; قصة قصيرة: فخامة الرئيس | مجلة المجتمع

العنوان قصة قصيرة: فخامة الرئيس

الكاتب الدكتور محمد علي الهاشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أغسطس-1996

مشاهدات 79

نشر في العدد 1213

نشر في الصفحة 55

الثلاثاء 20-أغسطس-1996

جلس الأصدقاء الثلاثة أحمد وماهر وسليمان يتناولون القهوة في بيت أحمد، ويتحدثون في الشؤون العامة، فقال أحمد:

الذي يشغل بالي ويثير عجبي ما أراه وما أسمعه من تأثير عبارة فخامة الرئيس في نفسيات بعض الزعماء، حتى إنها تنسيهم القيم والمبادئ والمثل التي طالما تغنوا بها، وروجوا لها بين الناس وعاشوا سنين طويلة ينادون بها .

قال ماهر: حقًّا إن لهذه العبارة وقع السحر في نفوس بعض الزعماء فاستوى سليمان في مجلسه وقال:

بعض الزعماء قل معظمهم، ألم تر إلى زعيم منظمة التحرير الفلسطينية الذي أمضي سنين طويلة من عمره ينادي بتحرير فلسطين، ويخوض معارك ضد اليهود كيف يترامى الآن عليهم مستجديا شيئًا قليلًا من السلطة والحكم الذاتي ليغدو رئيسًا؟.

أحمد: وما سر ذلك التحول يا ترى؟ 

ماهر: لقد رأى أن طريق الكفاح المسلح طويل وقد لا يدرك قطف ثمرته، ولا يحظى بسماع عبارة فخامة الرئيس ينادى بها، فتمتلئ نفسه زهوًا وإعجابًا وسرورًا.

سليمان: هذا التطلع إلى الرئاسة ليس خاصًّا بزعيم منظمة التحرير الفلسطينية، بل يكاد يكون خلفًا عامًّا في معظم الزعماء. 

قال ماهر، وهو يضع فنجان القهوة الفارغ على المنضدة: هذا صحيح، ولكن رئيس منظمة التحرير بدأ حياته السياسية مكافحًا عن قضية أنشأ منظمة أسماها "منظمة التحرير"، فهل تم التحرير حتى تنتهي مهمته؟ أحمد: لم يتم التحرير، ولم تنته مهمته ولكن الزعيم مل من الكفاح واستبطأ حياة المجد والرفاهية والنفوذ والتحكم والاستعلاء، تلك الحياة الحافلة بصنوف الترف وإرضاء كبرياء النفس ففيها يناديه الناس بفخامة الرئيس ولقد أبطأت هذه الحياة، فإلى متى الانتظار؟ 

ماهر: هذا شأن الذي يكافح من أجل المناصب والدنيا الزائلة، أما الذي يكافح من أجل قضية آمن بها، فلا يمكن أن يلقي السلاح حتى يحقق الأهداف التي نادى بها ما استمسك بيده سلاح. سليمان: لم يكن متوقعًا أبدًا أن ينحدر هذا الزعيم إلى الدرك الذي وصل إليه، إذ يقف اليوم وقفة الذلة من اليهود وسادتهم الأمريكان، وكان من الأشرف له أن يبقى زعيمًا مكافحًا، يناجز الأعداء المغتصبين، ولو أفنى عمره في الكفاح، ولو فعل لسجل في أنصع صفحات التاريخ مع المجاهدين المخلصين.

أحمد: ولكن لن يدعوه أحد بفخامة الرئيس ولقد اتفقنا على أن لهذه العبارة وقع السحر في نفوس المتطلعين إلى الزعامة والظهور والشهرة.

 ماهر: أو تظنّان أنه لو ثبت على الكفاح ولم يستسلم لهذه المخططات الهزيلة، أكان في وسعه الاستمرار في طريق الكفاح حتى يتحقق هدفه وهدف شعبه بتحرير فلسطين؟ 

سليمان: إن فلسطين قضية الأمة العربية والإسلامية، وليست قضيته هو أو قضية شعب فلسطين، وإن قضية يؤمن بها أكثر من مليار من البشر أمام بضعة ملايين لا يمكن أن تكون خاسرة لو امن بها حق الإيمان من نهض ينادي بها ويتبناها، ويعرف كيف يعمل لها. 

ماهر لوخلي بين أبطال الانتفاضة من أطفال الحجارة وبين إسرائيل لفعلوا فيها الأفاعيل وأقضوا مضجعها وسلبوها نعمة الأمن الاستقرار 

أحمد: هذا صحيح، ولكن الغرب وأمريكا على وجه الخصوص تتخذ من هذه المقاومة ذريعة لاتهام العرب والمسلمين بالإرهاب. 

سلیمان: لا يا صديق إن الذي يدافع عن وطنه المغتصب لا يمكن أن يتهم بالإرهاب، بل إن الرأي العام الأمريكي بدأ يعتقد أن ما تقوم به إسرائيل هو الإرهاب والعنف بعينه، ذلك أن الفرد الأمريكي يرى على شاشة التلفاز المواجهة بين صبي وفتاة وجندي إسرائيلي مدجج بالسلاح، ولم تفلح محاولات المنظمات الصهيونية الضخمة في إقناعه بأن ذلك الصبي الذي يرمي الحجارة إرهابي صغير.

ماهر: حقًّا لقد بدأت إسرائيل أمام هذه الحقيقة تخسر المعركة الإعلامية في أمريكا، وتملكتها الحيرة في كيفية استعادة سيطرتها على الإعلام الأمريكي، ولذلك استماتت في تدبير طبخة السلام المسمومة.

سليمان: من هنا ندرك فداحة الجريمة التي ارتكبها دعاة السلام الهزيل في تحجيم الانتفاضة والعمل على إيقافها والله لو قدر لهذه الانتفاضة أن تستمر لما عاشت إسرائيل. 

أحمد لا تنسيا أن الجو العربي والإسلامي العام ليس مواتيًا لاستمرار الكفاح وكأن لسان حال دعاة السلام يقول: ليس في الإمكان أحسن مما كان. 

ماهر: صحيح أن الجو العربي والإسلامي ليس مواتيًا للكفاح، بحكم مواقف معظم الأنظمة المستبدة الضاغطة على الشعوب المتفرقة البعيدة عن روح الجهاد الذي تتطلبه قضية مقدسة كبرى كقضية فلسطين، ولكن لا ينبغي أن نفضل دور الشعوب والأمة المسلمة التي لا يمكن أن ترضي بهذه المهزلة التي تجري الآن باسم السلام، تفضل استمرار الكفاح حتى تسترد الحقوق المغتصبة.

سليمان: قضية فلسطين تحتاج إلى زعامات من نوع أخر كزعامة عماد الدين زنكي ونور الدين الشهيد وصلاح الدين وليس إلى زعامات تستهويها عبارة فخامة الرئيس».

أحمد: أجل ومن أجل سماع هذه العبارة قد يضحي الزعيم بالمقدسات والأعراض والقيم والمبادئ.

ماهر: وهذا هو الذي نراه اليوم في تنازلات عرفات لليهود الم تقرأ ما كتبته مجلة المجتمع في العدد ۱۱۷۰ في صفحة بلا حدود بقلم أحمد منصور: بعنوان: حصاد الهشيم؟

سلیمان، بلى، قرأناه، وذهلنا من الحقائق المرة التي حفل بها هذا المقال. أحمد: لقد بلغ حجم التنازلات حدا خياليا فاتفاقية طابا تعطى الإسرائيليين الحق في فلسطين كلها والجيش الإسرائيلي سيبقى محكمًا قبضته على ٦٨٪ من الضفة الغربية، مسيطرًا على الطرق والمداخل والمخارج كلها، وسينشئ ٦٢ قاعدة عسكرية جديدة. 

ماهر: وسلطة عرفات على هزالها ستبقى تحت السلطة العسكرية الإسرائيلية تستطيع إغلاق أية مدينة أو قرية متى شاءت.

 سليمان: نعم، والقضايا المحورية الهامة إما معلقة وإما مؤجلة، ويكفي أن نعلم أن هناك ٥٠٠٠ معتقل لا يعرف مصيرهم، وهناك أكثر من 3 ملايين فلسطيني، أي ٦٠ % من عدد سكان فلسطين هم في الشتات لم تتعرض لهم الاتفاقية. 

أحمد: وقضية القدس التي هي قضية الأمة الإسلامية الكبرى لم يفت الهالك رابين أن يعلن في كل مناسبة أنها لن تناقش لأنها عاصمة إسرائيل الأبدية والموحدة.

ماهر: يكفي أن نجسد الخسارة الفادحة التي حلت بنا نتيجة اتفاقية أوسلو بإيراد ثلاثة آراء لثلاثة أطراف متباينة، أجمعت كلها على أن إسرائيل فازت بكل شيء وأن الفلسطينيين خسروا كل شيء. فأسردها علينا يا سليمان. 

سليمان: أجل الرأي الأول لوزير الخارجية الإسرائيلي الذي أعلن في الكنيست إن اتفاق أوسلو يعد أحد الانتصارات التاريخية التي حققناها العقد الأخير. والرأي الثاني لحيدر عبد الشافي: «لقد أصبحنا نعيش فعلًا في سجن كبير، وقد حصلت إسرائيل على كل ما تريد دون مقابل، وحيدر عبد الشافي هذا هو رئيس أول وفد مفاوض لإسرائيل، كما هو معروف.

 والرأي الثالث للكاتب اليهودي الأمريكي المعادي للصهيونية نعوم تشومسكي الذي قال: «لقد منحت اتفاقية أوسلو الإسرائيليين حرية التصرف في كل شيء، وإن طموحات الشعب الفلسطيني سوف تسحق بسبب هذه الاتفاقية

أحمد: فلتسحق طموحات الشعب الفلسطيني ولتَسْقُط الحقوق جميعًا، أليس الزعيم سيدعى في المحافل ووسائل الإعلام بفخامة الرئيس؟

[1] - دكتوراه في الأدب الإسلامي.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

183

الثلاثاء 24-مارس-1970

الثَور الأبيَض

نشر في العدد 10

129

الثلاثاء 19-مايو-1970

النصر الأعظم