; الجهاد الجهاد.. يا أرض الرباط رغم المِحن!! | مجلة المجتمع

العنوان الجهاد الجهاد.. يا أرض الرباط رغم المِحن!!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 24-أكتوبر-2000

مشاهدات 51

نشر في العدد 1423

نشر في الصفحة 43

الثلاثاء 24-أكتوبر-2000

فلسطين يحمي حماك الشباب، فجل الفدائي والمفتدي، فلسطين يا مسرى الرسول وأولى القبلتين وثالث الحرمين، فلسطين يا أرض البركة والسلام، فلسطين يا أرض الأنبياء، ومثوى إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، ولوط، وسليمان، وداود، وصالح، وزكريا، ويحيى، وعيسى عليهم السلام.

فلسطين يا أرض الجهاد، وأرض الرباط، عن أبي أمامة الباهلي عن النبي ﷺ قال: «لا تزالُ طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لعدوهم قاهرين، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك، قالوا: يا رسول الله وأين هم؟ قال: ببيت المقدس، وأكناف بيت المقدس».

فيا طوبي لتلك الأرض الطيبة والبقعة الطاهرة، ففي الحديث الصحيح عن زيد بن ثابت الأنصاري -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يا طوبي للشام، يا طوبي للشام، قالوا يا رسول الله وبم ذلك؟ قال تلك ملائكة الله باسطو أجنحتها على الشام».

نعم فلسطين.. أنتِ أرض غالية، لا ينالك إلا العظماء المجاهدون، ولا يسكنك إلا الأُسد المكافحون، فالمهور لتلك الديار غالية الثمن، ومرتفعة العطاءات والمنزلة لتلك البقاع الطاهرة سامية سابقة الذرى لا يعتليها إلا كل فارس مقدام، بطل همام، فلما هبطت النفوس وضعفت الهمم، وكلت العزائم، ووهنت القلوب ذهبت فلسطين.

ففلسطين إذن أرض ضيّعها اللاهون، وقتل فيها الأبرياء الساهون، وخانها الجبناء المتآمرون، ويحاول إرجاعها اليوم المؤمنون المجاهدون!! لكأني أنظر في الأزمنة الخوالي فأرى كيف ضاعت فلسطين، وتيتمت الديار، وماتت الحقول، وترملت البلاد، وتقطعت السبل بالعباد، قارئ ملامح العابثين وقطعان اللاهين سارحة كالنعم ليس لها عقل يعي، ولا عين تبصر، ولا ضمير يحس، ولا عزم يحمل أو يعمل يأكلون كما تأكل الأنعام، ويسفدون كما تسفد البهائم، ويعيشون كما تعيشالهوام، والليالي حبالي بالمصائب، والسُحب مُحمّلة بالصواعق، والأعداء يتلمظون تلفظ الأفاعي والعقارب. 

ومَنْ رَعَى غَنَماً في أَرْضِ مَسْبَعَةٍ **** ونامَ عَنْها تَوَلَّى رَعْيَها الأَسَدُ

وحلت الكارثة، ووقعت الواقعة وجاءت الطامة، وأصبح الناس سكارى، وما هم بسكارى ولكن الهول شديد، وزاد من وطأته انفراط العقد، وضياع الربان، وخيانة الأهل، وعمالة الصديق، ووجد المؤمن نفسه مهينًا يتيمًا طريدًا شريدًا ذبيحًا شارد اللب، فقير اليد، خالي الوفاض، يتلفت فلا يرى إلا القهر والوحدة والاستعباد، تحوطه سُحب اليأس، وتلفه دياجير القنوط في ليل بهيم تسبح فيه الكوارث، إذا أخرج يده لم يكد يراها، ظلماتُ بعضها فوق بعض، ودواهٍ بعضها يعانق الآخر، وبينما هو في هذا التيه ووسط هذا الضياع إذا به يرى بصيصًا من ضياء الإيمان يدفعه، وقبسًا من نور القرآن يهديه، وشعاعًا من هداية الرسول يشده، فينتصب واقفًا ويعتدل مكبرًا، وينهض شامخًا مجاهدًا، ليُري العدو بأس الإيمان وحرارة العقيدة، وصولة رجال الصدق، وكفاح الربانيين ولينتزع سلاحه من عدوه، وعناده من قاتله.

ولكنَّ الخيانة العربية في ٤٨ لم تتركْ هذا المجاهد البطل وشأنه ينتزع النصر ويكمل التحرير، فأستعان المستعمر بالسُلطات التي يحميها، وبالخيانة التي يُربيها في ضرب الجهاد الصامد، وكان أن دخلت الجيوش العربية لمهمة محددة، وهي وضع المجاهدين في السجون والمعتقلات، وترك الجيوش لمصيرها المحتوم بغير سلاح أو خطة أو هدف، فخرجت الجيوش وتركت اليهود، والآن تتكرر المأساة، فما استطاعت اليهود فعل شيء في الانتفاضة إلا باختراع السُلطة الفلسطينية وتزويدها بالشرطة التي تستطيع أنتعيد الكرّة، وتضبط الأمن لإسرائيل.

وَاللُؤمُ مِنكَ وِراثَةٌ مَعلومَةٌ

هَيهاتَ مِنكَ مَكارِمُ الأَنسابِ

فَوَرِثتَ والِدَكَ الخِيانَةَ وَالخَنا

وَاللُؤمَ عِندَ تَقايُسِ الأَحسابِ

وَوَسَمتَ إِستَكَ ثُمَّ قُلتَ أَنا الفَتى

وَخَضِبتَ كَفَّي سارِقٍ بِخِضابِ

 

وهؤلاء هم شر حثالات الأمة، ومنبت الوحل فيها، وموطن التباب والبوار في جهادها النبيل وكفاحها المشرف، لا عهد ولا رجولة، ولا ذمة، ولا عزم، ولا شرف، فأي خَلقٍ هؤلاء؟!.. سمعت أحدهم حينما ذاق حرارة الضراب وذل الغلاب اليهودي يقول: لقد التحم الشعب وانضمت الصفوف، وخرج المجاهدون من السجون، وسيأخذ الكل مكانه في صفوف الكفاح والجهاد إخوة متحابين، فقلت قد يصدق الكذوب، وتشرف النفس الخبيثة، ولكن ما في إلا سويعات، حتى بدأ القبض على المجاهدين ثانية، ورؤي التلمظ للخيانة مرة أخرى، فقلت: سبحان الله، كيف؟ ألم تأخذ هؤلاء روعة الدماء التي تسيل، ورؤية الأشلاء التي تُمزق، والأرواح التي تُزهق، والنعوش التي تُحمل، والبيوت التي تُخرُب، والنسوة التي تُرمّل، والأطفال التي تُيتم، والله إنها لتُليّن الحجارة، وتتشقق لها الصخور، وتخر لهاالجبال هذا، ولكن يظهر أن هناك قلوبًا أقسى من الحجارة والصخور والجبال.

والله إن روعة هذا الشعب وشجاعة هذا الشباب، وبسالة هؤلاء الفتية، لأقوى من الرعود والأهوال على الأعداء والجبناء والخونة، وأشد من الصواعق على المحتلين والمتجبرين والعملاء، وإن لم تنطق بكلمة، أو تنبس ببنت شفة.

في مِهرَجانِ الحَقِّ أَو يَومَ الدَمِ

مُهَجٌ مِنَ الشُهَداءِ لَم تَتَكَلَّمِ

يَومُ الجِهادِ كَصَدرِ نَهارِهِ

مُتَمايِلُ الأَعطافِ مُبتَسِمُ الفَمِ

وَإِذا نَظَرتَ إِلى الحَياةِ وَجَدتَها

عُرساً أُقيمَ عَلى جَوانِبِ مَأتَمِ

لا بُدَّ لِلحُرِيَّةِ الحَمراءِ مِن

سَلوى تُرَقِدُ جُرحَها كَالبَلسَمِ

سالَت مِنَ الغابِ الشُبولُ غَلابِها

لَبَنُ اللُباةِ وَهاجَ عِرقُ الضَيغَمِ

لِيَنَم أَبو الأَشبالِ مِلءَ جُفونِهِ

لَيسَ الشُبولُ عَنِ العَرينِ بِنُوَّمِ

ألا فقل لمن حسب الغدر مجدًا، والعمالة عزًا، واللؤم فخرًا، لن تتبدل الأسماء والمسميات، ولن تهن شعوب كافحت للمجد، ولن تُهزم أسم صارعت البغي، وجالدت للسؤدد، ولابد أن تهبُ تلك الشعوب هبة، وتنتفض انتفاضة يرجمون فيها الخائنين كما يرجمون أبا رغال، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سورة يوسف: 21).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

157

الثلاثاء 07-أبريل-1970

مجليات 4

نشر في العدد 10

143

الثلاثاء 19-مايو-1970

كيف ربّى النبي جنده؟

نشر في العدد 17

148

الثلاثاء 07-يوليو-1970

لعقلك وقلبك - العدد 17