العنوان حتى تبقى "إسرائيل"... المؤامرة هذه المرة تستهدف النفوس
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 09-أغسطس-1983
مشاهدات 63
نشر في العدد 632
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 09-أغسطس-1983
عرفات: كن مع الله ولا تبال
كل عدو للإسلام نصير لــ"إسرائيل" بالضرورة مهما رفع من شعارات
لا نجاة لنا إلا بالعودة إلى الله، ولا تحرير لفلسطين إلا بالجهاد
كل مشروع مطروح لا يعيد كل فلسطين إلى الحظيرة الإسلامية فهو رد.
الأحداث التي تجري في البقاع اللبناني تكشف أبعاد المؤامرة التي سبق أن وضعنا أمام القارئ بعض تفاصيلها السرية، والتي تثبت الأحداث صدق ما ذهبنا إليه من العمل المتواصل الدؤوب من أجل إنهاك المقاومة الفلسطينية تمهيدًا لإنهائها سواء بإلغائها من الوجود أو بالهيمنة عليها، واغتيال قرارها المستقل وتجبيرها لصالح الكبار عن طريق بعض الاتباع الصغار.
وهذه ليست المرة الأولى التي يجري فيها التآمر على الشعب الفلسطيني الذي يسعى للحصول على الاستقلال والحرية منذ أن وطئت أقدام المستعمر الإنجليزي أرض فلسطين الطاهرة المباركة بعد سقوط آخر خلافة إسلامية حافظت على فلسطين وصانتها من الغزو الاستعماري اليهودي. ولكن هذه المؤامرة أخطر المؤامرات على الإطلاق، ذلك أن المؤامرات السابقة على بشاعتها كانت تحمل في طياتها جوانب إيجابية هي الرفض النفسي لدى جماهير الشعب الفلسطيني وجماهير الأمة العربية والإسلامية للنتائج العملية المترتبة على كل مؤامرة، والسعي من جديد لاستئناف الجهاد من أجل تصحيح الأوضاع واسترداد الحقوق المسلوبة.
وكانت معظم الأنظمة العربية تجد نفسها مضطرة -مجاراة للرأي العام- أن تعلن عبر أجهزتها الإعلامية وتصريحاتها الرسمية غير ما تضمر لتبرئ نفسها من جريمة التآمر. وكان الواعون من أبناء هذه الأمة يجدون في ذلك مظلة لاستئناف الجهاد أمام السواد الأعظم من الجماهير التي تنطلق على سجيتها.
وكانت الأنظمة القمعية في الدول العربية تجد من الصعوبة عليها أن تظهر بمظهر الأدنى وطنية أو الأكثر تفريطًا في حقوق الشعب مهما كانت الأعذار ولذلك كانت تغلف تصرفاتها الخيانية بمبررات تزعم أنها موقوتة واستثنائية، وذلك بسبب ظروف العجز، أو عدم وجود الخطة، أو التوقيت غير السليم، أو انعدام الوحدة بين الأقطار العربية أو بين دول الطوق أو انعدام الثورية لدى بعض الأنظمة أو حتى تقوم دولة الهلال الخصيب أو الجمهورية العربية المتحدة أو الجبهة الشمالية أو الشرقية أو حتى دول الصمود والتصدي.. إلى آخر هذه المعزوفة.
وقد سمع الناس شعارات «الوحدة طريق العودة» والاشتراكية طريق الحرية والاستعانة بالشرق بدل الغرب. ولكن كل ذلك لم يغير من الواقع شيئًا. وظلت النفوس تفور بالغضب وتحلم بالحرية والتحرر وتحرير فلسطين.
المؤامرات السابقة إذن لم تنزع من النفوس فكرة الانعتاق وتزين لهم فكرة العبودية، أما هذه المرة فإن المؤامرة استهدفت النفوس قبل أن تستهدف الأرض فأخذت أجهزة الإعلام -خطوة خطوة- تهيئ النفوس لتقبل "إسرائيل" وتزين لها فكرة الصلح معها بدءًا من شعار «إزالة آثار العدوان» ومرورًا بشعار «السلام الدائم والعادل والشامل» ثم «الأرض مقابل السلام» ثم «دولة فلسطينية في الضفة والقطاع» ثم ذبح منظمة التحرير الفلسطينية باسم «البقاء في لبنان» والذابح هو المتآمر على بقاء الفلسطينيين في لبنان، وباسم «تحرير كل فلسطين» والذابح هو المتآمر على كل فلسطين. وباسم رفض الاتصال مع أمريكا ومع الأردن، والذابح هو الذي لم ينقطع اتصاله بأمريكا وباسم «الارتباط المصيري بالمنظومة الاشتراكية» والمنظومة الاشتراكية ربطت مصيرها في المنطقة بمصير "إسرائيل" وجودًا وعدمًا. وقصار النظر فقط هم الذين يعتقدون أن "إسرائيل" وجدت فقط لتؤمن مصالح أمريكا ومن قبلها فرنسا وبريطانيا.
"إسرائيل" جسم غريب في المنطقة كيانًا ونظامًا وعقيدة. وُجدت على أنقاض الكيان الإسلامي «الخلافة الإسلامية» وكل عدو للإسلام نصير ل"إسرائيل" بالضرورة مهما رفع من شعارات زائفة، وكل نصير للإسلام عدو ل"إسرائيل" مهما افترى المفترون وضلل المضللون.
لقد عرف هذه الحقيقة أعداؤنا بعد تجارب طويلة ومريرة، فقرروا ضرب هذه الأمة في نفوسها ليسهل لهم بعد ذلك الاستيلاء على أرضها وثرواتها وليجعلوا منها حشودًا بشرية مستهلكة لما تنتجه مصانعهم سواء في السلم أو في الحرب. فإن كان السلام هو الغالب الأعم افتعلوا الحروب لا من أجل التحرير، ولكن من أجل التدمير، ومن ثم إعادة البناء بأدوات تنتجها مصانعهم لتظل هذه المصانع تعمل لحساب الكبار وعلى حساب شعوبنا المقهورة.
يعمرون ثم يدمرون، وهكذا دواليك، حتى نظل مرتبطين بهم اقتصاديًا ومن ثم سياسيًا. أما نفوس الشعوب فهي من تدمير إلى تدمير ليستقر في وجداننا أننا أمة مهزومة تابعة، يسهم في ترسيخ هذا المفهوم ثقافة وافدة متشعبة الأطراف تتناول الواحد منا منذ أن يرى نور الحياة، بل منذ أن كان جنينًا في بطن أمه تلاحقه آثار حبوب منع الحمل، ثم آثار التصوير بالأشعة السينية. وعندما يولد يجد في انتظاره الحليب المصنع كيماويًا ليعزل عن ثدي أمه وحنانها. وقبل أن يذهب إلى المدرسة يشده التلفاز ببرامجه الماجنة، أو التافهة، أو الإجرامية، أو الإلحادية ثم تستقبله المدرسة بمناهجها العلمانية المسطحة ثم تتلقفه الأحزاب بأفكارها المنحرفة المستغربة -المتجهة نحو الغرب- سواء كان إمبرياليًا أو اشتراكيًا، فإذا بلغ مبلغ الرجال انشد إلى الوظيفة شدًّا وارتبط بالنظام القائم ارتباطًا لا انفكاك منه إلا إذا قرر أن يعيش فردًا أو خلف القضبان الحديدية.
ثم بعد ذلك تتمدد "إسرائيل" وتتمطى. فإذا خرج من رحم هذه الأمة رجال أفذاذ استطاعوا أن يتجاوزوا كل حقول الألغام والأسلاك الشائكة وأن يخترقوا الحصار بعد الحصار ويخرجوا إلى النور بما وهبهم الله من عقل وقَّاد وإيمان لا يتزعزع فأولئك هم الرجال الذين ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب:23)، أحاطهم المجرمون بكل دعي أفاك وفرضوا عليهم المغامرين والعملاء، وبثوا بين جوانحهم عقائد فاسدة ومسلكيات رعناء وأبعدوهم عن طريق الهدى، وساقوهم إلى طريق الضلال ثم قالوا : «خونة مارقون» فانقضوا عليهم لذبحهم باسم الحرص عليهم ولتفتيتهم باسم الحفاظ على وحدتهم وللصلح مع "إسرائيل" باسم تحرير فلسطين ولإرضاء البيت الأبيض والكرملين باسم العروبة.
القدس: بانتظار داعي الجهاد
ويحاول قادة المقاومة أن يخرجوا من الشرك -المحكم هذه المرة- ليقعوا في شرك آخر ولا منجاة لهم إلا بالعودة إلى الله ولا تحرير لفلسطين إلا بالجهاد ولن يخوض غمار الجهاد من الناس إلا ﴿عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ (الإسراء: 5).
هذا هو الطريق، ولا طريق سواه إذا كان الهدف الاستراتيجي «لفتح» هو تحرير فلسطين «من البحر إلى النهر» وإذا كان هذا هو المفهوم النهائي لشعار «ثورة حتى النصر» وإذا كنتم ما زلتم ترفضون «الوصاية والتبعية والاحتواء» وتحافظون على «استقلالية القرار الفلسطيني» الذي تفهمه جماهير المسلمين على أنه قرار الجهاد الذي يتجاوز حدود تحرير فلسطين إلى تغيير واقع هذه الأمة المهين إلى واقع إسلامي عزيز مشرق.
آلاف الشهداء الذين سقطوا من أجل تحرير فلسطين -برصاص اليهود أو برصاص العرب- تناشدكم أرواحهم ألا تسقطوا البندقية قبل أن تتحرر فلسطين. وآلاف المصابين والمعتقلين من أجل فلسطين تناشدكم ضمائرهم ألا تخذلوهم بالانسياق وراء مشروعات وهمية لحل القضية الفلسطينية. وكل مشروع مطروح لا يعيد كل فلسطين إلى الحظيرة الإسلامية فهو رد. وكل نهج سياسي يتضمن التفاوض مع العدو اليهودي في فلسطين سواء بالأصالة أو بالنيابة لن يعيد فلسطين ولن يخرج يهوديًا جاثمًا على صدرها الطاهر.
لا بد من تغيير العقيدة، وتغيير المنهج. العقيدة لا بد أن تكون هي الإسلام والنهج لا بد أن يكون هو الجهاد. أما العقائد البشرية المتغيرة المتبدلة المتراجعة فلا خير فيها وأما المناهج الناتجة عنها والتي لا بد أن ترتبط بالضرورة بأنظمة تخضع لعقائد غير إسلامية فلا خير فيها أيضًا.
قوة الثورة لا تقاس بعدد الذين ينتسبون إليها أو بأطنان الأسلحة التي تمتلكها أو باتساع الأرض التي تسيطر عليها، فقد ثبت أن كل هذه المقاييس خاطئة فالأفراد يتبدلون ويضعفون وينشقون، والأسلحة تصادر أو تدمر. والأرض تضيق أمام الفلسطيني مهما رحبت حين يطرد منها الفلسطيني باسم العروبة!
أما العقيدة، عقيدة الله للبشر فهي واحدة، هي الإسلام وهي تتعدى حدود الزمان والمكان، والجنس والحزب والطائفة لتتسع لكل مؤمن يقول «لا إله إلا الله، محمد رسول الله» وأما الجهاد فهو أمر من الله للمسلم بأن يبادر بالهجوم لإحقاق الحق وإبطال الباطل ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (الحج: 39) وفلسطين حق، و"إسرائيل" باطل. وهذا الأمر الرباني فرض عين على كل مسلم ومسلمة حتى ترتفع في فلسطين راية لا إله إلا الله.
أرأيتم يا قادة المقاومة أنكم لستم وحدكم في الميدان، وأن هناك ظروفًا معينة لا بد أن تتوافر قبل أن ترتفع راية الجهاد لأن الله أمر المسلمين أن يأخذوا بالأسباب فقال تعالى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (الأنفال: 60) هل تأملتم في هذه الآية جيدًا؟ وهل استعنتم على قضاء حوائجكم بالكتمان؟ وهل عدتم إلى الأصل فارتبطتم به فكان ولاؤكم لله وتبعيتكم للإسلام الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور ومن الضلال إلى الهدى ومن الهوان إلى العزة ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: 8) لا تبحثوا عن الطريق والطريق أمامكم واضح أبلج ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (سورة الأنعام: 153) ابحثوا عن دار الأمان، دار الإسلام، أقيموها وساعدوا على إقامتها فهناك إخوة لكم يجاهدون لكي تقوم، ثم انطلقوا معهم وبهم إلى «الفتح» بعد أن لم تتوفر لكم «هانوي العرب» لا عند الدول «الثورية» ولا في عواصم الدول الشيوعية، ولا تظنوا أنكم أسوأ حالًا من كثير من إخوانكم في الله أرادوا أن تكون كلمة الله هي العليا، وقضوا في سبيلها أو أطبقت عليهم الزنازين أبوابها. عدوكم هو عدوهم، عدو الله، فضعوا أيديكم في أيديهم ويد الله مع الجماعة ولا تصافحوا الأيادي الملطخة بدماء المسلمين فهي لن تعيد لكم شبرًا من فلسطين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل