العنوان قصة العدد: خميس في بلاد العجائب (2)
الكاتب يحيي البشيري
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يونيو-1989
مشاهدات 60
نشر في العدد 919
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 06-يونيو-1989
امتلأت سيارته الصغيرة بالأشياء
الثمينة والرخيصة، وانتهى من حزم الأمتعة.. ثم وقف ينظر إلى السيارة التي ذكرته
بصورة رآها في إحدى المجلات اللبنانية للمهاجرين في أثناء الاجتياح الإسرائيلي،
ولكن كان ينقصها أطفال صغار يركبون على ظهرها!
قبيل المغرب بلحظات انتهى من كل شيء،
ثم دخل إلى المنزل ينتظر المودعين، ومرسلي الهدايا والأغراض لذويهم.
على العموم كانت زياراتهم قصيرة،
وأغراضهم مقبولة، وهو لا يستطيع أن يرد لهم طلبًا طالما أنه مسافر عن طريق البر.
يا سيد خميس هذه علبة فيها أسبرين
ومضاد حيوي وتحميلات سخونة، وشراب للسعال ومسكنات للنزلات الخفيفة.
على الرأس والعين. ولكن. !!
أنت بعيد عن البلاد ولا تعرف شيئًا عن
فقدان الأدوية.
أستاذ خميس بعض الدفاتر والورق المسطر
لبيت أخي محمود.
دفاتر؟! ورق مسطر؟ هل أنت تمزح؟!
لا والله! لا مزاح ولا شيء من هذا
القبيل. فالدفاتر مفقودة والورق غير موجود حتى في الدوائر الرسمية.
أسطى خميس! هذا كيس فيه خمسة كيلو
غرامات سكر، كان أبو جاسم أوصاني أن أرسلها له.
يا جماعة هل أنتم متفقون على هذا
المزاح؟! أي مزاح يا أبا جمعة، أنت لا تعرف ما يجري في البلد؟
أخي أبا جميع، لن أكثر عليك. أرسلت فقط
كيلوغرام من القهوة، وكيلوغرام شاي، وعشر علب مناديل ورق.
جحظت عينا خميس وقال: مناديل ورق؟!
لماذا؟ إن سعرها هنا وهناك لا يختلف؟!
ابتسم الرجل ابتسامة حزينة، وقد أحس
باتهام مهين وقال: يا سيد خميس ليست القضية قضية اختلاف في الأسعار ولكن القضية أن
المناديل مفقودة.
مفقودة!
وقبل أن يتم كلامه قال الرجل: أذكر لك
حادثة عايشتها بنفسي في آخر زيارة لي للبلد، فقد أصيبت ابنة أخي الصغيرة برعاف
شديد وأردنا نقلها إلى مستشفى المحافظة، فلم نجد علبة مناديل في أي دكان فقيل إنها
تباع في المؤسسة الاستهلاكية فذهبنا إلى المؤسسة، فقال البياع لا بد أن تأتوا
بورقة موقعة من مدير الناحية، وذهبنا إلى مدير الناحية وأحضرنا الورقة ليحصل على
علبة فيها خمسة وسبعون منديلًا!! لقد تغيرت الأمور كثيرًا يا سيد خميس.
انفض المجلس، وذهب الجميع إلا واحدًا
بقي ينفث دخان سجائره ويشرب كؤوس الشاي التي لم تتوقف! فهو لم يأت ليرسل شيئًا مع
خميس ولكن ليقدم بعض النصائح، لأنه عاد منذ أسبوعين، وقد سافر ورجع عن طريق البر.
التفت إليه خميس وقال: إيه يا كامل!
كيف ترى فهم هؤلاء الناس؟ لقد ظنوا أن معي شاحنة كبيرة، فبدأوا يرسلون ما يحلو لهم.
کامل: لا. يا خمیس، أن كل ما أرسلوه
معك يحتاج إليه الناس في بلادنا التقدراكية!!
قال خميس مازحًا: وأنت ماذا سترسل؟!
كامل: لن أرسل شيئًا، لأنني عدت منذ
أيام-كما تعلم-ولكن اريد أن أنصحك بعض النصائح، ولا سيما عندما تصل إلى الحدود.
هات ما عندك.
أولًا: لا تضع ما معك من المال بشكل
بارز.
ثانيًا: ادفع لموظف الجوازات مائة ليرة
دون نقاش حتى يختم لك بالدخول، فهو لا يرضى بأقل من ذلك.
ثالثًا: ستمر على دوريات كثيرة
للجمارك، فلا تجادلهم كثيرًا وادفع لكل دورية خمسًا وعشرين ليرة- على الماشي –
وإلا أتعبوك.
رابعًا: لا تأخذ معك أي كتاب أو مجلة
أو صحيفة.
وهنا قاطعه خميس ولكن الحاج عمر أرسل
معي كتابًا للشيخ عبد الواحد أمام القرية المجاورة لقريتنا!
صمت كامل ولم يجب فلم ينتظر خميس
طويلًا وقال بلهفة: بماذا تنصح؟
كامل: أرني الكتاب، وراح يتفحصه ويقلب
الصفحات، وخميس ينظر إليه بقلق منتظرًا رأيه، فهو يثق به. فكامل أكثر منه ثقافة
واطلاعًا، وقد كان مديرًا للمدرسة الابتدائية ثم أنه قريب عهد بالبلاد.
أخذ كامل نفسًا طويلًا، وهز رأسه وقال:
أظن أن الكتاب ليس فيه شيء، فالفتاوى النووية كان موجودًا في المكتبات التجارية،
ولكن بغير هذه الطبعة. توكل على الله، والله تعالى يحفظك ببركة العلم. كنت أظنه
لابن تيمية ولكنه للإمام النووي. النووي لم ينزل اسمه بعد في قائمة المطلوبين. ثم
أتبعها بابتسامة مريرة وأشار إلى لحية خميس: وهذه اللحية؟!
خمیس (دون تردد): سأزيلها. سأزيلها
صباحًا قبل أن أسافر.
كامل: أعانك الله. وإن شاء المولى
تسافر وتعود بالسلامة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل