; شعر محمود مفلح من عيون الأدب الإسلامي المعاصر | مجلة المجتمع

العنوان شعر محمود مفلح من عيون الأدب الإسلامي المعاصر

الكاتب الدكتور محمد علي الهاشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-1990

مشاهدات 62

نشر في العدد 949

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 09-يناير-1990

تألقت في سماء الأدب الإسلامي المعاصر نجوم من الشعراء، تفتحت قرائحهم في أجواء الصحوة الإسلامية، ونهلوا من مناهلها العذبة الصافية، واستضاءوا بمشكاة الوحي وهدي النبوة، فجاء شعرهم أصيلًا في منطلقاته، غنيًا ثرًا في مضمونه حيًا متدفقًا بالعاطفة النبيلة الصادقة والفن الرفيع.

ذلك أن الفن العالي لا يتسرب إلا من القلب المرهف الشاعر الذي يهتز طربًا للسراء ويرتجف ألمًا من الضراء، ويعكس ما يعتلج فيه من مشاعر الفرح والترح، واللذة والألم والارتياح والانقباض وشعر النجوم من الإسلاميين في معظمه من هذا النمط من الفن.

ومن هؤلاء الشعراء المتألقين في ساحة الشعر الإسلامي الرحيبة الشاعر محمود مفلح، فقد أتيح لي أن أطلع على طائفة صالحة من شعره في دواوينه الثلاثة إنها الصحوة، وشموخًا أيتها المآذن والراية، وأبت من هذه الإطلالة السريعة على تلك الدواوين بشعور واضح عميق بأن الشاعر محمود مفلح لم يقل الشعر تزجية للوقت وتسلية، ولا مكاء للكبراء وتصدية.. وإنما انساب الشعر من نفسه المفعمة بالمشاعر النبيلة، ومن فكره المترع بالمثل العليا والمبادئ القويمة، ومن تصوره الإسلامي الراشد الواعي للكون والحياة والإنسان، ومن فهمه العميق لرسالة الشعر.

وقد صور فهمه للشعر وتصوره للشاعر ورسالته في الحياة، في غير موضع من دواوينه، فقال(1):

وقصائد مثل العرائس مهرها

             غال، وأخرى ليس فيها مطمع

 فوق النجوم تعيش بعض قصائد

             والبعض في عفن القمامة يقبع 

وأجلهن قصيدة عربية

فيها من الإسلام شمس تسطع 

تأبى على أهل الغرور غرورهم

             وتشد من أزر الضعيف وتمنع 

وتثور في وجه الطغاة وتنبري

             للظالمين، تؤزهم وتزعزع

 وإذا أصاب المسلمين مصيبة

             فهي التي من أجلهم تتوجع 

وهي التي تأسوا الجراح بليلهم 

والفجر من جرح القصيدة يطلع 

وهي التي تنهل في صحرائهم

مطراء وتحفر في الصخور وتزرع

 حسب القصائد أنها لا تنحني

             إلا لجبار السماء وتركع 

إنها المقارنة التي تبرز البونا شاسعًا بين الشعر العزيز الحر والشعر الذليل الرخيص، فقصائد الأول كالعرائس تميس فوق النجوم، وقصائد الثاني تقبع في عفن القمامة. وأجل القصائد وأجدرها بالبقاء والخلود هي القصائد الحرة الصادعة بالحق، الثائرة في وجه الطغاة، الآسية جراح المسلمين. وهي المزن الهتون المغدق الذي يهب الصحراء القاحلة والصخور الصلدة الحياة والخصب والنماء. وهي فوق ذلك كله العزيزة التي لا تنحني إلا لجبار السموات والأرض.

لقد عرف الشاعر محمود مفلح قضيته وهويته ودربه المتميز، وهذا شأن الشاعر المسلم الصادق، وأدرك خصومه من جميع الفئات وراح يصليهم نارًا حامية، ويرجمهم بصواعق شعره الحار المتوهج(2).

أنا منذ أطلقت الشراع عرفت أن لنا قضية 

وعرفت أن لنا هوية 

وعرفت أن المارقين الحاقدين الخائنين هم البلية

 فرجمتهم.. ورجمت آلهة السياسة والبذاءة

والنجوم الخلبية

ورجمت أشكال الجزارة والنخاسة والوصاية

في الشعوب الجاهلية

من هذه الرؤية الراشدة لرسالة الشاعر انطلق شاعرنا محمود مفلح يفتق أكمام المعاني، ويصوغ الموضوعات الساخنة التي تلامس كوامن المشاعر في نفوس جيل الصحوة الإسلامية، وتفتح عينيه على الواقع المر الذي تعيشه أمة الإسلام، وتبين له الفرق الشاسع الكبير بين ما أراد الله لهذه الأمة من عزة وسيادة ومنعة وسؤدد، وما رضيت به لنفسها من ذل وتبعية وضعف وتخلف، وترسم له طريق الخلاص والتحرر من ذلك الواقع المزري المهين. ومن هذه الموضوعات الساخنة:

1- بين الماضي المجيد والحاضر المقيت:

لقد صور الشاعر محمود مفلح ماضي أمة الإسلام الشامخ، يوم كانت في علياء مجدها، وصور حاضرها المهين، وهي في حضيض ارتكاسها وتخلفها، وألح على هذا المعنى في كثير من قصائده مستثيرًا هم المسلمين ليخلعوا عنهم نير التخلف، ويستعيدوا ذلك المجد العريق المؤثل(3).

ملعبًا للنجوم كانت روابينا

وقاماتنا من النجم أعلى

نحن من رصع الزمان شموسًا 

وأحال الرمال ماء وظلًا

أن يكن أمنا البعيد هزبرا

فلقد عز أن يرى اليوم شبلًا

قصعة نحن في عشاء المحاسيب

دعاء على الوليمة يتلى

 فيا للمفارقة الهائلة بين الأمس واليوم، إذ أصبحت الأمم تتداعى علينا كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، كما في الحديث الشريف المشهور.

2- أخوة الإيمان:

لقد انتشت نفس الشاعر محمود مفلح بتلك الرابطة المقدسة التي تربط المسلم بأخيه المسلم، وهي رابطة الأخوة في الله، مهما كان لونه وجنسه ولغته، ذلك أن أخوة الإيمان أمتن روابط القلوب، وأنظف وشائج النفوس وأسمى صلات العقول والأرواح. فلا بدع أن تنفعل نفس الشاعر بكل مشهد يجسد هذه الحقيقة النورانية الخالدة، فتتسرب على لسانه شعرًا يحكي عظمة عقيدة الإسلام التي وحدت بين المؤمنين من شتى الأجناس والألوان واللغات.

ومن أبرز هذه المشاهد التي هزت مشاعر شاعرنا منظر الحجيج اللجب المتدفق إلى مكة المكرمة كالبحر الزاخر، تتابع أمواجه البشرية من كل جنس ولغة ولون ووطن، جمعتهم عقيدة التوحيد، وجعلت أفئدتهم تهوي إلى بيت الله المحرم، فانسابت جموعهم من القاصي المحيط ومن السند، وقد تجلت في وسط هذه الجموع الهادرة بكلمة التوحيد عظمة العقيدة السمحة التي ألفت بين هذه القلوب(4).

دفقت مكة العظيمة بالبحر

فموج يأوي وموج يبين

وحدتهم عقيدة، أين منها 

لوثة الطين والقمى والجنون؟! 

من أقاصي المحيط جاءوا من 

السند وشاهت بحشدهم بكين

أین منها عقائد هابطات

بعضها صخرة وبعض عجين! 

ليس إلا ما يشبع الفرج والبطن 

فبئت فروجهم والبطون

3- التسلط والطغيان والنفاق:

تصدى الشاعر محمود مفلح للتسلط والطغيان الذي جثم على صدر هذه الأمة في كثير من أقطارها، فعری مخازيه وسوءاته وأطلق صيحات عاليات في وجه المتسلطين من الطغاة، وأزرى ببطانة السوء من المنافقين المصفقين المتزلفين الملتفين حولهم، يزينون لهم طغيانهم، ويشيدون بظلمهم وتنكيلهم بالشعوب(5).

عشنا على التصفيق أعوامًا وكان به الغرام 

وتورمت منا الأكف وطقطقت منا العظام 

حتى الهزيمة قد شربناها وأسكرنا المدام 

وهزائم في كل معركة وقائدنا همام 

تهوي السياط على الظهور فلا يساورنا انتقام 

ونقول للجلاد عاش السوط ويحيا النظام

4- قضية فلسطين

كان لفلسطين وطن الشاعر الأم النصيب الأوفى من شعره، ومن ثم كان كثير من شعره يدور حول مأساة العرب والمسلمين في فلسطين. ومن روائع قصائده فيها: «وفلسطين زعتر ورصاص». فقد شخص فيها مأساة الشعب الفلسطيني الظامئ إلى العودة والتحرير، بعد أن قضى جيل النكبة عمره في كفاح مرير، وظمأ شديد وتطلع وأصب ليوم النصر.

وقد نظم قصيدته هذه قبل قيام الانتفاضة المباركة بأكثر من سنتين، وتحدث فيها عن جهاد الشعب الفلسطيني لتحرير أرضه، وكأنه ينظر اليوم إلى الانتفاضة التي فجرها الكماة الصيد الأباة من أبناء الإسلام في أرض الإسراء والمعراج، حتى أنه ليتحدث عن سلاح الحجارة إن فات المجاهدين الرصاص! إنها الرؤية الإسلامية الصحيحة الحقيقة الجهاد الصادق المحرر(6).

إنها غضبة الشعوب ففي الأرض 

هدير، وفي السماء أصداء 

آية شعبي وأنت أصلب شعب

ولدى السبق تعرف النجباء 

شق درب الكفاح بالجسد العاري

وزخت أحجاره الصماء

 إن عدمنا الرصاص فالحجر الغاضب

منا رصاصة وقضاء 

لم يمت شعبنا العظيم ولا جفت

على الدهر تربتي السمراء 

نحن من أتقن الشهادة حتى

ظن أنا- من دوننا- الشهداء

 نحن من أكسب الحجارة نبضًا

فإذا الأفق برقها والشتاء

5- الجهاد في أفغانستان:

توالت صيحات الشاعر منددة بالعدوان الشيوعي على أفغانستان، مشيدة بالمجاهدين الأبطال الميامين الذين هبوا ليمسحوا وصمة العار عن جبين شعبهم، بدحر قوى الشيوعية وتقويض النظام العميل الذي أقامته على ثرى أفغانستان المسلمة.

ومن تلك الصيحات المتوالية قصيدته «كابول» المدينة المسلمة المنكوبة بالشيوعيين الملاحدة الطغاة، وهي قصيدة تنبض بالثقة واليقين بنصر الله للمجاهدين، ودحر الطغاة. فما كان لتلك المدينة الباسلة بنت الإسلام الحنيف، أن تذل للطغاة المجرمين وتستسلم لحكمهم البغيض، بعد أن رفع المجاهدون راية التوحيد، وهبوا لتحرير بلادهم من رجس الكفر والإلحاد(7).

لن يطول الظلام يا كابول

الطواغيت كلها ستزول

 أنت بنت الإسلام والشامة الزهراء 

في خده وأنت القبيل 

أنت بنت الإسلام والمجرم الوغد 

سراب على ثراك دخيل

 راية الله في سمائك كالنسر

             وفرسانه لديك الأصول

 إنها ثورة العقيدة فالأرض 

حنين والمسلمون سيول

6- جيل الصحوة الإسلامية المنقذ:

للشاعر محمود مفلح وقفات كثيرة عند جيل الصحوة الإسلامية المنقذ، إذ قلما تخلو قصيدة من قصائده التي عالج فيها أوضاع الشعوب المسلمة من ذكر جيل الصحوة الذي تعقد عليه الآمال، وله قصيدة بعنوان «جيل الصحوة»، ركب فيها متن شعر التفعيلة الحر، ووجه نداءه لجيل الصحوة الإسلامية المحصن بالعقيدة السائر في مواكب النور، فهو يناديه بجيل المصاحف تارة، وبخمير الأرض تارة أخرى وبطلق الولادة تارة ثالثة، ويرى فيه النبع الشر المتدفق في صحراء الأمة الظمأى، والجيل الجاد الذي كان برهانًا ساطعًا على إعادة الشقة بأمة الإسلام، وشهادة ناطقة بجدارتها في الحياة(8).

وأقول للجيل الجديد

وأقول للجيل المحصن بالعقيدة والمتوج بالصباح

وأقول يا جيل الكفاح إنا بلونا الليل والأشباه والموت المؤجل والجراح

وأقول يا جيل المصاحف

يا خمير الأرض.. يا طلق الولادة 

ها أنت كالينبوع تدفق في صحارينا

وتمنحنا الوثيقة والشهادة 

وبعد لقد عزف الشاعر محمود مفلح على قيثارة شعره ألحان العزة الإسلامية، وصور ماضي المسلمين المشرق وحاضرهم المظلم، ورسم سبيل نهوضهم وتحررهم، وأرسل صيحات جريئة في وجه الطغاة وبطانتهم من المنافقين وأزرى بتبعية الأذناب والعبيد، وأشاد بأخوة الإيمان وجيل الصحوة الإسلامية المنقذ، وحيا جهاد المجاهدين في فلسطين وأفغانستان.

وكان يصدر في هذا كله عن عقيدة راسخة بأن لا خلاص للمسلمين من تخلفهم وتبعيتهم وذلهم واستكانتهم إلا بعودة صحيحة إلى الإسلام. وقد أترع إيمانه بأفكاره نفسه بالمشاعر الملتهبة، وأكسبها حرارة المعاناة، فجاء شعره نابضًا بالعاطفة المتأججة الريا، موارًا باللفظ الكريم الجزل مزدانًا بالتعبير الناصع الجميل والصورة المجنحة الشاخصة، والقافية المتينة العذبة، والإيقاع المطرب الأخاذ، أسمعه يقول(9):

أنا ما سجدت ولا انحنيت بقامتي 

إلا لربي الواحد الديان

إنما مسلم وأقولها ملء الهوى

 رغم الدجي والسوط والقضبان

أنا مسلم، والنور ينبض في دمي

ولأن كل المكرمات لساني

 أنا مسلم، والشمس تألف هامتي

 والسائرون بدر بها إخواني

ما خل سيف العاديات عزيمتي

كلًا، ولا هز الأذى إيماني

أنا كلما سقطت على قذيفة

هطلت عليّ سحائب الرحمن

أنا كلما قطعوا بنانًا من يدي

نبتت على كفي ألف بنان 

بهذا المضمون العالي، وبهذا الأسلوب الحي المتدفق الجميل، كان شعر محمود مفلح من عيون الأدب الإسلامي المعاصر، وكان صاحبه من النجوم المتألقة في سمائه.

___________

(1) إنها الصحوة: ١٠

(2) الراية: ٦

(3) إنها الصحوة ١٠

(4) الراية: ١٣

(5) شموخًا أيتها المآذن: ۱۱

(6) الراية: ١١

(7) الراية: ١٤

(8) إنها الصحوة: ٣٧

(9) إنها الصحوة: ٥٤ – ٥٦.

الرابط المختصر :