العنوان حالة حزب العدالة والتنمية المغربي (4 من 5).. حقوق الإنسان في الخطاب السياسي الإسلامي المعاصر
الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم
تاريخ النشر السبت 27-سبتمبر-2008
مشاهدات 64
نشر في العدد 1821
نشر في الصفحة 34
السبت 27-سبتمبر-2008
- يربط الحزب منظومة حقوق الإنسان بقضية العدالة الاجتماعية.. ويجعلها جزءًا لا يتجزأ من سياساته العامة
- لم يطرح الحزب رؤية كافية لإعادة تعريف دور الدولة في ظل متغيرات المجتمع.. وفي مقدمتها التحول الديمقراطي والإصلاح السياسي.
حزب العدالة والتنمية
تغطي السياسات العامة التي يتبناها الحزب مضامين «حقوق الإنسان» بأجيالها الثلاثة التي تتحدث عنها الكتابات المعنية بالتأصيل النظري لهذه الحقوق مع ملاحظة أن هذه التغطية تأتي بنسب مختلفة من الاهتمام بحسب الظروف والمتغيرات والتحديات التي يشهدها المجتمع المغربي؛ فأحيانًا ينصب جانب كبير من اهتمام الحزب على حقوق الجيل الأول «الحقوق المدنية والسياسية»، وتارة تتركز جهوده بدرجة أكبر على حقوق الجيل الثاني «الحقوق الاقتصادية والاجتماعية»... وأحيانًا أخرى تتركز هذه الجهود على حقوق الجيل الثالث «الحقوق الجماعية»... وبتحليل نصوص الخطاب السياسي للحزب خلال السنوات العشر الأخيرة (۱۹۹۸ - ۲۰۰۸م) يتضح أن اهتمامه بحقوق الإنسان يتجلى من خلال تبنيه جملة من السياسات العامة، من أهمها الآتي:
أ- إدماج حقوق الإنسان في عملية الإصلاح والتحول الديمقراطي:
تشير كثير من الدراسات إلى أن ثمة علاقة طردية بين التحسن في حالة حقوق الإنسان وفرص نجاح عملية الإصلاح السياسي والديمقراطي، وأن كل إنجاز يتم في هذا المجال الحقوقي الواسع لا بد أن ينعكس بشكل إيجابي على عملية التحول الديمقراطي، وأن العكس صحيح أيضًا، وينطبق ذلك إلى حد كبير على حالة المغرب.
ولذلك جعل الحزب من أولويات سياسته العامة العمل على «توطيد الحريات العامة» كأحد المبادئ التي يجب أن تقوم عليها عملية الإصلاح السياسي والبناء الديمقراطي في المغرب، فالانتقال الديمقراطي - حسب تصور الحزب: «يمر عبر تأهيل شامل لمختلف المؤسسات التشريعية والتنفيذية بما يتطلب إدارة سياسية قوية، وتعبئة شعبية وطنية شاملة، وبرنامجا للإصلاح السياسي والدستوري لتوطيد الحريات، وتعزيز حقوق الإنسان، وتأهيل الحياة السياسية والحزبية لتقوم بدورها».
ويعتبر الحزب أن الاختيار الديمقراطي القائم على إقرار سيادة الشعب، وعلى تعددية حزبية حقيقية وتداول على السلطة في إطار تكافؤ شروط المنافسة بين الجميع من أهم المداخل لنهضة شاملة. غير أن المراهنة على الاختيار الديمقراطي لا يكون لها أي معنى ما لم تتدعم بالدفاع عن حقوق الإنسان والحريات السياسية، ولأجل ذلك يعتبر النضال الحقوقي إحدى ركائز حركته السياسية.
تجلت هذه الرؤية التي تدمج حقوق الإنسان ضمن شروط الإصلاح والتحول الديمقراطي في مواقف الحزب المؤيدة للإنجازات التي تحققت على صعيد حقوق الإنسان في المغرب، مثل: السعي لطي صفحة الاعتقال السياسي، ووضع كثير من الآليات القانونية والإدارية لتوسيع فضاء الحريات، وإحداث المجلس الاستشاري الحقوق الإنسان وتشكيل هيئات للتحكيم والتعويض والإنصاف والمصالحة، وديوان المظالم، والمصادقة على كثير من الاتفاقيات الدولية في مجال حقوق الإنسان والسعي نحو ملاءمتها مع التشريعات الوطنية.
ولكن الحزب - من جهة أخرى – يكرر مطالباته بضرورة «إنهاء حالات الاعتقال التعسفي، والتعذيب، والتضييق، والاختطاف وصيانة الحق في التعبير، وتأسيس الجمعيات والأحزاب والحق في اختيار المسؤولين ومحاسبتهم، والحق في شغل الوظائف العامة على ضوء معايير الكفاءة والقدرة والقانون والحق في استعمال الوسائل الإعلامية العمومية، و«دمقرطتها» وإنهاء حالة احتكارها لفائدة بعض الأطراف السياسية أو المدنية».
كما تجلت تلك الرؤية أيضًا بمناسبة مناقشة مشروع «قانون الأحزاب السياسي » سنة ۲۰۰۵م. فقد أكد الحزب في مذكرته بشأن مشروع القانون على عدة توجهات عامة ينبغي أن تتمثل في قانون الأحزاب ومن أهمها: حق جميع المواطنين من النساء والرجال في ممارسة العمل السياسي وحريتهم في تشكيل الأحزاب السياسية والانخراط فيها بطريقة اختيارية وطوعية وفتح عضوية الحزب لجميع المواطنين من دون استثناء أو تمييز على أساس قومي أو ديني أو عرقي أو جنسي، والالتزام بالديمقراطية الداخلية وشفافية التسيير المالي، وضمان مبدأ التداول على تدبير الشأن العام على أساس برامج ومشاريع مجتمعية».
وتدعم هذه الموجهات كلها السياسة العامة التي يتبناها الحزب في دمج المسألة الحقوقية ضمن عملية التحول الديمقراطي والإصلاح السياسي، ولهذا أيد الحزب ما اعتبره إنجازًا حقوقيًا وديمقراطيًا في مشروع قانون الأحزاب المذكور، مثل: تقديم دعم مالي من الدولة للأحزاب، وتعزيز دور القضاء في البت في منازعات الأحزاب.
ولكن الحزب اعترض في الوقت نفسه على ما اعتبره تراجعات في مشروع القانون من حيث زيادة تعقيد إجراءات تأسيس الأحزاب مثل زيادة عدد المؤسسين إلى ١٠٠٠ عضو ومنح صلاحيات واسعة لوزارة الداخلية بما «يجعلها خصمًا وحكمًا تجاه الأحزاب ».
وجاء البرنامج الانتخابي للحزب في الانتخابات التشريعية ۲۰۰۷م مؤكدًا تمسكه بتلك السياسة التي تعد منظومة حقوق الإنسان شرطًا أساسيًا لنجاح عملية التحول الديمقراطي والإصلاح السياسي، ويندرج دفاع الحزب عن حق تكوين الجمعيات والأحزاب ضمن اهتمامه بالحقوق الجماعية المدنية والسياسية، كما يندرج ضمنها اهتمامه أيضًا باللغة الأمازيغية وضرورة رد الاعتبار للثقافة الأمازيغية، بل ويطالب بإدماجها في المنظومة التعليمية باعتبارها حقًا من جملة الحقوق الثقافية الأمازيغ المغرب.
وعبر الحزب عن رفضه أيضًا لتعديلات القوانين الانتخابية لكونها «تكرس الإقصاء وتعرقل التطور الديمقراطي، وتحرم المغاربة المقيمين في الخارج من حقهم في المشاركة بالتصويت»، ويطالب الحزب بحقوق المغرب في مدينتي سبتة ومليلية، ويطرح فكرة الحكم الذاتي والجهوية الموسعة لحل مشكلة الصحراء المغربية في إطار الثوابت الوطنية التي تشدد على مغربية الصحراء، والتزام الديمقراطية والحوار بشأنها باعتبار أن كل هذه السياسات لا غنى عنها لإنجاح التحول الديمقراطي والإصلاح السياسي في المغرب.
ب- ربط حقوق الإنسان بالعدالة الاجتماعية:
يربط الحزب في سياساته العامة منظومة حقوق الإنسان بقضية العدالة الاجتماعية ويجعلها جزءًا لا يتجزأ من السياسات التي يدعو إليها لتحقيق هذه العدالة، ويرى أن تحقيق العدالة الاجتماعية شرط من شروط الاستقرار السياسي والتماسك الاجتماعي وأن العدالة الاجتماعية لا تتحقق «إلا ببناء مجتمع تتكافأ فيه الفرص أمام جميع المواطنين، وتتساوى فيه حظوظ استفادتهم من خيرات البلاد وثرواتها سواء تعلق الأمر بالأفراد أو بالفئات أو الجهات بحيث لا يكون التفاضل والتمايز إلا على أساس العمل والاجتهاد».
وتوضح الورقة المذهبية للحزب أبعاد العدالة الاجتماعية التي تشمل: القضاء، والتشغيل، وتوزيع فرص العمل، ومعالجة البطالة، وتوزيع الخدمات الصحية والتعليمية والثقافية ومحاربة الفقر ببناء اقتصاد وطني قوي، وتخصيص نسبة من الدخل القومي لتمويل برامج محاربة الفقر، وفتح مجال الاستفادة من الخدمات الأساسية للفئات المستضعفة، والسعي لإزالة الظلم الذي تعرضت له المرأة، ومعاناتها أكثر من الرجل من تفشي الجهل والأمية والظلم والتعسف وهضم حقوقها الشرعية والقانونية والاجتماعية وضعف حضورها في مراكز القرار السياسي.
ويكشف الخطاب السياسي للحزب عن أنه يضع مبدأ العدالة الاجتماعية في مستوى المبادئ التأسيسية الموجهة لصنع السياسات العامة وتحديد الاختيارات الكبرى في عملية تخصيص الموارد وإدارة شؤون المجتمع والدولة معًا؛ وليس فقط المعالجة الاختلالات التي تنشأ بفعل نظام السوق والمنافسة الحرة.
ومع ذلك، فإن وثائق الحزب لا تركز بشكل كاف على تقديم رؤية لإعادة تعريف دور الدولة في ظل المتغيرات والتحديات التي يمر بها المجتمع، وفي مقدمتها تحديات عملية التحول الديمقراطي والإصلاح السياسي، ويخفف من نقدنا هذا أن البرنامج الانتخابي الأخير (۲۰۰۷م) تطرق إلى بعض الزوايا التي ترسم حدود مسؤولية الدولة ودورها الذي يجب ألا تتنازل عنه للإسهام في ضبط موازين العدالة الاجتماعية من خلال بعض السياسات العامة، ومن أهمها السياسة الضريبية.
لم يكتف البرنامج - في هذا الصدد- بالإحالة إلى شبكات التضامن الاجتماعي للقيام بالدور الأكبر في هذا المجال، في نطاق الأسرة، ورعاية الأيتام، والمرأة المعيلة ومساعدة الأسر الفقيرة؛ لأن هذه السياسات الأخيرة وحدها تقترب من سياسات الضمان الاجتماعي، بقدر ما تبتعد عن سياسات العدالة الاجتماعية والفارق الأساسي بينهما هو أن الجزء الأكبر من مسؤولية الضمان الاجتماعي يقع على عاتق المجتمع وتكويناته الأهلية والمدنية، بينما الجزء الأكبر من سياسات العدالة الاجتماعية يقع على عاتق الدولة، ويتحدد في اختياراتها الدستورية والاقتصادية والتوزيعية، وهو ما لا توضحه وثائق الحزب بشكلٍ كافٍ.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل