; القضية الكردية تحتاج لعدالة تركية واعتدال كردي | مجلة المجتمع

العنوان القضية الكردية تحتاج لعدالة تركية واعتدال كردي

الكاتب مثني أمين الكردستاني

تاريخ النشر السبت 10-نوفمبر-2007

مشاهدات 88

نشر في العدد 1776

نشر في الصفحة 20

السبت 10-نوفمبر-2007

الجيش التركي يسعى للعودة فوق صهوة جواد ضرب الأكراد بعدما حجمه إسلاميو حزب العدالة!

ما زالت تداعيات الأزمة الموجودة على الحدود العراقية التركية تمثل مشهدا يجذب الرأي العام العالمي، وتتسبب في جدل لا ينقطع متناولا القضية الكردية ومعها حزب العمال الكردستاني من ناحية والحكومة التركية ومعها حزب العدالة والتنمية والمؤسسة العسكرية من ناحية أخرى، وهناك أسئلة كثيرة في ذهن القارئ العربي عن الشعب الكردي وقضيته في عدد من دول المنطقة تحتاج إلى أجوبة، سواء تركيا، أو إيران أو العراق أو سورية، وهي الدول التي تم تقسيم الأكراد عليها -بعد توزيع التركة العثمانية- أرضًا وشعبًا.

ومن واقع معايشتي للقضية الكردية وانتمائي للفكر الإسلامي، سوف أتناول هذه المسألة من خلال عدة ملاحظات ورؤى أرى أنها جديرة بالتأمل، وذلك على النحو التالي:

القضية الكردية

ما يجري على الأرض الآن يعيد للأذهان أن هناك قضية شعب مسلم مظلوم تعداده يفوق أربعين مليونًا، منهم د. مثنى أمين الكردستاني عشرون مليونًا في تركيا وحدها، وهذا الشعب عندما تم تهميشه وتقسيمه بهذا الشكل الحالي أصبح يعيش في مناطق مهمشة ومحرومة، وتعاني من التحقير والقهر وعدم المساواة، علاوة على حرمانه من تطلعاته في أن يعيش كأي شعب من شعوب العالم، متمتعًا بكيان سياسي واسم ورسم خاص به، ونتيجة لهذا كان من الطبيعي أن يثور ويتمرد على تلك الأوضاع ويحمل السلاح، لأن -وللأسف الشديد- كثيرًا من الحكومات لا تفقه غير لغة السلاح سبيلًا لحل الأزمات وانتزاعًا للحقوق، ومن هنا قامت ثورات عديدة للأكراد منذ العشرينيات من القرن الماضي وحتى اليوم في هذه الدول، كان آخرها ثورة حزب العمال في تركيا والتي بدأت من ۱۹۸۳م ومازالت مستمرة حتى الآن.

حزب العمال وعجز الجيش التركي

استفاد حزب العمال من مناطق غير محصنة داخل تركيا ومن الحدود الواسعة الموجودة مع إيران والعراق وسورية، كما استفاد الحزب من مواقع في سوريا ولبنان قبل أن تتخلى سوريا عن دعم الحزب وقائده «عبد الله أوجلان» عبر أراضيها الأمر الذي أدى إلى اعتقاله في كينيا آخر الأمر بعد مطاردة مخابرات عدة دول تعاونت مع تركيا، ويملك هذا الحزب الافا من المقاتلين الأشداء الذين يتحصنون في قمم جبال قنديل الموجودة في المثلث الحدودي العراقي الإيراني التركي، وهذه الجبال مرتفعة وشاهقة ومحصنة، ولا يستطيع الجيش دخولها لوعورتها وارتفاعها وكثرة المغارات والمداخل فيها بالإضافة إلى أن أي محاولة لاقتحامها برًا أو جوًا ستكون مكلفة جدًا لأي جيش لأن المقاتلين متحصنون فيها ويعرفون كيف يوظفون إمكانياتها، وقد جرب الجيش التركي خلال السنين الماضية حظه مع تلك العمليات التي يقوم بها حاليًا وتوغل في الأراضي العراقية مرات عدة وما استطاع أن يحقق أي إنجاز يذكر، بل إن هذا الجيش غير قادر حتى على حسم أمره مع مفارز هذا الحزب داخل أرض تركيا.

الحكومة التركية وتجاهل الحل السياسي

الحكومة التركية تبتز العراق حاليًا للاستفادة من الوضع المضطرب حاليًا لكي تحقق إنجازًا فيما فشلت فيه مرارًا في السابق، وتطلب من الحكومة العراقية أن تسمع لها يتوغل عسكري يؤدي لدمار عشرات القرى وإرهاق الأنفس والأموال من أجل عملية غير مضمونة دون أن تكلف هذه الحكومة نفسها ولو مرة بالجلوس مع أي طرف للوصول لحل سياسي لهذه الأزمة. حيث إن المنطق التركي يقضي بأن هؤلاء مجموعة من القتلة والمخربين يجب على الحكومة العراقية أن تعتقلهم وتسلمهم للجيش التركي أو تقتلهم. أو يسمح للجيش التركي بأن يقوم بذلك.

وفي المقابل فليس لدى الحكومة العراقية استعداد للخوض في مثل هذه المعارك لتراكم مشاكل الاحتلال والمقاومة والمليشيات والإرهاب والتهديد الإقليمي والتنازع الداخلي وغيرها، حتى أن المنطقة الوحيدة الأمنة في العراق هي منطقة كردستان، في الشمال العراقي التي قد يؤدي أي عمل عسكري تركي لإرباكها وزرع الفتنة والقلق فيها بالإضافة إلى أن حكومة العراق لا تؤمن بذلك الحل أصلًا، وترى أن – من الواجب البحث عن حل سلمي لهذه الأزمة والدخول في مفاوضات مرضية للطرفين قبل تجييش الجيوش وتوتير المنطقة وجلب الخراب لهذه الديار. ومن غرابة الموقف التركي أنه غير مستعد للتباحث بشأن هذا الملف مع حكومة إقليم كردستان في العراق المجاورة لتركيا، والتي لها صلاحية التصرف في هذه المناطق والتعاون مع الحكومة التركية بخصوص أية قضية. بالرغم من أنها كانت تتعامل وتتحاور، بل تتعاون مع حكومة الإقليم طيلة فترة ما قبل سقوط النظام، وإن ظهرت مؤشرات على نوايا تركيا في هذا الصدد مؤخرًا ربما للقناعة بصعوبة القضاء على حزب العمال من الخارج وإمكانية لجم أكراد العراق له خشية أن تصيبهم أضرار الغزو التركي لو وقع.

صراع المؤسسة العسكرية وحزب العدالة والتنمية

لا شك أن هذه الأزمة تعبر بشكل أو بآخر في داخل تركيا عن صراع المؤسسة العسكرية «وهي مؤسسة علمانية قومية متطرفة» مع المؤسسة السياسية ممثلة في البرلمان والوزارة والرئاسة والتي آلت كلها إلى حزب العدالة والتنمية ذي التوجهات الإسلامية، وتلك المؤسسة – التي حكمت كل الملفات الحساسة وأدارت الدولة سرًا وعلنًا في السابق – تريد الآن وبعد أن فقدت أدوات التأثير على القرار السياسي التركي أن تعود إلى التأثير والأضواء وممارسة الدور، وهي لم تجد قضية أكثر سخونة وشعبية من حزب العمال الكردستاني لتفجرها وكأنها قضية تركيا الأولى حاليًا، وهنا يهدف العسكر في تركيا إلى مجموعة أهداف من خلال التأزيم الحالي منها: العودة للتأثير، وممارسة الدور وابتزاز حزب العدالة، وضرب إنجازات حزب العدالة والتنمية بشكل غير مباشر ووضعهم في موقف صعب مع القاعدة الانتخابية الكردية التي انتخبت هذا الحزب أكثر مما انتخبت قوى كردية قومية، علاوة على أن الحرب والتأزيم سيدر على هذه المؤسسة العسكرية مليارات المليارات من الأموال التي ستكون مادة دسمة للفساد والتهب للمافيا التي تحكم الجيش والذي يعيش على تجارة الحرب ويتصيد في الماء العكر!!

الحل.. عدالة تركية واعتدال كردي

وهكذا فقد تعقدت القضية الكردية بسبب العنجهية والعنصرية والسياسات الظالمة التي مورست من قبل الحكومات التركية المتعاقبة بحق أبناء الشعب الكردي وأن الأوان لكي تقبل هذه الحكومة أن تناقش هذه المسألة – التي تخص عشرين مليونًا من مواطنيها يشكلون أغلبية في ثماني عشرة ولاية ومحافظة – في جو من العدالة والإخاء الإسلامي والإنساني وبمنطق العدالة والتساوي بين البشر، وأن الأوان لكي يتسم خطاب الحركة الكردية أيضا بالمرونة والاعتدال والبحث عن حل سلمي للمشكلة، بعيدًا عن لغة الدم والنار. فالمسألة ببساطة تحتاج العدالة تركية واعتدال كردي. 

ونأمل من حزب العدالة ألا ينجرف مع اندفاعات العسكر وأن يأتي بالعدالة الجميع المواطنين كردًا وأتراكًا وغيرهم، وأن يعالج هذا الملف الحساس بكل توازن وحكمة، وأن يعدل الدستور العنصري الموجود في تركيا ويغير كل القوانين التي لا تخدم العدالة والمساواة، والتي تخرج الحكومة التركية مع الاتحاد الأوربي والعالم، وأن تقوم هي بحل القضية بمدخل ومشروع عملي شجاع يكون سياسيًا قانونيًا تنمويًا، بدلًا من أن تستنزف هذه القضايا ثرواتنا البشرية والمادية وتضيع فرص أجيالنا. 

الرابط المختصر :