العنوان مع فرحة العيد.. هل تخلو دور المسِّنين من نزلائها؟!
الكاتب تسنيم الريدي
تاريخ النشر السبت 05-نوفمبر-2011
مشاهدات 65
نشر في العدد 1976
نشر في الصفحة 54
السبت 05-نوفمبر-2011
لبيك اللهم لبيك
- المتطوعون: نسعى لأن تكون المناسبات الإسلامية فرصة لاستعادة البر المفقود
- قصور في النشاطات التطوعية داخلها فنسبتها لا تتعدى ال 5% ومعظمها يفتقر إلى الاحترافية
تأتي المناسبات الإسلامية والأعياد لتلقي بظلال الفرح والسعادة والحب على القلوب الحزينة من كبار السن داخل دور المسنين من خلال بعض الشباب المتطوعين الذين يسعون جاهدين لتعويض هؤلاء المسنين عن تقصير أبنائهم.
ففي البداية يقول هاني محروس 24 عاماً: «فقدت أبي منذ الصغر، وكم تمنيت أن يكون بجانبي يعيش نجاحاتي وتفوقي، وتعجبت ممن يرمون أهلهم في دور المسنين؛ لذلك نسعى من وقت لآخر لزيارتهم خاصة في رمضان والأعياد حتى ندخل السرور على قلوبهم، وننسيهم ما فعله بهم الأبناء».
وتتفق معه هالة فتحي 18 عاماً: «المسنين بحاجة إلى من يستمع إليهم ويعرف مشكلاتهم، ويخفف عنهم خاصة مع السن الكبير نشعر كأننا نعامل أطفالاً صغاراً، وأصحاب الدور يكونون في انشغال عنهم؛ لذلك يقع علينا نحن المتطوعين دور كبير مع هؤلاء المسنين، ونحتاج لقضاء وقت أطول، ومعظم المتطوعين يذهبون لملاجئ الأيتام لكن قلة منهم ممن يهتمون بالمسنين».
وتضيف فاطمة الوكيل المشرفة بجمعية نبض الخير بمصر: «عرضنا على إدارة الدار التي تزورها الفتيات أن تقوم باستدعاء أبناء المسنات الموجودات في الدار قبيل العيد، وأن نقوم نحن باستضافة أحد الشيوخ الذين يتمتعون بتأثير قوي في مستمعيه ليُلقي عليهم محاضرة عن بر الوالدين، عساها أن تكون صرخة في هؤلاء الأبناء كي يرحموا آباءهم.».
دموع الشيخوخة
توجهنا إلى إحدى دور رعاية المسنين في مصر التي يشرف عليها الشباب متطوعي جامعة القاهرة، والتي قابلنا فيها السيد شحاته محمود 76 عاماً، والذي استقبلنا بدموع مؤثرة قائلاً: «قضيت حياتي مع زوجتي حيث اقتسمنا مهام الحياة بين توفير المال من جانبي، وتربية الأبناء من جانبها، وعندما توفيت زوجتي منذ قرابة السبع سنوات، بدأ المرض يدب في أوصالي، حتى وصلت إلى حالتي هذه، وبدأت من حولي همسات الأبناء بشأن الميراث، وذات يوم جاءت ابنتي الصغرى، وأخبرتني أننا سنذهب في رحلة إلى الإسكندرية، لكننا سنمر على إحدى الاستراحات؛ لننتظر باقي إخوتها، وللأسف كانت تكذب علي.. فقد كانت هذه الاستراحة هي دار المسنين وبترتيب من إخوتها .»
وبعد بكاء شديد يستكمل كلامه بتقطع واضح: «أنا لم أكن بحاجة إليهم، رغم شعوري بالوحدة من بعد زوجتي، فقد كان لي بيت أعيش به وعندي ما يكفيني من المال، لكن الطمع أسد شرس لا يفرق بين قريب وبعيد .»
وعن وقته في الأعياد والمناسبات يقول: «يأتي الأبناء أحيانا لزيارتي تحت ضغط شديد من إدارة الدار والشباب المتطوعين، ويختلف العيد بعض الشيء عندما يأتي الأحفاد بالهدايا والملابس، لكن للأسف هم لا يدركون أن كل هذا لا قيمة له عندي».
نسيت أن لي ابناً
وفي دار أخرى - مخصصة للنساء فقط- علمنا أن هناك أصغر نزيلة بالدار وهي فادية الكامل 63 عاماً، والتي كانت تتمتع بصحة أفضل ممن حولها، ومن الواضح عليها اهتمامها بنفسها، وقد كانت تحمل ابتسامة عريضة قد تخفي وراءها شيئاً ما، فتوجهنا إليها حيث قالت لنا قصتها: «يتعجب الكثيرون عندما يعلمون أنني جئت هنا بمحض إرادتي، فأنا كنت أعمل بوزارة التربية والتعليم، وكانت لي مكانتي الاجتماعية بين الناس، ليس لدي إلا ابن واحد، وكنت منفصلة عن أبيه منذ صغره، وأنا من تحملت أعباء تربيته وتعليمه وأنفقت عليه من مالي ومن تعبي، ورفضت الزواج بعد زواج أبيه من أخرى حتى لا يأتي من يسلبه حقه في الحياة بسعادة، وعندما تزوج اكتملت فرحتي وظننت أنني سأقضي باقي عمري بين أحضانه يرعاني، لكنه للأسف لم يحسن اختيار زوجته، والتي كانت السبب في حضوري هنا بجفائها وقسوتها، لكن للأسف هي لا تدرك أن ابنتها ستفعل معها مثلما فعلت هي معي بالضبط».
ثم قالت: «أنا لا أريد رؤيتهما، فأنا سعيدة هنا، أجد من يرعاني ويحنو علي، وفي العيد يأتي الكثيرون من أصحاب الخير ويقضون معنا أوقاتاً جميلة، نسيت أن لي ابناً، بل أندم على سنوات عمري التي أضعتها لأجله، وقلبي غير راضٍ عنهما أبداً هو وزوجته».
المناسبات.. واستعادة البر
ويقول د. وائل الفقي أحد الناشطين في مجال التطوع والمشرف على قسم الشباب بجمعية الخير للكل: «قد تكون دار المسنين مأوى لمن مات شريك حياته، وأصبح بلا أسرة ولا أبناء، لكن أن تصبح الفكرة مستساغة لدى البعض، لكي يتهرب الأبناء من خدمة ورعاية والديهما، فهذا من الجحود والعقوق والذي لن يغفره الله تعالى».
فالإنسان يحصد ما زرعت يداه؛ فحينما سيكبر الأب من الطبيعي أن يعامله ابنه بما غرسه فيه منذ الصغر.
فنحن نوضح للشباب المتطوع المهتمين بزيارة دور المسنين دورهم في الدعم الذي يقدمونه للمسنين بالإضافة لدورهم في تذكير أهالي المسنين بجرمهم تجاه آبائهم وأمهاتهم، فلماذا لا يكون العيد صفحة جديدة يفتحها هؤلاء الأبناء مع آبائهم؛ ليخرجوا من سجن دار المسنين، ويقضوا ما تبقى من حياتهم بين أحضانهم، ليزيلوا عن آبائهم هذه المرارة والشعور بالخيانة والجحود من قبل الأبناء؟!
تقصير واضح
وعن مدى إقبال الشباب للتطوع بدور المسنين، يقول عادل سلطان مدير فريق شباب همة التطوعي السعودي: «قمنا مؤخراً بعمل دراسة لبرنامج تطوعي خاص بدور المسنين، وتضمنت الدراسة تلمس الواقع، والذي حكى أن هناك قصوراً وضعفاً في النشاطات التطوعية الخاصة بدور المسنين من قبل أغلب الفرق التطوعية، فنسبة النشاطات الخاصة بدور المسنين لا تتعدى ال 5% من أغلب النشاطات العامة، ومعظمها يفتقر إلى الاحترافية.
فلقد تبين في دراسة لأحد مراكز التطوع الأجنبية المتخصصة أن الزيارات الخاطفة لدور المسنين من قبل بعض المتطوعين قد تحقق أثراً إيجابياً مؤقتاً، ولكنها تترك أثراً سلبياً كبيراً على نفسية المسن حينما يتعلق بذلك الزائر أو يشتاق له، أو يعقد المقارنة بينه وبين أبنائه ممن هجروه، أو قصروا في حق زيارته. ولذلك وجب دراسة مثل هذه النشاطات لتقديمها بشكل إيجابي وفعال.
نشاطات وتميز
وعن الأنشطة المقترحة للمتطوعين في دور المسنين يضيف قائلاً: «أغلب النشاطات المقدمة من قبل الشباب المتطوع يجب أن تكون عبر أهداف معينة قصيرة وطويلة المدى، ومن تلك النشاطات مثلاً:
- تخصيص ساعات معينة في اليوم للتكفل بخدمة ورعاية المسن، وقبل ذلك تلقي المتطوعين تدريبات خاصة بذلك، وأيضاً تهيئة المتطوع النفسية بحضور محاضرة تثقيفية عن مدى أهمية هذا الأمر وأثره النفسي والإنساني.
- التكفل بتدريب بعض المسنين ببعض المهارات التي بإمكانهم القيام بها، وهذا له من الأثر الكبير ما قد يُحسن من صحة المسن النفسية والعضوية.
- تفعيل المجتمع للتفاعل والتجاوب مع فضل زيارة دور المسنين من خلال حملات توعوية وتثقيفية تبدأ في المدارس، الجامعات، المجالس، والأسرة.
توجهنا إلى الأستاذ الدكتور مصطفى الفار أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر حيث يقول: «وصى الله سبحانه وتعالى الإنسان بوالديه في القرآن في أكثر من آية بقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، ولو علم الأبناء أن بر الآباء طريقهم إلى الجنة لما حدثت مثل هذه الجرائم.
وهذه الظاهرة - انتشار دور المسنين - راجعة إلى تغيير قيم المجتمع من التراحم والتضامن والحب إلى قيم المادة شكلاً ومضموناً، فضلاً عن دهور التنشئة داخل الأسرة، وافتقاد الابن للقدوة الحسنة، فالتفكك الأسري صار سائداً في الكثير من المجتمعات، حيث نجد الكثير من جرائم جحود الأبناء، وأرى أن إيداع أحد الوالدين دور المسنين يعتبر من إحدى هذه الجرائم، وهذا ينم عن أبناء غير أسوياء يرمون بتعاليم الإسلام عرض الحائط، وكذلك العادات والتقاليد، متناسين فضل الآباء عليهم، وهذا كله يدور في حلقة واحدة من انهيار الأسرة. فالمتأمل لحقوق الوالدين في الإسلام يراها عظيمة، فقد قال الرسول ﷺ: «الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضع هذا الباب أو احفظه » (رواه الترمذي وصححه الألباني)، كما نجد قوله ﷺ: «رغم أنفه ثم رغم أنفه ثم رغم أنفه من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة » (رواه مسلم)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «ثلاث دعوات مستجابات لهن، لا شك فيهن، دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالدين على ولديهما».
ورغم كل هذه الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة نجد أن هناك شريحة في مجتمعنا تعتقد أن مبدأ دار المسنين يؤمن حلاً عملياً لمشكلة هرم أحد الوالدين، وتحوله إلى عبء على أحد الأولاد أو بعضهم.