العنوان الكرمك أسقطت المؤامرة الماركسية
الكاتب عبيد الأمين
تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-1989
مشاهدات 64
نشر في العدد 945
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 12-ديسمبر-1989
- وقّت الشيوعيون إضراب الأطباء مع بداية المفاوضات مع عصابة المتمردين لإظهار الحكومة بموقف الضعيف لكي تملي عصابة التمرد شروطها.
- استعادة الكرمك بددت أحلام المتآمرين وأظهرت تلاحم الجماهير مع الثورة في صراعها ضد الظلاميين.
عاشت العاصمة السودانية خلال الأسبوع الماضي عددًا من المشاهد الساخنة؛ فقد استهل بنتائج انتخابات جامعة الخرطوم وفوز قائمة الاتجاه الإسلامي بكامل المقاعد الأربعين للاتحاد، ثم جاء بيان القوات المسلحة السودانية المبشر بتحرير مدينة الكرمك من يد المتمردين أذناب العمالة الدولية؛ غير أن تلك الأحداث تبدو طبيعية إذ إنها تؤكد منطقية الترابط في المسيرة السودانية والتي اتجهت مؤشراتها نحو الأفضل منذ أن أهلت ثورة الإنقاذ الوطني.. أما النشاز في أحداث الخرطوم فقد توزع في عدة إثارات ومشاهد خداجية نافقة تتصل في نهاياتها بالتآمر الماكر الذي طال ليله وادلهم.. فقد مدت الأحداث رأسها بالنضج في قضية مطلبية محدودة موروثة من عهود التيه الطائفي و«الديمقراطية» الخادعة، تلك هي مشكلة عمال مصنع النسيج السوداني التي أدت بكثير من العمال إلى فقدانهم لوظائفهم، وبذلك تبدو قضية التظاهر قضية غير سياسية، إلا أن التظاهر في حد ذاته يعني القفز فوق قواعد الانضباط الصادرة على الثورة ولكي تتكامل قضية التظاهر لتصل إلى المواجهة السياسية، فقد أعدت طغمة الحزب الشيوعي المنحل -ومن تبعهم من المتعصبين العلمانيين والناصريين وبعض الطوائف- نفرًا من طلاب جامعة القاهرة فرع الخرطوم لا يتجاوزون المائة بالتظاهر وترديد بعض الشعارات عن «إبريل» إشارة لانتفاضة إبريل/ رجب، والتي توجها تدخل العسكر الشرفاء ممثلين مجلس سوار الذهب، وجاءت إضرابات الأطباء والصيادلة والبيطريين لتفتح الطريق للاعتصام والعصيان المدني المزعوم. وكانت خطوط التآمر ترتكز على إشعال فتيل الأحزاب لأكثر من عشرين نقابة بما فيهم نقابات العمال وأساتذة جامعة الخرطوم وموظفي مشروع الجزيرة والأطباء والصيادلة وخلافهم. وبالرغم من أن المخطط قد قضى وقتًا طويلًا عند «الحاكة» إلا أن نسجه جاء مهلهلًا وسمجًا؛ فقد تناسى أوليات العمل السياسي، وهو أن النقمة الشعبية لا تؤدي هدفها ما لم تكن هناك قيادة فاعلة ومقنعة، وهو ما لم يتوفر لطائفة المتآمرين، وإلا فمتى كان الحزب الشيوعي السوداني وتابعوه على رأس الحركة الوطنية؟ ومتى ترك الشيوعيون وكر التآمر ضد مصالح البلاد والانسياق خلف دعاة الفتنة؟
فشل
في مطلع عهد المشير سوار الذهب- د. الجزولي دفع الله اجتمع رأي النقابات وبعض الأحزاب السياسية على مواجهة أي نظام عسكري يأتي لتقويض النظام الديمقراطي، وكانت للظروف المصاحبة لذلك الميثاق أكبر الأثر في صدوره، فقد جاء بعد نظام عسكر «نميري» تقلب في الولاءات وحمل وجوهًا متعددة ومارس حكمًا اختلف الناس حول نتائجه كثيرًا، إلا أنهم اتفقوا جميعًا على إزاحته، فكانت الانتفاضة في رجب/ إبريل 1985م، وعندما جاءت ثورة الإنقاذ الوطني وجاء الفريق البشير بثورة الجيش تنادى بعض أولئك النفر عن مصير ميثاقهم والمواجهة التي هددت بالعصيان المدني والاعتصام حتى يسقط نظام الجيش، غير أن الظروف متحالفة مع القوات المسلحة تمامًا، فالشعب تدفق للشوارع يؤيد قرارات الجيش في تنظيم العاصمة وتجديد ما تشوه منها، وكان «النفير» قويًّا ومدويًّا وهو يرصف طريق المنطقة الصناعية في بحري يزرع الأشجار في المرافق العامة والحدائق والطرقات، هكذا كان التأييد عمليًّا، ويومًا بعد يوم تقوى صلة الثورة بالجماهير وتتلاحم القوى العاملة عضدًا وطنيًّا تحت قيادة الثورة، ومن الجانب الآخر كانت فلول الشيوعيين يعضون الأنامل غيظًا على ما يشهدونه من تقدم تحت ريادة القيادة الجديدة، وكانت الدعوة للأحزاب هي كل ما يملكه الشيوعيون، بالإضافة إلى نشر الإشاعات وإخراج بعض المناشير، وكانت الناس تصم آذانها عن تلك الدعوة أولًا: يأسًا من قدوم الخير والتقدم على يد الفلول الشيوعية المسلمة. ثانيًا: لأن الدعوة إلى عودة الأحزاب ليست هدفًا جماهيريًّا بعد أن كانت الأحزاب والديمقراطية وضعًا مؤلمًا في صدر الحياة السودانية وفوضى لا حدود لها، فالأحزاب لم تقدم طيلة سنواتها الثلاث بل طيلة العهود الثلاثة شيئًا غير الكلام، وإن كانت الحزبية تتسم بطهارة اليد في عهدها الأول والثاني، فقد فقدت هذه الخاصية في عهد «المغوارين» الصادق/ والميرغني.
ثالثًا: إن الثورة التي يراد الإطاحة بنظامها ليست حركة عسكرية هوجاء، أو إنها انقلاب من أجل المجد الشعبي؛ وإنما كانت ثورة بحق من أجل صياغة سودان جديد وإنقاذ الأوضاع التي جنتها عهود التيه.
الكرمك
بالطبع لا يحق لنا أن نصف المعارضة -إن كانت معارضة شريفة- بالتآمر لمجرد أنها معارضة أم أنها قد اتصلت بالعدو القومي للوطن الضالع في سلك العمالة لشياطين الأرض من نيويورك إلى تل أبيب، فإنه لا يسعنا بل الواجب وطنيًّا أن نصنف ذلك العمل بأنه مؤامرة.. لقد وقت الشيوعيون وتوابعهم لحركتهم التآمرية مع قرب اللقاء المحدد بين وفد الحكومة ووفد المتمردين في نيروبي لإظهار الحكومة بموقف الضعيف، فبدأت الإضرابات بإضراب الأطباء في 26 نوفمبر، وتظاهر مائة طالب في الفرع وتبعهم الصيادلة والبيطريون، وقد ساق الأطباء حجتهم الإضرابية على أنهم يطالبون بإطلاق بعض أعضاء نقابتهم السابقين -د. عبد الرحمن أبو الكل- طبيب شيوعي- كما ساقوا بعض الحجج وأغلبها لا يتصل بأعباء المهنة ومعاناة الناس. وقد كان الإضراب هزيلًا؛ ففي أم درمان والخرطوم لم تتعد نسبة المضربين 30%، وفي الخرطوم بحري كانت نسبة الأحزاب صفرًا، بل إن بعض المضربين ذهبوا إلى المستشفيات وكتبوا على صدورهم ما يثبت أنهم مضربون، إلا أن وزير الصحة د. شاكر السراج رفض وجود مثل ذلك داخل المستشفيات وقال: من أراد أن يضرب فليضرب ولا يأتي إلى المستشفى، ومن يرفض الإضراب فليبق في مجال عمله. وقال الوزير متحديًا زملاءه الأطباء: إن الوزارة في هذا العهد على قصره شهدت تقدمًا واهتمامًا لم تشهده منذ عهد الستينيات.
وهكذا كان مصير المؤامرة «زوبعة في مختبر صحي» لم يتجاوز نطاقهم، وهو ما جعل البقية ترفض الانسياق وراء مشروع فاشل.
القاصمة
إن القوة السياسية لا تقاس ببعض التوجهات النقابية، والعمل السياسي في السودان خاصة ليس وليد إدارات فوقية؛ وإنما هو حركة جماهيرية واسعة تتصل بمناحي الحياة أخذًا وعطاء، ولذا فإن العمل النقابي يشكل إحدى القنوات الفاعلة والمؤثرة في العمل السياسي كجماعة ضغط من جانب، وإطار نضالي تعبوي في جانب آخر، والنقابة القيادية هي النقابة القاعدة، وإذا انفصلت هذه المعاني فإن القيادة تسقط لتبقى القاعدة وتفرز القيادة، وهذا ما حدث لأطباء الأحزاب، فإن الأحزاب قد كشفت ضعف العلاقة بين القيادة، وانحازت القاعدة الطبية إلى المنطق والموضوعية، وسقطت نقابة الاحتواء في أتون محرقة العمالة لجون قرنق وآخرين.. وجاءت معركة الكرمك بعد ثلاثة أيام من «الزوبعة» لتضع حدًّا «للهرج»، وخرجت الجماهير في مدني عاصمة الإقليم الأوسط تهتف لثورة الإنقاذ والانتصار، كما خرجت في الخرطوم وأم درمان وبحري وبقية مدن السودان، وسقط في أيدي المتآمرين ما كانوا يفعلون، ومن جبهة الجامعة فاز الاتجاه الإسلامي باتحاد الجامعة كعادته منذ أن أزيح الرجل اليساري من ساحة العمل السياسي في السودان وسقط تجمع التحالف الطائفي اليساري كأسوأ ما يكون السقوط، وهكذا كان الرد قويًّا وواعيًا كقوة الفاتحين في الكرمك، وواعيًا كوعي أعرق جامعات السودان.
وهكذا رد الله غيظهم إلى نحورهم ورجعوا لم ينالوا شيئًا. وكان رجوع الكرمك ملحمة وطنية هزت أولياء الشيطان وباغتتهم القوة الحقيقية التي تتمتع بها الثورة في نفوس الجماهير والقوات المسلحة ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُون﴾ )الروم:4).