العنوان أمن الخليج على الطريقة الأمريكية!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-مايو-1987
مشاهدات 76
نشر في العدد 817
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 12-مايو-1987
حكومة ريغان تحاول زعزعة الأمن في الخليج تحت غطاء من المبردات الثعلبية الخبيثة.
تغذية القوى الامبريالية بزعامة أمريكا لنيران حرب الخليج، تهدف لعرقلة التطور الحضاري للمنطقة.
تكثفت في الآونة الأخيرة التحركات الأمريكية في منطقة الخليج العربي على الصعيدين السياسي والعسكري، فقد احتشدت ١٨ سفينة حربية أمريكية في مياه الخليج تقودها حاملة الطائرات «كيتي هوك» التي تحمل على ظهرها ٩٥ طائرة قاذفة ومقاتلة، لتشكل بذلك أسطولًا ضخمًا يستعرض عضلات أمريكا في المنطقة. وتحدثت الأنباء منذ أيام عن احتكاك بين قطع من هذا الأسطول وقطع بحرية إسرائيلية تمثلت بالخصوص في إجبار سفن حربية إيرانية على إخلاء سبيل سفينة نقل تجارية كان الإيرانيون يعتزمون التعرض لها وتفتيشها. كما تمثلت أيضًا في إعلان إيران عن اعتراض طائراتها لطائرة تجسس أمريكية كانت تحلق في الأجواء الإيرانية. أما التحركات السياسية الأمريكية فإن أبرز مظاهرها حملة الزيارات المكثفة التي قام بها مسؤولون أمريكيون لدول مجلس التعاون الخليجي تحت عناوين مثل بحث الحرب العراقية الإيرانية وتطوراتها، وتوضيح موقف أمريكا منها، وبحث المشكلات النفطية والاقتصادية التي تهم المنطقة، وبحث ما يسمى بتحريك عملية السلام في الشرق الأوسط بعد الجمود الذي أصابها خلال السنوات الأربع الماضية ضمن مشروع المؤتمر الدولي المطروح حاليًا. وقد فسرت تلك التحركات بشقيها العسكري والسياسي على أنها رد أمريكي على نصب إيران لصواريخ أرض- بحر صينية بمحاذاة مضيق هرمز لتهديد الملاحة فيه، فهل هذا كل ما وراء التحركات الأمريكية المفاجئة والتي أبرزها الإعلام الأمريكي والغربي على أوسع نطاق؟ وهل تعني هذه التحركات أن تحولًا ما قد طرأ على السياسة الأمريكية في منطقة الخليج العربي؟ من جهة ثانية يلاحظ المراقبون السياسيون أن السياسة الخارجية السوفيتية التي لبست ثوبًا جديدًا في عهد غورباتشوف قد نشطت هي الأخرى في منطقة الخليج؛ حيث توالت الزيارات لمسؤولين سوفييت لدول المنطقة، وتبودلت الرسائل بين الزعيم السوفيتي غورباتشوف وحكام هذه الدول، وآخرها رسالة غورباتشوف للسلطان قابوس سلطان عمان والتي سلمها له فلادمير بتروفسكي نائب وزير الخارجية السوفيتي، الذي سبق له أن زار الكويت والإمارات في جولة عربية خليجية سبقها بزيارة العراق، ومعلوم أن الاتحاد السوفيتي قد أقام علاقات دبلوماسية مع كل من عمان والبحرين في إطار تطلعاتهم إلى الخليج وتعزيز نفوذه فيه. ولقد استقبل السوفييت مؤخرًا في موسكو وزيرًا نفطيًّا خليجيًّا بحفاوة وترحاب كبيرين، وربما يكون ذلك مؤشرًا على قرب إقامة علاقات دبلوماسية بين تلك الدولة الخليجية والاتحاد السوفياتي فهل تعني هذه التحركات من قبل الجبارين على أن منطقة الخليج مقبلة على مرحلة جديدة من التنافس والصراع بينهما؟
حكومة ريغان التي زعزعت الأمن والاستقرار في البحر الأبيض المتوسط في ابريل الماضي بإغارة طائراتها على ليبيا تحاول أن تفعل نفس الشيء في الخليج العربي، ولكن هذه المرة تحت غطاء من المبررات الثعلبية الخبيثة حيث تدعي حكومة ريغان أن هدفها إنما هو حماية أمن دول المنطقة واستقرارها وحماية الملاحة الدولية المهددة في مضيق هرمز ومن خلال هذا التبرير تبدو أمريكا وكأنها تقف بحزم ضد اتساع رقعة حرب الخليج وامتدادها مما قد يوجد لدعاياتها آذانًا صاغية، ولكن هل هذه هي فعلًا غايات أمريكا من تحركاتها الأخيرة؟ إن استقراء الوضع في المنطقة وما يحدث فيها من أحداث يؤكد أن هذه المنطقة أصبحت ذات أهمية بالغة بالنسبة للقوى العظمى وهي بالنسبة لأمريكا تقع بعد أوروبا من حيث موقعها الاستراتيجي الذي يزداد أهمية سنة بعد سنة في نطاق تشكل القوى الاقتصادية والسياسية على شواطئ المحيط الهندي علاوة على كونها تحتوي على أضخم احتياطي نفطي في العالم ولا بد أن تكون منطقة بهذه الأهمية في قلب الإستراتيجية الكونية الأمريكية والتي تتميز بالوقوف في وجه السوفيات ومجابهتهم وانطلاقًا من هذه النظرة للمنطقة ومن كونها منطقة أزمات كبيرة وبؤرة توتر فإن أمريكا تحرص على أن لا يهدأ التوتر فيها وتحرص على إثارة هذا التوتر كلما كانت هنالك مؤشرات توحي بتخفيفه وبذلك تبرر لنفسها التواجد في المنطقة تحت زعم حمايتها.
إن أمريكا تدعي أن الملاحة في هرمز أصبحت الآن مهددة بفعل حصول ايران على صواريخ صينية نصبتها هناك وهي تخشى من إيقاف تدفق النفط عبر هذا المضيق ولذا ترى من واجبها التحرك العسكري للضغط على ايران وإخافتها قبل أن تقدم على غلق مضيق هرمز وإذا ما تحدت ايران القوة الأمريكية تكون هذه القوة في حل من استعمال وسائلها العسكرية للإبقاء على المضيق مفتوحًا في وجه الملاحة الدولية لكن الواقع يقول أن صادرات النفط عبر الخليج قد تناقصت بنسبة كبيرة نتيجة الحرب الدائرة بين العراق وايران ونتيجة انخفاض سعر البرميل فبعد أن كانت هذه الإمدادات تمثل ٤١٪ من إمدادات العالم «غير الشيوعي» أصبحت الآن لا تتجاوز نسبة ١٥%، أما نصيب أمريكا من الإمدادات النفطية الخليجية فلا تزيد عن 5% وبالتالي فإنه حتى لو أغلق مضيق هرمز فإن الولايات المتحدة لن تتضرر نفطيًا من هذا الغلق لا سيما وأن السوق النفطي فيه من الفائض ما يلبي الحاجة، إن المتضررين في هذه الحالة أكثر من غيرهما هما اليابان وأوروبا «ما عدا بريطانيا» وحتى عوائد النفط الخليجي المستثمرة في أمريكا ليس لها من الأهمية ومن الثقل ما يجعلها ضمن مبررات هذه التحركات الخطيرة حيث لا تمثل هذه الاستثمارات سوى حوالي 0,5% بالنسبة لميزانية أمريكا، إذن لا بد أن تكون هنالك دواع أخرى وراء ما يحرك أمريكا ويحرك أساطيلها في المنطقة.
نلاحظ أول ما نلاحظ أن هذا التحرك الأمريكي قد أتى في أعقاب ما عرف بفضيحة ایران غيت وما أجري من تغييرات داخل البيت الأبيض الأمريكي ومما لا شك فيه أن تلك الفضيحة التي لا تعتبر نشازًا في السياسة الأمريكية لو بقيت سرًا مطويًا قد هزت مصداقية الولايات المتحدة وفضحت سياستها في المنطقة ولذا فإننا نفهم جيدًا أن تسارع أمريكا بأي شكل من الأشكال ولو بالتحرك العسكري إلى استعادة تلك المصداقية أو ترقيعها ليس حفاظًا على الصداقة العربية الأمريكية وإنما سدًا للثغرات التي سيتسلل منها السوفيات للمنطقة. وبالفعل فإن إهتزاز صورة أمريكا في منطقة الخليج العربية قد ترجم بتقارب عربي سوفياتي لم يشهد له مثيل من قبل وأبرز مظاهره اقتحام السوفيات على الأمريكان قلعتهم العتيدة في عمان التي أقامت تمثيلًا دبلوماسيًا بينها وبين موسكو على مستوى السفراء وأن كان هؤلاء السفراء يقيمون في عمان في الأردن في الوقت الحالي ولقد استغل السوفيات الوضع وهم الذين دأبوا مؤخرًا على الهجوم سياسيًا في كل مكان وكل زمان في منافسة حادة مع الأمريكيين ولقد كان على رأس الهموم الأمريكية في المنطقة التصدي لما تزعم أمريكا أنه محاولات تغلغل سوفياتية في المنطقة فلا عجب أن نرى أمريكا إذن تتحرك وتحرك أسطولها في الخليج لتقطع الطريق أمام السوفيات ويبدو أن ريغان على استعداد لتنفيذ قول كارتر سنة ۱۹۸۰ بأن أي محاولة معادية للخليج سوف يتم «صدها بأية وسائل ضرورية بما في ذلك القوة العسكرية».
ولقد تزامنت هذه التحركات الأمريكية مع أخبار إذاعة وكالاتها عن إقامة الاتحاد السوفياتي مراكز تنصت بالأراضي الايرانية لمراقبة قواعدها بباكستان. وإذا كانت هذه الأخبار صحيحة فإن ذلك يعني أن أمريكا قصدت بتحركاتها تحذير إيران من هذه الخطوة والضغط عليها عسكريًا من أجل أن تتعامل معها مجددًا وتعود إلى صفها أو على الأقل من أجل دعم المنادين بالتقارب الأمريكي الايراني ضمن القيادة الايرانية وبذلك تكون أمريكا قد ضربت عصفورين بحجر واحد.
الإبقاء على التوتر في الخليج يبقي على أسواقه مفتوحة أمام الأسلحة والبضائع الأمريكية.
ومن البديهي أن الشعور بعدم الاستقرار والأمن وإشاعة أجواء الخطر يدفع الخليجيين إلى صرف أموال طائلة للتسلح وتعزيز قدراتهم الدفاعية ومن هنا يلتقي هذا الهدف الأمريكي المحدود والمتمثل في تسويق أسلحتها وبضائعها الأخرى مع إستراتيجيتها الكبرى في المحيط الهندي.
إن أمريكا تريد أن تبقى أسواق الخليج مفتوحة على مصراعيها لتدخل إليها الأسلحة الأمريكية والمصنوعات الأمريكية المختلفة وتخرج منها عوائد النفط ثمنًا لذلك السلاح وتلك البضاعات ومعنى ذلك طبعًا علاوة على كونه ضربًا من الاستنزاف الإبقاء على الوجود الأمريكي الاقتصادي والعسكري في منطقة تريد أمريكا أن تبقى ضعيفة خائفة تستظل بالمظلة الأمريكية وتحول على حمايتها لها ولقد أصبح مفضوحًا الأن أن تغذيه القوى الإمبريالية بزعامة أمريكا لنيران حرب الخليج بطرق مباشرة وغير مباشرة إنما هو لعرقلة التطور الحضاري للمنطقة وتعطيل جهدها التنموي بقلب سلم أولوياتها بحيث يصبح الهاجس الأمني يؤرقها ويعطلها عن عمليات البناء والتقدم فضلًا عن أنه يحيدها ويشغلها عن الصراع العربي الصهيوني.
ماذا تريد أمريكا من الخليج؟
تحاول الدعاية الأمريكية والغربية عمومًا إظهار هدير السفن الأمريكية الحربية في مياه الخليج في الآونة الأخيرة على أنه عمل ظرفي لأسباب ظرفية والحقيقة أن تلك الأسباب التي قدمتها تلك الدعاية واهية بدليل أن من يريد أن يغلق «ذلك الممر المائي المهم» مضيق هرمز ليس بحاجة إلى الصواريخ فحتى المدافع يمكنها أن تتحكم في ذلك الممر المائي الهام الذي لا يتجاوز عرضه أربعين ميلًا، ولكن ذلك التحرك الأمريكي يندرج ضمن سياسة أمريكية متكاملة في منطقة الخليج وهي بدورها جزء من إستراتيجية أمريكا في المحيط الهادي عمومًا.
وأهم معالم السياسة الأمريكية المذكورة ما يلي:
1- المحافظة على الحضور الأمريكي في المنطقة وترسيخه نظرًا لاعتبارات جغرافية وإستراتيجية غاية في الأهمية والتمسك بالتحالفات الإقليمية الراهنة باعتبارها تقف حاجزًا دون خطر التغلغل السوفياتي المزعوم.
2- استقطاب إيران عبر محاولات الترغيب والترهيب وعدم إتاحة الفرصة للاتحاد السوفياتي للتقدم نحو الخليج عبره أو بواسطته.
3- المحافظة على التحكم في ثروات الخليج النفطية والحيلولة دون تطبيق سياسة نفطية خليجية موحدة تضر بالاقتصاد الأمريكي سواء من حيث فتح الأسواق أو من حيث استثمار العوائد النفطية أو من حيث الأسعار.
4- التحكيم قدر الإمكان في رسم أطر العلاقات تحت الرقابة الأمريكية الدائمة ويندرج ذلك في إطار المنافسة الآخذة في الاشتداد بين كل من اليابان وأمريكا.
5- التواجد العسكري الدائم في المنطقة سواء في قواعد عسكرية في المنطقة نفسها أو في قواعد أخرى قريبة منها بحيث يمكن للقوات الأمريكية المرابطة بها الوصول إلى شواطئ الخليج في ظرف ساعات معدودة أو من خلال تحريك الأساطيل نحوها.
وأخيرًا نذكر بأن دول الخليج العربية واعية كل الوعي بالاستقطاب الدولي لمنطقتهم وقد كانت الكويت سباقة لإعلان أن أمن الخليج مهمة أبنائه وحدهم في إشارة إلى وجوب ترك الخليج وشأنه.
ولكن الوضع في الخليج كله مرهون بالحرب العراقية الايرانية ولا يزال الخليجيون وغيرهم يتساءلون ألم يأن لهذه الحرب أن تنتهي؟؟