تراقي وازداد اشتعالًا أيام حفيظ الله أمين، ثم انفجر الجهاد الأفغاني المسلم ضد بابرك كارمل، وهؤلاء كلهم أفغان.

إن بابرك كارمل من قرية قرب كابل اسمها «كمري» ويفصلها عن جكري نهر صغير، وأهل «كمري» يقاتلون كارمل وجنوده تحت قيادة محمد صديق جري «شاب في العشرينات تخرج من الجامعة الإسلامية قبل أربع سنوات».

وإذا كانت الحرب قومية فلم يرفض قادة الجهاد الأفغاني أن يمدوا أيديهم لمساعدة الدول الغربية؟

بل لماذا يرفض المجاهدون عودة الملك ظاهر شاه الذي اصطلح عليه الروس والأمريكان ليكون شرطًا لانسحاب روسيا من أفغانستان؟

حدثني حكمت يار قال: إن عجوزًا في قندهار جاءت إلى المجاهدين وقالت: إن ابني يتعامل مع الشيوعيين، ودلتهم على مكانه، فألقى المجاهدون عليه القبض، ثم جاءوا بأمه وقالوا لها: ماذا نصنع به؟ فقالت: اربطوه وأعطوني سكينًا، ثم جاءت إلى ابنها وقالت له: أتذكر يوم نلت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسباب والشتائم ثم انقضت عليه وذبحته بيدها.

أهذه غيرة قومية؟ أم عصبية جاهلية؟ أم روح الإسلام تحرك شعبًا بكامله؟ إنها أول امرأة في التاريخ بقدر اطلاعي تذبح ابنها بيدها انتصارًا لدينها وعقيدتها.

الغيرة الإسلامية:

وحدثني مولوي حليم «أمير ميدان» قال: لقد دخل الروس قرية في ميدان، وفي أحد البيوت أثناء تفتيشهم عن الرجال ألقى غلام بنفسه تحت السرير لينجو من أنظارهم.. وبينما كان الجنود الروس يفتشون البيت وجدوا مصحفًا شريفًا فألقوه بازدراء، وإذا بالشاب ينتفض من تحت السرير كالليث واحتضن المصحف صائحًا: لن أسمح لكم أن تهينوا كتابنا العزيز ولو قطعتموني.. وإذا بالروس يخرجون من البيت احترامًا لغيرة هذا الغلام.

فهل هذا شعب يقاتل من أجل قوم أو جنس؟

الهدف من الجهاد إقامة دولة إسلامية:

لقد نص دستور الاتحاد الإسلامي لمجاهدي أفغانستان في المادة الثانية: إن الهدف من هذا الجهاد إقامة دولة إسلامية في أفغانستان.

فإن قلتم: ليس كل المجاهدين على المستوى المطلوب.. أقول لكم: نعم إن فيهم من يتعاطى الدخان والنسوار «مسحوق الدخان المخلوط» ومنهم من يكذب ويسرق، ومنهم من يتهاون في الصلاة وإن كانت نسبة الذين يتهاونون في الصلاة لا تصل 1% ولكن تبقى روح الإسلام هي التي تسير المجموع العام وتسيطر على الجهاد وتهون عليهم التضحيات التي وصلت إلى مليون ونصف شهيد. ومن جهة أخرى فهذا يضاعف واجبنا تجاههم بالتربية والإعداد. وأريد أن أسأل الذين ينتقدون من بعيد: متى خلص الجهاد بكليته من المرجفين والدخلاء؟ وهل تريدون من شعب بكامله أن يكون مبرأ من العيوب والنقائض؟ إن هذا محال.

لقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاواه 28/ 506: «ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بر وفاجر، فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه إذا لم يتفق الغزو إلا مع الأمراء الفجار أو مع عسكر کثيري الفجور فإنه لا بد من أحد أمرين: إما ترك الغزو معهم فيلزم من ذلك استيلاء الآخرين الذين هم أعظم ضررًا في الدين والدنيا، وأما الغزو مع الأمير الفاجر فيحصل بذلك دفع الأفجرين».

قضية فلسطين والجهاد الأفغاني:

وأما الذين يرون أن الجهاد الأفغاني قد صرف النظر عن قضية فلسطين، فأنا أخالفهم في هذا وأرى أن الجهاد الأفغاني فيه إحياء لروح الجهاد وفتح نوافذ الأمل العريض في نفوس الشباب المسلم الذي يهفو لتحرير الأقصى، وفيه إذكاء لروح الغيرة الإسلامية على المقدسات.. ثم ماذا نجني من الكلام فقط عن فلسطين؟ هل نسبق الإعلام العربي في النواحي والمزايدات والتباكي على فلسطين التي خذلوها وتركوها تذبح بيد الصهيونية والصليبية؟

وأريد أن أتساءل: أين كان هؤلاء الذين يملأون الدنيا دويًّا بالكلام عن فلسطين؟ أين كانوا سنة «١٩٦٨- ۱۹۷۰» عندما كانت الحدود مفتوحة على مصراعيها لمن أراد أن يجاهد عبر نهر الأردن؟ وأضيف قائلًا: هل يأتي تحرير فلسطين اعتباطًا وصدفة، أم لا بد له من إعداد طويل للأرواح والأبدان في كل ميدان.. وأي میدان أفضل من أفغانستان؟

من كابل إلى القدس:

ومن جهة أخرى أن معظم المجاهدين يرددون العبارة التالية «من كابل إلى القدس» وبعضهم يدعو: «اللهم يسر لنا الجهاد في أفغانستان، وارزقنا الشهادة على أرض فلسطين المباركة».

لقد كانوا يبكون عندما أكلمهم عن فلسطين، والكلام عن قضية أفغانستان كلام عن قضية فلسطين وإحياء الحنين والأشجان لها، وما أجمل أبيات متمم بن نويرة:

لقد لامني بين القبور على البكا *** رفيقي لتذرافي الدموع السوافك

وقال أتبكي كل قبر رأيته ***  لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك

فقلت له: إن الشجي يبعث الشجى *** فدعني فهذا كله قبر مالك

وأما الذين يقولون: إن التغيير لا يمكن أن يتم إلا عن طريق العرب، وهذا شهادة التاريخ، فأذكرهم بالدولة الإسلامية العثمانية التي حكمت قسمًا كبيرًا من المعمورة لمدة أربعة قرون «١٥١٦- ۱۹۱۷» ولم يستطع العرب أن يحافظوا على الأقصى نصف قرن. ولعلهم يذكرون أن تركيا المسلمة وصلت إلى لينين غراد «بطرسبرغ» ودخلت فينا ولا زال شارع الطابور «حيث اصطف الجيش العثماني المسلم فيها» شاهدًا حتى الآن.

وأذكرهم بدول خوارزم والدولة الغزنوية حيث دخل محمود الغزنوي الهند قرابة عشر مرات وأسلم على يديه الكثير.

الجهاد فرض عين:

وأما الفتوى بأن الجهاد فرض عين في أفغانستان.. فالجهاد فرض عين ليس في أفغانستان فحسب بل في فلسطين وفي كل بلاد المسلمين.. فمن استطاع أن يقوم بدور القتال في بلده فبها ونعمت، وإلا فلا يسقط عنهم إثم التخلف عن الجهاد الأفغاني.. ومن كان في شك من قولي فليعطني مثالًا واحدًا لقول عالم يعتد به في التاريخ الإسلامي كله يقول: إن الجهاد في مثل هذه الحال «الاعتداء على أرض المسلمين» فرض كفاية ويحتاج إلى إذن الوالدين، مقابل هذا أنا أقدم لهم أكثر من مائة كتاب معتبر في الفقه والتفسير والحديث ينص على أن الجهاد فرض عين إذا دخل الكفار أرض المسلمين حتى تخرج المرأة دون إذن زوجها، والولد دون إذن والديه.. بل لم أجد كتابًا فقهيًّا واحدًا يخلو من هذا النص، فإن قلتم: تريد أن تخرج المرأة دون إذن زوجها وتريدنا أن نترك بلادنا ونأتي إلى أفغانستان؟! فنقول: ليس هنالك بلادنا وبلادكم، فأرض المسلمين واحدة، وكلها بلادي.

الهند لنا والصين لنا   *** والعرب لنا والكل لنا

أضحى الإسلام لنا دينا  *** وجميع الكون لنا وطنا

﴿وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (المؤمنون: 52).

ثم يعترض علينا آخر فيقول: أتريد من الطالب أن يترك مدرسته وجامعته، والموظف أن يترك مكتبه، ومن المعلم أن يترك مدرسته، فتضيع المصالح والأجيال؟ وهنا نقول: إن هذه العلة هي التي يتعلل بها المسلمون في الأرض.. يتركون كل قطر إسلامي يلاقي مصيره وحيدًا فريدًا؛ فابتلعت أرض الإسلام قطعة قطعة، ووصلنا إلى ما وصلنا إليه من حال بئيسة.

ثم ترتفع الأصوات علينا مستنكرة: أتريدنا أن نرجع إلى بيوتنا فلا نجد أزواجنا ولا أولادنا، فنسأل عنهم لنجاب: إنهم ذهبوا إلى أفغانستان؟! فنقول للمستنكرين: رويدكم لا تعجلوا علينا، لو طبق المسلمون هذا الحكم الشرعي ونفروا من كل أنحاء الأرض كما أمر الله، كم يومًا يحتمل اليهود أمام المسلمين؟ هل يحتملون أسبوعًا أو أكثر؟

دفع الصائل عن أرض الإسلام أهم فروض الأعيان:

وختامًا أرجع فأقول مؤكدًا الفتوى التي ذكرتها: إن دفع الصائل عن أرض الإسلام أهم فروض الأعيان، وهذه فتوى جميع العلماء في الأرض.. يقول ابن تيمية: «ليس بعد الإيمان أهم من دفع الصائل» فالجهاد اليوم فرض عين كالصلاة والصوم والزكاة إن لم يكن أهم منها.. وليس هناك فرق بين ترك القتال والإفطار في نهار رمضان بغير عذر، أو ترك الصلاة كسلًا، بل ترك «القتال اليوم» أشد خطرًا من تضييع الصلاة والصوم؛ لأن ترك الجهاد فيه ضياع الصلاة والدماء والأعراض والأموال، ولا إذن لأحد على أحد.. لا إذن للوالدين على الولد، ولا للزوج على الزوجة؛ لأن فروض الأعيان لا إذن فيها، فمن أراد صلاة الصبح فلا يستأذن من والده، ولا من أحد من العالمين.. وإذا تركنا الأمر لعواطف الآباء فلن يسمحوا بذهاب أبنائهم إلى الجهاد. لقد شهدت شابًّا من إحدى الدول البترولية جاء للجهاد ومتحمسًا، فجاء والده إلى بيشاور ومعه اثنا عشر شخصًا من أفراد أسرته لإرجاع ابنهم، وكنت جالسًا مع حكمتيار، فأخذ والده يتوسل بالحسنى أن نقنع ابنه، فسأله حكمتيار: كم ولدًا لك؟ قال: سبعة ذكور، فقال: لقد أعطاك الله سبعة أولاد، أفلا تعطيه ولدًا واحدًا؟! وعندما فشل الأسلوب اللين بدأ الوالد يتهدد ويتوعد أن يسبب ولده سوء العلاقة بين الجهاد وبين بلده، ثم هدد بالشكوى إلى بوليس الإنتربول، ثم بدأت التليفونات والاتصالات من بلده إلى الشيخ سياف، ولم يزل يفتل لسياف بين الحبل والغارب حتى أعطاه سياف وعدًا بإرجاع ابنه بعد فترة، فهل تريدون من أب أو أم أن يسمحوا لابنهم بالجهاد؟!

كارثة ١٩٦٧م:

لقد هزمنا في فلسطين سنة «١٩٦٧» تلك الهزيمة النكراء التي لم يشهد لها التاريخ مثيلًا، وخرجنا مهاجرين إلى الضفة الشرقية من نهر الأردن، فحاولت أن أؤدي بعض الواجب فاشتركت مع المجاهدين، وحاول والدي أن يثنياني عن الجهاد، وعندما يئسوا عن إقناعي التجؤوا إلى البكاء الذي كان لا يفارقهم طيلة مشاركتي في الجهاد حتى ازداد الضغط عند أمي التي طعنت في الثمانينيات..

وختامًا أعود فأقول: لا زلت مصرًّا على أن الجهاد فرض عين، ولا إذن لأحد على أحد، وأن الجهاد الأفغاني الآن: أوضح جهاد في الأرض، ورايته أنصع راية، ولا زلت أقول: إن الجهاد الأفغاني خارقة من خوارق العصور الحديثة، ولقد علمت بيقين أن الجهاد الأفغاني يدرس الآن في الأكاديميات العسكرية وعلى أعلى المستويات كأسطورة من الأساطير فوق أرض الواقع أعيت العقل البشري أن يجد له تفسيرًا سوى أن: يد الله عز وجل هي التي تدير المعركة، فهل يقبل المسلمون رأينا ويقبلون إلينا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (المائدة: ٥٤).

«وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك».

الرابط المختصر :