العنوان المجتمع التربوي (العدد 1613)
الكاتب سمية رمضان
تاريخ النشر الجمعة 13-أغسطس-2004
مشاهدات 69
نشر في العدد 1613
نشر في الصفحة 54
الجمعة 13-أغسطس-2004
قدوتنا في التحرك بالقرآن
سميحة رمضان- أكاديمية متخصصة في القضايا التربوية
تصوري أنك أتيتِ بخادمةٍ، أنفقت على ذلك الكثير، ولم تقصري معها في مأكل ولا ملبس ولا راتب، بل قمت برعايتها وتعليمها حتى صارتْ صالحة للقيام بالعمل، وعندها أعطيتيها مجموعة من الأوراق تحتوي على مهامها وتفصيلات أعمالها في كل شأن من الشؤون: المنزل – الطفل – الملابس - الطعام... إلخ)، ثم تركت المنزل في الصباح بعد إعطاء التعليمات لها فيما يجب عليها القيام به، ثم تكون المفاجأة بعد عودتك من الدوام، فالطفل يصرخ ولم تتبدل ملابسه المبتلة والمتسخة والطعام لم يعد والمنزل لم ينظف ولم يرتب والملابس لم تغسل، والخادمة تؤكد لك أنها قامت بقراءة الأوراق بعناية واهتمام، بل ربما حفظت أجزاء منها، فماذا يكون موقفك من الخادمة؟ وكم من الزمن تصبرين عليها؟ وماذا يكون ردُّ فعلك حين تطلب منك الطعام والكساء والدواء؟
أليس هذا حالنا مع القرآن نقرؤه يومياً ونفهمه وقدْ نحفظ الكثير منه، ولكننا لا نعمل به ولا نتحرك به كما يُحبُّ ربُنا ويرضى ثم تنتظر بجرأة - وأحياناً - بغفلة الطعام الفاخر والمسكن الواسع والسيارة الفارهة، والدواء الناجع، والله سبحانه الحليم الكريم يمهلنا ولا يعجل لنا العقوبة، بل إنه سبحانه قد أرسل لنا الرسل (مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) (البقرة : ٢١٣)، ثم أرسل لنا خاتمهم ﷺ الذي كمل به الدين وتمت به النعمة، أرسله ربه ليكون رحمة للعالمين وقدوة وأسوة للمسلمين، قدوة في فهم القرآن وفي تدبر القرآن وفي العمل بالقرآن وفي التحرك بالقرآن، ولا غرو فقد كان ﷺ ترجمان القرآن، قرآناً يمشي على الأرض، وصدقت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فيما أثر من قولها: كَانَ خُلُقُه القرآنَ.
وأنت أيها المسلم قد تكون من المواظبين على قراءة القرآن، ولكننا ندعوك بجانب قراءتك في المصحف أن تتعرف على القرآن المتحرك في الدنيا من خلال تعرفك على رسول الله ﷺ وسيرته وأفعاله وأقواله، ولذا فإننا سوف نقوم فيما يلي بتسليط الضوء على جوانب من حركته ﷺ بالقرآن.
كان رسول الله ﷺ يتنزل عليه القرآن فكان أوّل من يعمل به ويطبقه ويلتزم به، لا عن طاعة وإذعان فقط، بل حباً لربه سبحانه وتعالى حباً ملك عليه فؤاده، وخالط عظامه واستشرى في عروقه وامتزج بنبضات قلبه وومضات فكره، وصاحبه في صحوه ومنامه فكان تطبيقه للقرآن تطبيق المتلهف لصدور الأمر لكي ينفذه على الفور بكل ما تستطيع نفسه الزكية وهمته العالية.
يأمره القرآن بالصدع بالدعوة وإنذار عشيرته الأقربين فيمتثل على الفور، ويواجه القوة الضاربة المؤثرة في مكة بما تكره وبما تنكر وهو الفرد الأعزل.
يأمره القرآن بالدعوة إلى الله، فتكون حياته كلها منذ بُعث حتى قبض ﷺ دعوة إلى الله لا تهدأ ولا تكل.
يأمره القرآن بالصبر والثبات، فيكون ثباته في مكة ثبات الجبال الشمّ الرواسي.
يأمره القرآن بالجهاد، فتكون مدة وجوده في المدينة جهاداً لا يتوقف ولا يستكين سرايا وغزوات وبعوثاً يتلو بعضها بعضاً..
يأمره القرآن بالبذل والعطاء، فيعطي عطاء من لا يخشى الفقر، ويجود جود الريح المرسلة.
يأمره القرآن بالوفاء بالوعد والعهد، فلا يجد أعداؤه من يثقون بعهده ووعده إلا هو.
يأمره القرآن بالعفو، فيعفو عن أشد خصومه عداوة، عفو القادر المتمكن.
يأمره القرآن بالرحمة، فيكون أرحم بالمسلمين من الأم بصغارها.
يأمره القرآن بالعدل فيعدل العدل الذي يعجب له الأعداء قبل الأصدقاء..
يأمره القرآن بالقسط في العقوبةفيترك ما كان يزمع ويصبر ابتغاء ثواب الله.
يقص عليه القرآن قصص الأنبياء، ثم يأمره أن يقتدي بهم وبهداهم: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (الأنعام: ٩٠)، فتتمثل فيه صفاتهم التي استحسنها ربُّ العزَّة فيهم:
- استقامة نوح على دعوته.
- عزم إبراهيم ورحمته.
- إخلاص موسى وصلابته.
- زهد عيسى ورقته.
- تسليم إسماعيل لربه ومشيئته.
- تأويب داود وطاعته.
- شكر سليمان وحكمته.
- إحسان يوسف وعفته.
- صبر أيوب على محنته.
- وإذا كان الرسل - جميعاً - قد أمروا بالتوحيد ﴿أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 25) فالرسول ﷺ وهو خير من طبق وهو خير من نفذ وهو خير من ربّي أمته على ذلك، ولم يترك باباً من أبواب الشرك الظاهر أو الخفي إلا ونهاهم عنه.
ولما كان المقام لا يتسع لضرب الكثير من الأمثلة التفصيلية في هذا المضمار، فسنكتفي بسرد بعض نماذج شكره وحمده ﷺ لربه تطبيقا لما جاء في القرآن الكريم..
فالقرآن يقول: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (الزمر: 22).
والرسول ﷺ يستهل يومه عند صحوه بقوله: الحمد لله الذي أحيانا بعد إذ أماتنا وإليه النشور ويبدأ نهاره بقوله: أصبحنا وأصبح الملك لله، والحمد لله لا شريك له وإليه النشور وبقوله: «اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر وفي المساء يقول مثل ذلك. والقرآن يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ ﴾ (البقرة :١٧٢)
والرسول ﷺ يقول بعد طعامه: الحمد الله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة.
والقرآن يقول: ﴿لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ۖ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ (يس: 35).
والرسول ﷺ بعد فراغه من الطعام أيضاً يقول: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين.
والقرآن يقول: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ﴾ (الأعراف: ۳۱).
والرسول ﷺ يقرر حقيقة واقعة: نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع.
ويوصي أصحابه بقوله: "في الماء سرف ولو على نهر جارٍ"
والقرآن يقول: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ (الواقعة: 70).
والرسول ﷺ بعد فراغه من شريه يقول: الحمد لله الذي جعله عذباً فراتاً برحمته، ولو يشاء لجعله ملحاً أجاجاً بذنوبنا ...
والقرآن يقول: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ (الحجر: 98)، ويقول: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ ﴾ (طه:130).
والرسول ﷺ لا يكف لسانه عن ذكر الله قبل طلوع الشمس وبعد طلوعها، وقبل غروب الشمس وبعد غروبها، مع الأذان وبعد الآذان وقبل الصلاة وفي الصلاة وبعد الصلاة. وفي كل مناسبة وعارضة وحدث أثناء الليل والنهار، أي أن يومه كله والشطر الأكبر من ليله تسبيح وتحميد وتكبير وتهليل واستغفار ودعاء.
أما عن الصلاة، فإذا كان القرآن يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) ﴾ (المزمل: 1-4).
فالرسول ﷺ يحيي ليله ويقف مناجياً ريه حتى تتورم قدماه، متمثلاً ما أثر عنه ﷺ : أفلا أكون عبداً شكوراً.
بل إن القرآن يقرر هذه الحقيقة الرائعة التي تعدت الرسول الكريم ﷺ إلى بعض صحبه رضي الله عنهم: ﴿۞ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ ۚ﴾ (المزمل: ٢٠) ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * والَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * َتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ (الشعراء: 217-219).
هذا رسول الله ﷺ وقوتنا وأسوتنا نهاره عمل ودعوة وجهاد، وقضاء وبيان وتوجيه وذكر وعبادة.
وليله تهجد ودعاء ونجوى لخالقه سبحانه.
مع قدر من الهجوع.. تمر الليالي والسنون.
وهذا دأبه لا يتغير ولا يتحول.
هو رسولنا.. الذي تنزل عليه القرآن.
وهو خير من فهم القرآن وخير من تدبر القرآن.
وخير من بين القرآن وخير من علم القرآن.
وخير من عمل بالقرآن.
وخير من تمثل القرآن.
وخير من تمثل فيه القرآن.
هم إذا يقول عنه القرآن؟
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
محمد مصطفى ناصيف
غياب القدوة الصالحة
من أهم الركائز والوسائل التي تعتمد عليها التربية الفاضلة القدوة الصالحة، التي لها أكبر سيم الأثر في تأديب الأبناء وإصلاحهم واستقامتهم يتج (وحسن تربيتهم) وتكوين شخصيتهم، لأنها تربية بالعمل والواقع والمثال الحي المشاهد وقد كانت العرب ترسل أبناءها إلى مربين مختصين يتم انتقاؤهم لتميزهم بالعلم والدين. والخلق، أو أن يكون الأبوان خير قدوة لأبنائهما الذين يتخذونهما مثلاً أعلى في السلوك والأخلاق لقوله ﷺ : "أدبوا أولادكم وأحسنوا أن أدبهم"، رواه ابن ماجة، فالوالدان مطالبان 5 بتطبيق أوامره تعالى وسنة رسوله ﷺ سلوكاً، وعملاً.. لأن أطفالهما في مراقبة مستمرة لهما في كل آن، قال أنس بن مالك رضي الله عنه: بعثي النبي ﷺ في حاجة فالبطات على أمي فقالت: ما أبطالك؟ قلت بعثني رسول الله ﷺ في حاجة قالت: ما هي؟ قلت: إنها سِر، فقالت: لا تخبرن أحداً بسر رسول الله ﷺ .
والقائمون على التربية والتهذيب لا بد لهم من العناية بتهذيب الروح لربط الطفل بخالقه وإحياء ضميره الذي سيقدر الخير للخير.
ومن المؤسف في عصرنا ما يقترفه بعض الآباء والأمهات في حق أطفالهم.. حال عدم مبالاتهم بما يصدر عنهم من أقوال وأفعال سيئة وغير مستقيمة أمام أطفالهم، وينسون أو يتجاهلون أن أبناءهم يراقبونهم ويتعلمون منهم دون أن يشعروا.
وقد حذر النبي ﷺ الوالدين من الكذب على الأبناء، فعن عبد الله بن عامر أنه قال: أتى رسول الله ﷺ في بيتنا وأنا صبي قال: فذهبت أخرج لألعب فقالت أمي يا عبد الله تمال أعطيك. فقال رسول الله ﷺ : وما أردت أن تعطيه؟ قالت: أعطيه تمراً، فقال رسول الله ﷺ : أما إنك لو لم تعطيه شيئاً كتبت عليك كذبة (أخرجه أبو داود).
كما تشجع بعض الأمهات والآباء أولادهما على التجسس على الآخرين ونقل الأخبار إليهم فيتعودون النميمة، تلك الخصلة الذميمة التي قال فيها النبي الكريم: لا يدخل الجنة تمام عندها ينشأ الأطفال محبين لكشف العورات ونقل أسرار البيوت.
إن القدوة تعطي الفرصة للأفراد أن يحققوا راغبين كل ما يستطيعون ويقدرون على تحمله في الاقتداء، وأكثر الأساليب التربوية أثراً في نفس المتلقي لدوام أثرها واستمرارها في النفس. القدوة الصالحة.
أحمد ناجي
"ولا يمل الله حتَّى تملوا"
ما أجمل تلك الحكاية التي ساقها ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين حيث قال: وهذا موضع الحكاية المشهورة عن بعض العارفين أنه رأى في بعض السكك بابا قد فتح وخرج منه صبي يستغيث ويبكي وأمه خلفه تطرده حتى خرج فأغلقت الباب في وجهه ودخلت البيت الذي أخرج منه، فذهب الصبي غير بعيد ثم وقف متفكراً، فلم يجد له مأوى يؤويه غير والدته، فرجع مكسور القلب حزيناً. فوجد الباب مرتجاً فتوسده ووضع خده على عتبة الباب ونام وخرجت أمه فلما رأته على تلك الحال لم تملك إلا أن رمت نفسها عليه والتزمته تقيله وتبكي وتقول: يا ولدي أين تذهب عني؟ ومن يؤويك سواي؟ ألم أهل لك لا تخالفني، ولا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جبلت عليه من الرحمة بك والشفقة عليك إرادتي الخير لك؟ ثم أخذته ودخلت.
فتأمل قول الأم: لا تحملني بمعصيتك ليّ على خلاف ما جبلت عليه من الرحمة الشفقة وتأمل قوله ﷺ : الله أرحم بعباده من الوالدة بولدها.
وأين تقع رحمة الوالدة من رحمة الله التي وسعت كل شيء؟
فإذا أغضبه العبد بمعصيته فقد استدعى منه صرف تلك الرحمة عنه، فإذا تاب إليه فقد استدعى منه ما هو أهله وأولى به.
فهذه تطلعك على سر فرح الله بتوبة عبده أعظم من فرح الواجد الراحلة في الأرض المهلكة بعد اليأس منها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل