العنوان اللغة العربية وقضية التخلف «1 من 4»
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر السبت 19-نوفمبر-2005
مشاهدات 76
نشر في العدد 1677
نشر في الصفحة 52
السبت 19-نوفمبر-2005
(1)
في أواسط أغسطس ٢٠٠٤م، شاركت في برنامج تلفازي يبث على الهواء حول المظاهرة التي قادها "شريف الشوباشي" .. وكيل وزارة الثقافة ورئيس مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، والصحفي بجريدة الأهرام، وهي المظاهرة التي هتف فيها بسقوط سيبويه، عالم اللغة العربية الأشهر من أجل تطوير اللغة العربية وتقدم العرب وقد أحسست من خلال المداخلات والمشاركات التي كان "الشوباشي"، طرفًا فيها، أن الموضوع بدا مظاهرة ولكنه لم ينته بعد، وأظنه لن ينتهي الأسباب، منها:
- أن توقيت طرحه جاء موازيًا أو مواكبًا لدعوات أخرى اتخذت شكل أحزاب جديدة أعلن عنها البعض ترفض عروبة مصر، واللغة العربية، وتدعو إلى بعث الهيروغليفية، بوصفها أساس العامية المصرية الجارية الآن.
- أن إثارة الموضوع من خلال حفاوة شبه رسمية، سواء من الناشر الذي أبرز صورة المؤلف على غلاف الدعوة على غير العادة، وأبرز الهتاف بسقوط سيبويه من خلال بنط كبير للغاية، أو من خلال بعض الصحف والكتاب الذين روجوا للموضوع، ثم تجييش بعض البرامج الإذاعية والتلفازية لتقديم الدعوة بوصفها تصب في سياق ما يسمى بالتنوير، يعني أن الأمر ليس بسيطًا ولا هينًا، وليس مجرد رأي شخصي قد يحالفه التوفيق أولًا.
- أن التركيز على تعليق جريمة التخلف العربي في رقبة اللغة العربية، وتجاوز الأسباب الحقيقية لهذا التخلف يشي بأن المقصود هو صرف الأنظار عما يجري للأمة من هوان ومذلة وانهيار، والوقوف على قضية ذات مستوى علمي تخصصي بمنهج دعائي بعيد كل البعد عن المعالجة العلمية والمنهجية لمشكلة نتجت عن التخلف العربي ولم تكن سببًا فيه بحال من الأحوال.
- أن هذه الدعوة قديمة قدم النهضة الحديثة. فقد بدأت في الربع الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي، وقادها بعض الأجانب الذين رأوا في اللغة العربية عائقًا أمام أطماع الغرب الاستعماري في تحقيق التبعية والتغريب، فنشروا آراءهم التي يعيد إنتاجها، "الشوباشي"، بعد قرن وربع قرن من الزمان ومن هؤلاء "اللورد جراي"، واللورد كرومر وخليفته دانلوب والسير ويليام ويلكوكس، والمستر ويلمور ... وستعود بعد قليل إلى عرض بعض آرائهم بإيجاز مع آراء بعض المصريين والشوام الذين شايعوهم لنرى مدى الاتفاق والاختلاف مع دعوة الشوباشي التي قدمها من خلال تظاهرته وهتافه وبسقوط سيبويه.
(۲)
يقول: شريف الشوباشي في كتابه: "لتحيا اللغة العربية يسقط سيبويه" الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ٢٠٠٤م، ص ١٦٦:
وبعيد عن ذهني تمامًا أن أدعو إلى تطوير جذري يقضي على أسس اللغة العربية، فمثل هذا التطوير يقطعنا عن تراثنا وثقافتنا، وهو مرفوض تمامًا بالنسبة لي. فنحن العرب أصحاب ثقافة من أهم الثقافات الإنسانية، ومن الجنون التفريط في هذه الكنوز التي تركها لنا السلف.
والمطلوب هو العمل على تطوير اللغة بجرأة، ولكن دون نسف الأسس التي قامت عليها والحفاظ على الشكل والقواعد الأساسية التي وضعها السلف. وأعلم أن أي تطوير للغة بمس جوهرها هو خوض في بحر غريق. لكن عبور هذا البحر هو سبيل الخلاص للعقل العربي وإنقاذه من الحلقة المفرغة التي يدور فيها منذ عدة قرون.
ومع هذا التناقض الذي تحمله دعوة الشوباشي إلى التطوير الجذري دون نسف الأسس والثوابت فإنه يصر على وصم اللغة العربية بالتعقيد والصعوبة، والقيد الذي يكبل العقل العربي ويغل طاقات العرب الخلاقة والإسار الذي يخنق الأفكار ويلجمها «وهي تسهم للأسف في حرماتنا من الانطلاق إلى الآفاق الرحبة التي يفتحها العلم الحديث ووسائل المعيشة المواكبة للتطور العلمي. وباختصار فإن اللغة أصبحت سجنًا يحبس العقل العربي بين جدرانه الحديدية بإرادته المستكينة» (ص ۱). ثم إنه يرى في رسوخ اللغة واستمرارها جمودًا وتحجرًا ينعكسان سلبًا على العقل العربي ويقول: فأنا أعتبر أن اللغة هي إحدى عناصر تخلف العالم العربي، وأن تحجر البعض في تناول قضية اللغة من أسباب عملية إجهاض النهضة (ص ١٥). أيضًا، فإنه يطالب بإعادة النظر في القواعد الأساسية للغتنا لتصبح أداة فعالة لتفجير طاقات العقل العربي المحتسبة في هيكل اللغة المقدس (1) وزعم أنه على ثقة من أنه يترجم المشاعر الدفينة في نفوس ملايين العرب وهو يهتف قائلًا: يسقط سيبويه
ويقول ما فحواه: إن المجتمعات المتقدمة ليست على استعداد لإضاعة وقتها الثمين في الكلمات الرنانة الفارغة من أي محتوى، وفي القواعد المعقدة والجناس والطباق والمقابلة والاستعارة المكنية وغير المكنية وما شابه ذلك من محسنات بديعية (ص ١٤).
ويهدد الأمة بأنه إذا لم تجدد اللغة العربية نفسها فتبقى دائمًا لغة العرب المشتركة، أو تتقوقع على نفسها فتواجه خطر الزوال الحساب اللهجات كما حدث للغة اللاتينية في القرون الوسطى (ص ۱۰)
هذا مجمل الخطوط الرئيسة لدعوى تطوير اللغة العربية التي يراها سبب تخلف العرب وابتعادهم عن التطور والانطلاق...
وهذه الخطوط بما فيها من تناقض تعيد إنتاج ما قيل ونشر في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، فقد قال اللورد جراي حين سئل في مجلس العموم البريطاني عن تعليم اللغة العربية بمصر: لا تصلح اللغة العربية اليوم لتعليم العلوم إذ تفتقر إلى الإصلاحات العلمية والفنية..
وقد ألقى السير ويليام ويلكوكس، خطبة في نادي الأزبكية عام ۱۸۹۳م عنوانها: لم توجد قوة الاختراع لدى المصريين، وذكر أن العامل الأكبر في فقد قوة الاختراع لديهم هو استخدام العربية الفصحى في القراءة والكتابة، ونصحهم باتخاذ العامية أداة للتعبير الأدبي، اقتداء بالأمم الأخرى كبيرة منذ هجرت اللاتينية التي كانت لغة الكتابة والعلم يومًا ما.
لقد اتخذ "ويلكوكس" من مجلة الأزهر، التي كان يحررها ، إبراهيم بك مصطفى، في أواخر عام ۱۸۹۲م «وهي غير مجلة الأزهر التي صدرت عن مشيخة الأزهر فيما بعد وتصدر حتى الآن» منبرًا يتهجم فيه على لغة القرآن، ويوحي إلى المصريين بأنهم ليسوا عربًا ولا صلة لهم ولا للغتهم بالعرب بل ادعى ما هو أدهى، إذ زعم أن اللهجة التي يتكلمها المصريون تمت إلى اللغة الفينيقية أو البونية، كما سماها، انحدرت إليهم منذ أن كان الهكسوس بمصر، وأنه لا صلة لها بالعربية، ونشر ذلك من خلال براهين مضحكة في كتابه سورية ومصر وشمال إفريقية ومالطة تتكلم البونية لا العربية الذي ظهر عام ١٩٢٦م، وفيه عدد الصعوبات التي يجدها المصريون في تعلمهم اللغة العربية. وقد حاول أن يدعم آراء الغربية بالتأليف بالعامية، كما ترجم بها قطعًا من بعض روايات شكسبير، وبعض فصول من الإنجيل، فجاءت الترجمة سخيفة ركيكة أساءت إلى شكسبير والإنجيل معًا، وفي كتابه الذي ألفه بالعامية تحت عنوان: الأكل والإيمان فخانته العامية، ولجأ في كثير من تعابيره إلى الفصحى لتمده بالكلمة الصحيحة.
وفي عام ۱۹۰۱م، أصدر «مستر ويلمور»، أحد قضاة مصر كتابًا تناول فيه هذه المسألة، ونصح المصريين بهجر اللغة الفصحى، واتخاذ العامية أداة للتعبير والكتابة، وقد أثار الكتاب ردود فعل عنيفة. وتصدى له العديد من الكتاب، وكانت مجلة الهلال ميدان هذه المعركة، حيث أيدت العربية ودافعت عنها «راجع السنة العاشرة من الهلال وخاصة عدد فبراير ۱۹۰۳م».
وقد تابع عدد من المصريين هؤلاء الأجانب في الدعوة إلى التخلص من الفصحى بوصفها حائلًا بين المصريين والتقدم، وقد حاول، إسكندر معلوف من سورية، أن يوهم جمهور المصريين بأن اللغة العربية الفصحى من أهم أسباب تأخرهم وأثنى على اللغة الإنجليزية، وطالب بأن تكتب الصحف والمجلات بالعامية بدلًا من الفصحى وتدوين العلوم والآداب بالعامية ليستطيع الشعب تحصيل العلوم بسهولة.
أما «سلامة موسى» فقد أثنى على ويلكوكس. ودعوته إلى العامية، وزعم أنه شغلته هموم مصر كثيرًا، وأقضت مضجعه وأكد دعوة الرجل إلى العامية، وانهم الفصحى بالعجز عن تأدية الرسالة الأدبية والعلمية. كما زعم أن الفصحى تبعثر وطنيتنا وتجعلها شائعة في القومية العربية (11) «المزيد من التفاصيل راجع عمر الدسوقي في الأدب الحديث. ج 2 الفصل الأول».
■ السقوط
السقوط الوقوع ...
يقال: سقط فلان أي وقع. ومنه قول أحمد شوقي:
سَقَطَ الحِمارُ مِنَ السَفينَةِ في الدُجى
فَبَكى الرِفاقُ لِفَقدِهِ وَتَرَحَّموا
حَتّى إِذا طَلَعَ النَهارُ أَتَت بِهِ
نَحوَ السَفينَةِ مَوجَةٌ تَتَقَدَمُ
قالَت خُذوهُ كَما أَتاني سالِماً
لَم أَبتَلِعهُ لِأَنَّهُ لا يُهضَمُ
وقال آخر، يرد على أحمد شوقي، مطمئنًا «الرفاق» على «رفيقهم» العزير، الذي ظنوه غرق وابتلعه اليم:
قرَّوا.. فما سَقَطَ الحمار من السفينة «يا رفاق» هو ما يزال يقودها كلفًا على قدم وساق و «نشيده» حادي الورى ما بين طنجة والعراق!
(وواضح هنا، أنَّ كلمة -نشيد- هي ترجمةٌ مهذبة لصوت الحمار المعروف: النهيق!).
ومن معاني السقوط الانحطاط الخُلقيِّ... وانهيار القيمة المادية أو المعنوية للشيء، أو للشخص ... فالساقط هو الذي لا خير فيه. حيوانًا كان أم جمادًا ...!
ولكن حكمة أحد الفضلاء، دفعته يومًا إلى القول:
لكُلِّ ساقطةٍ في الحيِّ لاقطةٌ.. وكلُّ كاسدةٍ يومًا لها سوقُ
ومن معاني هذا البيت، ما هو حاصل في دنيا السياسة اليوم ... فكم من ساقط في قومه، أو بلده في عالمنا العربيِّ والإسلاميِّ وجد من بني الإفرنج من يلتقطه، ويجعل له قيمة، ثم يتاجر به في «بازار» السياسة ويجعل منه «زعيمًا معارضًا» يوجه إليه الدعوة لاجتياح بلاده و«إسقاط» نظام الحكم فيها «الذي قد يكون بدوره ساقطًا خلقيًا» ... ليكون بعد ذلك لهذا الساقط المعارض، شأن في بلاده، فيرتفع إلى سدة الحكم، فيكون ارتفاعه المادي نتيجة لسقوطه الخلقي...!
وممّا ورد في القرآن الكريم عن قوم موسى، حين عبدوا العجل ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ (الأعراف: 148).
ومعنى سُقِطَ في أيديهم هنا: تدموا على عبادة العجل ...!
ويمكن الاستئناس بهذا المعنى عند النظر إلى عبيد العجول في كل زمان ومكان، أيًا كانت هذه العجول بقرية، أو بشرية، أو حجرية، أو ذهبية، أو فكرية ...
عبد الله عيسى السلامة
■ مقتطفات ثقافية
مراكز الأبحاث... إنتاج المعرفة ومسؤوليات المثقف
أصبح وجود مراكز للأبحاث والدراسات من الضرورات المجتمعية الملحة في الوقت الراهن، فالتحديات الكبرى التي نواجهها على جميع المستويات تفرض علينا ضرورة المواجهة والارتفاع إلى مستوى العصر وامتلاك القدرة على المساهمة في صياغة المستقبل والا تقبل باحتلال المقعد الخلفي في ركب الحضارة الإنسانية.
ومواجهة التحديات الحضارية لا يتأتى من خلال مجهودات ومبادرات فردية ولكن من خلال عمل مؤسسي وممنهج وفق رؤية وتصور واضحين من جهة، وتضافر جهود كافة الطاقات والكفاءات العلمية والفكرية من جهة ثانية، وهو ما يتطلب إيجاد بني مؤسسية تحتية خاصة ومستوعبة لهذه الكفاءات والطاقات العلمية تكون كفيلة بتوفير الظروف والشروط المناسبة لممارسة التفكير الجماعي المؤسسي.
المدن الإنسانية
يذكر المؤرخ أتوينبي: أن المدن قبل القرن السادس عشر الميلادي. أي قبل الثورة الصناعية. كانت مدنًا إنسانية تعبر عن تكامل الإنسان وتناسقه وترابطه مع ذاته وهو ما تغير بعد الثورة الصناعية.