; في السياسة الشرعية (الحلقة ٤٦): الموقف الإسلامي من النظرية الماركسية | مجلة المجتمع

العنوان في السياسة الشرعية (الحلقة ٤٦): الموقف الإسلامي من النظرية الماركسية

الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي

تاريخ النشر الثلاثاء 15-مارس-1983

مشاهدات 61

نشر في العدد 612

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 15-مارس-1983

  • ماذا تقول النظرية الماركسية؟

لكي نحدد الموقف الإسلامي من النظرية الماركسية لابد أن يعرف القارئ- بدقة- ماذا تقول النظرية المذكورة، إذ إن كثيرًا من الناس يبنون مواقفهم على انطباعات يعوزها العلم الموضوعي بالأشياء والمصطلحات والمفاهيم، وإذا كان هذا الأمر لا غبار عليه عند غير المسلم، فلا يليق ذلك بالمسلم، بل ينبغي أن يكون من «الذين يعلمون» ويبنون مواقفهم على علم موضوعي لا على هوى أو عناد أو نزعة، ونقصد بالنظرية الماركسية الدليل النظري الذي تسترشد به الأحزاب الشيوعية في صراعها مع القوى السياسية غير الشيوعية، وهو دليل ذو طبيعة شمولية، فهو يتناول التاريخ بالتحليل والتفسير وكذلك المجتمعات والحركة الاقتصادية ضمن ذلك، وبإمكاننا أن نتناول هذا الموضوع بشكل موَّسع وهذا سيضطرنا بالطبع لرصد منابع الفكر الماركسي أو المؤثرات التي صبت فيه سواء عند أوجست كونت أو فريرباخ أو دارون أو هيجل، وكذلك سيضطرنا التحليل الموسوعي للموضوع إلى التطرق لرواد الاشتراكية الأوائل: سان سيمون وشارل فورييه وروبرت أوين، وقد يقذف بنا هذا المدخل للموضوع إلى شيء من الأكاديمية التي لا نعتقد بأن قارئ «المجتمع» معنِيٌّ بها، لذلك سوف نحدد بعض المفاهيم الرئيسية التي تطرحها النظرية الماركسية وعلى ضوئها نشرع في تحديد موقفنا الإسلامي منها، فما هي المفاهيم الرئيسية؟

  • التفسير المادي للتاريخ

«المادة عند ماركس، هي المحرك الرئيسي للتاريخ، والعامل المهيمن في التطور عن طريقها تتحدد العوامل الأخرى، لأن هذه العوامل ليست مستقلة في تكوينها وتشكلها، بل تتأثر في وجودها وفي صورها بالظروف المادية المتصلة بطرق الإنتاج وبعلاقات التبادل التي تنشأ بين طبقات المجتمع نتيجة لهذه الطرق، ويقول ماركس بأن الأوضاع القانونية والاجتماعية والسياسية والفنية والأدبية والفلسفية، وجميع النواحي الفكرية عمومًا، لا يمكن أن تُفهم بذاتها، لأنها تتحدد وتتشكل وفقًا لتأثير العوامل المادية أو الاقتصادية عليها، فالأوضاع الاقتصادية هي الأساس الرئيسي الذي يؤثر في كافة الأوضاع والنُّظُم الاجتماعية والفكرية الأخرى بحيث تنطبع هذه الأوضاع والنُّظُم بالصورة التي يقتضيها البناء الاقتصادي القائم«.

  • الخماسية التاريخية

لقد سجل التاريخ خمسة أشكال اجتماعية هي: المشاعية والبدائية، ونظام الرِّق، والإقطاع، والرأسمالية، ثم الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية الممهدة للشيوعية، كان البشر في طور المشاعية البدائية يعيشون في حالة وحشية يأكلون مما يجدونه في الطبيعة من نباتات صالحة للاستهلاك ولم يكن لديهم تملك خاص لأدوات الإنتاج، ومع ظهور الملكية الخاصة لأدوات ومواد الإنتاج تلاشت المشاعية البدائية وظهر أول تقسيم للمجتمع إلى طبقات على أساس المصالح الاقتصادية، وبهذا يكون قد نشأ نظام جديد على أنقاض المشاعية البدائية ألا وهو نظام الرق، نشأ نظام الرق من طريقين: طريق الحروب فكان المغلوب في الحرب يتحول إلى رقيق، ونتيجة لنمو الإنتاج السلعي والتبادل النقدِي ظهر الإقراض الرِّبوي ومعه ظهر استعباد المَدِين عن طريق الديون، فقد كان المَدِين الذي يثقل كاهله الدين الربوي الفاحش يضطر لبيع والده أو ابنه أو نفسه رقيقا لأجل سداد دينه، وانتهى نظام الرق إلى الدمار حين أصبح مناقضًا لطابع قوى الإنتاج، وظهر النظام الإقطاعي، ويتميز النظام الإقطاعي بأن علاقات الإنتاج فيه قائمة على ملكية الإقطاعي للأرض كوسيلة رئيسية للإنتاج واشتغال الفلاح لحساب السيد الإقطاعي، وكانت الدولة والكنيسة هما الجهازان الجباران المسيطران على المجتمع واللذان يحميان مصالح الإقطاع، وحين أصبح النظام الإقطاعي عقبة في وجه كل تطور لاحق في الإنتاج الجديد وأخذت العلاقات الإنتاجية الرأسمالية تظهر وتتطور نتيجة لعدة عوامل منها الاكتشافات الجغرافية وزيادة التجارة وحين أصبح الرأسمالي يستغل العامل نتيجة لهذا كله انهار نظام الإقطاع وانفجرت الثورات البرجوازية الرامية إلى هدم النظام الإقطاعي وإفساح المجال أمام تطور الرأسمالية، غير أن الرأسمالية عندما تتطور قُوى المجتمع المنتجة تصبح أكثر فأكثر عائقا في طريق تطور، هذه القوى التي ولدتها هي ذاتها، ومن هنا يتبين أن إلغاء الرأسمالية بالطرق الثورية واستبدالها بالشيوعية -أي بمجتمع لا طبقي- تكون وسائل الإنتاج فيه مِلكا مشتركا يصبح ضرورة تاريخية، ولكن هذا الانتقال من الرأسمالية إلى الشيوعية يمر عبر مرحلة الاشتراكية، وهذه المرحلة تهدف -كما تحدد ذلك المصادر الرئيسية للفكر الماركسي- للقضاء على استغلال الإنسان لأخيه الإنسان والقضاء في الوقت نفسه على طبقات المجتمع المتناحرة ولابد من فترة زمنية معينة حتى تتمكن الثورة من تحقيق ذلك

  • صراع الطبقات

المجتمعات منقسمة إلى طبقات متناقضة المصالح، ولمَّا كان استغلال طبقة من قِبَل طبقة أخرى هو أساس الحضارة وتحرّكها- كما تطرح النظرية الماركسية- فإن نمو الحضارة كلها يسير في تناقض مستمر، كل خطوة إلى الأمام في الإنتاج هي في الوقت ذاته خطوة إلى الوراء في أحوال الطبقة المضطهدة، أي الأكثرية العظمى، كل ما هو خير للبعض لابد أن يكون شرًّا للآخرين، كل تحرر جديد لإحدى الطبقات يعنى دائما اضطهادا جديدا لطبقة أخرى، الدولة في الأساس وسيلة قهر طبقي بيد طبقة ضد عدة طبقات، وفي مرحلة الاشتراكية تستولي طبقة العمال «البرولتياريا» على السلطة وتطوعها لصالح التحول الاشتراكي .

  • الدين

يقول ماركس: إن الدين لا يصنع الإنسان ولكن الإنسان يصنع الدين، إن البؤس الديني لهو التعبير عن البؤس الواقعي والاحتجاج على هذا البؤس الواقعي في وقت ما... الدين زفرة الكائن المشتعل بالألم، وروح عالم لم يبق فيه روح، وفكر عالم لم يبق فيه فكر، إنه أفيون الشعوب.

(انظر: كارل ماركس: هنري لوفافر، ترجمة محمد عيتاني، دار بيروت للطباعة والنشر، ۱۹۷۲، ص ١٦).

ويقول إنجلز: ومهما يكن من شيء فليس الدين إلا الانعكاس الوهمي في أذهان البشر لتلك القوى الخارجية التي تسيطر على حياتهم اليومية.

(انظر: أنت دوهرنغ ، إنجلز، ص ٣۸۱).

  • هذه باختصار شديد بعض المفاهيم الرئيسية التي تطرحها النظرية الماركسية وسوف نحدد الموقف الإسلامي منها عبر مناقشتها في الحلقة القادمة وإثبات بطلانها بإذن الله تعالى.
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

140

الثلاثاء 21-أبريل-1970

مع القراء - العدد 6