العنوان عالمية الإسلام تفرض عالمية المسلم
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 07-سبتمبر-2002
مشاهدات 54
نشر في العدد 1517
نشر في الصفحة 47
السبت 07-سبتمبر-2002
المنهج الإسلامي والدعوة المنبثقة عنه، وتعاليمه الفطرية، ليست نظامًا تاريخيًّا أو دستورًا زمنيًّا، جاء لفترة محدودة أو وقت معين أو نزل لحقبة من حقب التاريخ المتعاقب الحلقات كما جاء كثير من الملل وظهر العديد من المذاهب والنحل على طريق الإنسانية الطويل، ولكن رحمة الله قضت أن تكون الرسالة الإسلامية عامة غامرة وقوية عارمة، كما قضت رحمة الله أن تجتمع الإنسانية على إيمان، وتلتقي على تقوى وهدف، فتتعانق العبادة مع السلوك، وتتوحد الوجهة والقبلة وتلتقي الأشواق والغايات على كتاب ورسالة وقائد ورسول وينطلق الوحي بالكلمة الفاصلة، ليؤكد أخوة الإنسانية وعالمية الرسالة، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 92).
هذا، وقد أكد القرآن عالمية الرسالة في آيات كثيرة صارت كفلق الصبح، وحقيقة جلية لا يزيغ عنها إلا هالك، ولا يحيد عنها إلا ضال. ولقد قطع الإسلام الطريق على الأهواء الشاردة التي تظن أنها تخدع العقول بزمزماتها، وتعاويذها، فقال سبحانه ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: 85)، ثم توالت الآيات التي توضح عمومية الرسالة في القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سبأ: 28).
ولقد جاءت طبيعة القرآن مجهزة ومعدة لتكون دواء للبشرية جمعاء فقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (الفرقان: 1) وجاء رسول الإسلام معدًّا لذلك الأمر الجلل الذي لا يتحمله غيره، فقال تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ (المزمل: 2-5).
ثم كان بعد هذا الإعداد التكليف بالإرسال لإزاحة الباطل، وإثبات الحق، رغم أنف المفسدين الكافرين، فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (الصف: 9) وقال: تعالى: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا ۖ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (الأعراف: 198) وقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ * لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (يس: 69-70).
هذه الآيات الكريمة كلها مكية وهي تقرر كما رأينا عالمية الرسالة منذ بدء الوحي وفي الأيام الأولى التي كانت الدعوة فيها - على أول عتبات المخاض الصعب- تعاني ما تعاني وكان أهل مكة يستكثرون على محمدﷺ أن يكون رسولًا لهم وحدهم ويقولون تلك القولة التي حكاها القرآن الكريم، ورد عليها: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا * إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا ۚ وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (الفرقان: 41-42).
واستكثار المشركين على رسول الله أن يكون نبيًّا لهم، لن يغير من الأمر شيئًا بالنسبة لإرادة الله سبحانه، وسنته في خلقه ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ (فاطر: 43)، هذا وقد قال رسول الله ﷺ فيما أخرجه البخاري قال: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل حيث كان، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة»، فأخبر ﷺ أنه بعث للناس كافة.
وأخرج مسلم عن ثوبان عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها، وإني أعطيت الكنزين الأحمر والأبيض وهما كنزا كسرى وقيصر»، كما أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله»، وتعلقات تلك الرسالة تشمل الدنيا والآخرة، روى مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار»، هذا وعالمية الرسالة تقتضي أمورًا كثيرة منها:
عالمية الدعاة والفرد المسلم، لأنه بطبيعته داعية، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (التوبة: 71)، عالمي الأهداف والغايات والوسائل، حتى يستطيع أن يكون في مستوى ما يدعو إليه، وفي مستوى يؤهله لأن يكون قدوة في التأثير والعمل والريادة، يستطيع إحقاق الحق وإبطال الباطل ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: 24).
العزة؛ لأن فاقد العزة ذليل مهين، فيقتضي أن يكون حامل الرسالة عزيزًا مثلها قويًا على منوالها، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: 8) ولا عزة من دون قوة ومن دون نفوس رفيعة وسواعد فتية وقلوب عامرة بالإيمان والتقوى ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران: 139-140) قد أكد هذا المعنى رسول الله ﷺ حيث قال: من أعطى الذلة من نفسه طائعًا غير مكره فليس منا؛ فهل نحن اليوم على مستوى رسالتنا عالميون، أعزة كرام، أم أننا انفصلنا عن الرسالة فتركتنا، وتخلينا عنها فتخلت عنا؟! نسأل الله العون والسلامة، آمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل