العنوان لبيك بقلب سليم(٣) ﴿لَّقَد جِئتُمُونَا كَمَا خَلَقنَٰكُم أَوَّلَ مَرَّةِ﴾(الكهف:٤٨)
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 01-ديسمبر-2007
مشاهدات 72
نشر في العدد 1779
نشر في الصفحة 50
السبت 01-ديسمبر-2007
الكل في عرفة متساوون فلا مكان للألقاب والأجناس ولا الألوان والطبقات
ها هم الحجاج قد قطعوا سهام الشيطان وخلعوا ربقة الهوى من أعناقهم بإجابة أمر ربهم وتعظيم شعائره
رمي الجمار يقصد به الانقياد لطاعة الله إظهاراً للعبودية وانتهاضاً لمجرد الامتثال من غير حظ للعقل والنفس
حين لبى نداء رسول الله صلى الله عليه وسلم «أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا»(مسلم)، لباه امتثالاً وطاعة، وحبا وقربة لله ورسوله، فقد كان يتمنى من أعماق قلبه أن تطوى الأيام والليالي ليصل إلى الأمنية الغالية.. إلى الوقوف بعرفات الله، حيث يشهد موسم الخير كله، عساه أن يكون من عتقاء الرحمن في هذا اليوم العظيم، وممن ينظر إليهم مولاهم في هذا الحشد الهائل. هتف في نفسه مشفقاً عليها: أهذا يوم الحشر ؟! وماذا عسى يوم الحشر إذن أن يكون؟!
لقد تذكر الموت في ملابس إحرامه حين ارتداها، ورأى فيها كفنه، لكنه الآن يرى في موقف عرفة بعثه ونشره، لذا فقد أحس برهبة مخيفة، وتخيل أنه بعد قليل عما قدم سيسأل، فسرت قشعريرة شديدة ورعدة قوية في أطرافه، واهتزت لهول السؤال كل شعرة في بدنه! نادى من أعماق قلبه مخلصاً : أتيت إليك يا ربي تائباً منيباً، خاشعاً ذليلاً، ووقفت بعتبات عفوك مخبتاً إليك، طالباً رضاك علي، فلبيك اللهم لبيك.
سواسية كأسنان المشط
وها هم جموع الحجاج قد قدموا على ربهم شعثاً غبراً، قدموا إليه، وهم الآن بين يديه، في تلك البقعة المباركة من أرض الله على جبل عرفة الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة» (النسائي).
وها هي الجموع الغفيرة التي أنت إلى هذا المكان الطاهر تعبداً لله تعالى لا غير، ليس للنفس وهواها حظ في ذلك ولا نصيب إلا طلب الرضا، والوقوف على عتبات القبول والعتق من النيران، ها هم يقفون كيداً للشيطان، ولسان حالهم يقول له: لئن تكبرت أيها الرجيم الملعون على عبادة ربك وخالقك فإن هؤلاء قد خضعوا له وذلت أعناقهم له، ولئن عصيت أمره فقد جاء هؤلاء الحجاج طائعين عابدين.. قلوبهم وجلة تدعو وتلبي وهي على عرفات مع ما تفيض به من مشاعر وأحاسيس تشعر فيها بالأمن والأمان.. وأبصارهم متعلقة بالمشهد المهيب الذي يلفهم.. فلبيك اللهم لبيك ... قد سويت في هذا الحشد العظيم بين المأمور والأمير، والصغير والكبير، والغني والفقير، بين الأبيض والأسود، وبين الأعجمي والعربي، فالكل عندك سواسية، والكل عبيدك، والبيت بيتك، والحرم حرمك، والملك ملكك، ولا فضل لأحد على أحد، لا لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى بعد أن جعل الإسلام الناس سواسية كأسنان المشط يجمعهم هدف واحد وغاية واحدة «مغفرة الملك سبحانه».
في هذا الموقف المهيب ووسط ذلك الكم الهائل والحشد الكبير من البشر على اختلاف أشكالهم وألوانهم، ومع تنوع جنسياتهم وأوطانهم، لا مكان للألقاب والأجناس، ولا الألوان والطبقات، فالكل يقف جميعاً في هذا الموقف، قد جمعهم الوفود على الملك الجليل سبحانه وتعالى... يذكرهم كل ذلك بيوم الحشر الأكبر، ﴿يَوۡمَ يَخۡرُجُونَ مِنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ سِرَاعٗا كَأَنَّهُمۡ إِلَىٰ نُصُبٖ يُوفِضُونَ﴾(المعارج:٤٣).
يوم الجمع الأكبر.. ويوم الحشر العظيم..
وموقف عرفة هذا يذكرنا بيوم الحشر العظيم ﴿يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾(المطففين:6)، فنتذكر في يوم عرفة يوم الجمع.. يوم يجمع الله الأولين والآخرين .... ﴿ذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّجۡمُوعٞ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّشۡهُودٞ﴾(هود:١٠٣)، يوم عظيم تحضره الملائكة ويجتمع فيه الرسل وتحشر الخلائق بأسرهم من الإنس والجن والطير والوحوش والدواب، ويجمع الله فيه بين كل عبد وعمله، وبين الظالم والمظلوم، وبين كل نبي وأمته، ويجمع فيه بين ثواب أهل الطاعات وعقاب أهل المعاصي، ويحكم فيه العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها، «ذلك اليوم الحق» الذي تشيب لهوله الولدان ﴿يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأۡتُونَ أَفۡوَاجٗا ﴾(النبأ:١٨ ) ... فلا أحد يتأخر أو يرفض أن يأتي، ولا أحد يتمرد بل لا يقدر على ذلك، وإنما يأتون مسرعين ﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يَنسِلُونَ﴾(يس:٥١).. فلا اختيار ولا إرادة لنا آنذاك، ألم يقل سبحانه: ﴿يَوۡمَ يَدۡعُوكُمۡ فَتَسۡتَجِيبُونَ بِحَمۡدِهِۦ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا﴾(الإسراء:٥٢)، يوم أن نحشر حفاة عراة ضعافاً فقراء لا حول لنا ولا قوة كما قال جل جلاله: ﴿وَلَقَدۡ جِئۡتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَتَرَكۡتُم مَّا خَوَّلۡنَٰكُمۡ وَرَآءَ ظُهُورِكُمۡۖ﴾( الأنعام : ٩٤ ) .. والكل يقول: نفسي.. نفسي، إذ يبغي لها الخلاص والنجاة!
العبر والعظات في الوقوف بعرفات...
ونتذكر في الوقوف على عرفة الوقوف الطويل في أرض المحشر وشدته وازدحامه، وما يصيب الناس من الكرب الشديد، وفي الحديث: «إن العرق يوم القيامة ليذهب في الأرض سبعين باعاً، وإنه ليبلغ إلى أفواه الناس، أو إلى آذانهم»(مسلم).. وإن وفد الحجاج على ربهم من كل جنس ولون واجتمعوا من كل بقاع الأرض على صعيد عرفات في وقت واحد، فإننا جميعاً من لدن أبينا آدم عليه السلام إلى أن تقوم الساعة سنُجمع أيضاً، ولكن ليس في صعيد عرفات، وإنما في عرصات يوم القيامة أمام الله الملك العظيم ﴿يَوۡمَ تُبَدَّلُ ٱلۡأَرۡضُ غَيۡرَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُۖ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ﴾( إبراهيم:٤٨). يقول صلى الله عليه وسلم: «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي، ليس فيها معلم لأحد» (رواه مسلم)، وحين سألته أم المؤمنين السيدة عائشة - رضي الله عنها - عن هذه الآية ﴿يَوۡمَ تُبَدَّلُ ٱلۡأَرۡضُ غَيۡرَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُۖ﴾ (إبراهيم : ٤٨) قالت: قلت: أين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: «على الصراط» (رواه مسلم).
عتق يوم عرفات يذكرنا بالشفاعة يوم القيامة
وعندما نرفع أكفنا بخير الدعاء ونحن وقوف على صعيد عرفات، وندعو خاشعين وجلين: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» ( الترمذي) نطلب بها العتق من النار، فما أكثر عتقاء الرحمن في ذلك الموقف كما قال رسول الله ﷺ: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله عز وجل فيه عبداً أو أمة من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، ويقول: ما آراد هؤلاء ؟» (النسائي). إننا عند ذلك الدعاء العظيم نتذكر أننا نطلب أيضاً بكلمة التوحيد تلك شفاعة النبي ﷺ يوم القيامة، فيعتق الله بها رقاباً من النار كما سبق أن أعتقها في يوم عرفة.
هل يذكر الحبيب حبيبه يوم القيامة؟
لقد سألت أمنا عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يذكر الحبيب حبيبه يوم القيامة؟ قال: «يا عائشة، أما عند ثلاث فلا، أما عند الميزان حتى يثقل أو يخف فلا، وأما عند تطاير الكتب فإما أن يعطى بيمينه أو يعطى بشماله فلا، وحين يخرج عنق من النار فينطوي عليهم ويتغيظ عليهم، ويقول ذلك العنق وكلت بثلاثة، وكلت بثلاثة، وكلت بمن ادعى مع الله إلها آخر، ووكلت بمن لا يؤمن بيوم الحساب، ووكلت بكل جبار عنيد، قال: فينطوي عليهم ويرمي بهم في غمرات، ولجهنم جسر أدق من الشعر وأحد من السيف، عليه كلاليب وحسك يأخذون من شاء الله، والناس عليه كالطرف وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، والملائكة يقولون: رب سلم.. رب سلم، فناج مسلم ومخدوش مسلم، ومكور في النار على وجهه» (أحمد).
ما النجاة إذًا؟ وكيف الحل؟
كيف السبيل إلى النجاة من غضب الله تعالى في ذلك اليوم، وما لنا حيلة حينئذ لعمل الصالحات أو التوبة من المعاصي، أو العودة إلى الدنيا، فقد كانت دار عمل ولا حساب، أما في ذلك اليوم العظيم ففيه الحساب ولا عمل! فهو يوم التغابن، فلا المحسن يستطيع لعمله زيادة ولا المسيء يملك لنفسه النجاة.. قال تعالى: ﴿يَوۡمَ يَجۡمَعُكُمۡ لِيَوۡمِ ٱلۡجَمۡعِۖ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلتَّغَابُنِۗ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَئَِّاتِهِۦ وَيُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾(التغابن:٩)، قال المفسرون: فالمغبون من غين أهله ومنازله في الجنة. ويظهر يومئذ غبن كل كافر بترك الإيمان، وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان وتضييعه الأيام، لذا فقد دلنا الله تعالى على سبيل الخلاص وطريق النجاة فقال: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)، والقلب السليم هو السالم من الدنس والشرك، الذي يعلم أن الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وهو القلب السالم من البدعة المطمئن إلى السنة، وهذا هو قلب المؤمن الذي يشهد أن لا إله إلا الله .. لذلك فإن أهل لا إله إلا الله يؤمن الله خوفهم يوم القيامة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا منشرهم، وكأني أنظر إلى أهل لا إله إلا الله وهم ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن» (الطبراني). فهل حرصنا على سلامة قلوبنا لنأمن يوم الفزع؟
لبيك بالثبات على الدين ومازالت المعركة قائمة..
بين الشيطان وبني آدم
مازلنا نعيش مع الوفود المؤمنة التي تفد على ربها الرحمن من حجاج بيته المحرم وقد خلفوا وراءهم أوطانهم وأموالهم، وأهليهم وذراريهم، للوفادة على ملك الملوك الكريم، وها هم زوار بيته المعظم قد رفعوا الأيادي طلباً للزيادة من كرم ضيافته سبحانه وتعالى وهو غني عنهم وهم الفقراء إليه، ومع ذلك فهو لا يردهم خائبين بل يمنحهم من عظيم عفوه وكثير خيره وفيض عطائه ما لم يعلموه، وفي الحديث الشريف: «إن الله رحيم حيي كريم يستحيي من عبده أن يرفع إليه يديه ثم لا يضع فيهما خيراً» (الحاكم). وبينما يقف وفود الرحمن على صعيد عرفات إذا بالشيطان يقف مدحوراً ذليلاً، منبوذاً حقيراً، قد هدم كل ما بناه في طرفة عين، ونقض غزله من بعد قوته لحظة أن تجدد الإيمان في القلوب، وتوثقت عراه، وآبت الأنفس إلى ربها وخالقها، وبات سلطان الشيطان عليها واهناً ضعيفاً بعد خزيه وعاره في يوم عرفة المشهود.. وقد وصف لنا رسول
الله ﷺ حال الشيطان في ذلك الوقت فقال: «ما رئي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أدخر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام، إلا ما يوم بدر، قيل: وما رأى يوم بدر يا رسول الله؟ قال: «أما إنه قد رأى جبريل يزع الملائكة» (مالك).
إعلان الحرب على آدم وبنيه ..
حين خلق الله تعالى أبانا آدم عليه السلام ونفخ فيه الروح وأكرمه بنعمة الحياة أسجد له الملائكة سجود تشريف وتكريم وأمر إبليس بالسجود كذلك فأطاعت الملائكة أمر ربها، وأبى إبليس وشطن وابتعد عن طاعة خالقه حسداً لآدم على هذا التكريم العظيم، وتكبراً عليه؛ إذ خلقه الله تعالى من طين، بينما هو مخلوق من نار، وقد ظن اللعين وزعم أن النار خير من الطين، وتناسى بكبره أنه ما عليه إلا الطاعة بلا تأخير، فقال مبارزاً لريه بالعصيان: فسجدوا إلا إبليس قال أسجد لمن خلقت طينا، ثم كشف عن نفسه الخبيثة، وأفصح عن كبره المهلك فقال: ﴿قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ﴾(ص:٧٦)، وقد قص الله سبحانه وتعالي علينا ذلك في كتابه الكريم فقال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾، قال قتادة: حسد عدو الله إبليس آدم عليه السلام على ما أعطاه الله من الكرامة، وقال: أنا ناري وهذا طيني وكان بدء الذنوب (الكبر)، استكبر عدو الله أن يسجد لآدم عليه السلام.
غواية الشيطان
ولم يقتصر عصيان إبليس على ذلك بل أضمر في نفسه العداوة لهذا المخلوق الذي فضل عليه، وأعلن الحرب عليه وعلى ذريته من بعده إلى يوم الدين فقال لربه عز وجل ﴿ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ﴾(ص:٧٩) ويجيبه سبحانه و قال ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ , إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡوَقۡتِ ٱلۡمَعۡلُومِ﴾(ص:٨٠-٨١) ابتلاء لنا واختباراً وفتنة، وأصر إبليس على الغواية والإغواء، بل وأقسم بعزة الله على ذلك، وأكد القسم: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ , إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ﴾(ص:٨٢-٨٣)، ﴿قَالَ أَرَءَيۡتَكَ هَٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمۡتَ عَلَيَّ لَئِنۡ أَخَّرۡتَنِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَأَحۡتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٗا﴾(الإسراء:٦٢)، ووضع مخططه الأثيم لإغواء البشر، وها هو يكشف عنه بجرأة ووقاحة قال ﴿قَالَ فَبِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ , ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَيۡمَٰنِهِمۡ وَعَن شَمَآئِلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَٰكِرِينَ﴾(الأعراف:١٦-١٧)، ﴿لَّعَنَهُ ٱللَّهُۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنۡ عِبَادِكَ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا , وَلَأُضِلَّنَّهُمۡ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمۡ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيۡطَٰنَ وَلِيّٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا﴾(النساء:١٨-١٩) .. وأعلنها حرباً ضروساً لا هوادة فيها ولا كلل ولا ملل، على آدم وبنيه ... فقال: «وعزتك يا رب، لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم» (أحمد).
رمي الجمار.. ورجم الشيطان..
ولكن الشيطان قد خاب أمله وانقطع رجاؤه في إغواء عباد الله من حجاج بيته الحرام، فها هم قد استعدوا لرمي الجمرات معلنين مع كل رمية حرب الشيطان والوقوف له بالمرصاد .. قد قطعوا نصال سهامه التي يستخدمها ضدهم، فلا غل ولا حسد، ولا كبر ولا عجب .. لا بغي ولا غش، ولا مكر ولا خديعة .. لا فرقة ولا شقاق، ولا بدعة ولا ضلالة .. فليس في قلوبهم إلا الله عز وجل وها هم يخلعون ريقة الهوى من أعناقهم ساعة الامتثال لأمره وشرعه بتعظيم شعائره ﴿ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ﴾(الحج:٣٢) .. ملايين من البشر قد امتثلوا لأمر رسوله صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم». وها هم يجددون ذكرى أبيهم إبراهيم عليه السلام طاعة لله عز وجل وتشبها بخليله، وفي هذا يقول الإمام أبو حامد الغزالي - رحمه الله : وأما رمي الجمار فاقصد به الانقياد للأمر إظهاراً للرق والعبودية وانتهاضاً لمجرد الامتثال من غير حظ للعقل والنفس فيه، ثم اقصد به التشبه بإبراهيم عليه السلام حيث عرض له إبليس لعنه الله تعالى في ذلك الموضع ليدخل على حجه شبهة أو يفتنه بمعصية فأمره الله عز وجل أن يرميه بالحجارة طرداً له وقطعاً لأمله)، وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «إن جبريل ذهب بإبراهيم إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات فساخ ثم أتي الجمرة الوسطى فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات فساخ ثم أتى الجمرة القصوى فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات فساخ فلما أراد إبراهيم أن يذبح ابنه اسماعيل قال لأبيه: يا أبت أوثقني لا أضطرب فينتضح عليك من دمي إذا ذبحتني فشده فلما أخذ الشفرة فأراد أن يذبحه نودي من خلفه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا» (أحمد).
تصديق الرؤيا.. وصبر إبراهيم.
وقد مدح الله نبيه إبراهيم عليه السلام فقال : ﴿وَإِبۡرَٰهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰٓ﴾(النجم:٣٧)، قال ابن عباس: «وفى» لله بالبلاغ، وقال: استكمل الطاعة فيما فعل بابنه حين رأى الرؤيا، ويصور لنا القرآن الكريم موقف الفداء ذاك: قال تعالي: ﴿فَبَشَّرۡنَٰهُ بِغُلَٰمٍ حَلِيمٖ , فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡيَ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ , فَلَمَّآ أَسۡلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلۡجَبِينِ , وَنَٰدَيۡنَٰهُ أَن يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ , قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡيَآۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ , إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡبَلَٰٓؤُاْ ٱلۡمُبِينُ , وَفَدَيۡنَٰهُ بِذِبۡحٍ عَظِيمٖ﴾(الصافات:١٠٧:١٠١).
اعرف عدوك.. وتعوذ بالله تعالى منه...
عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ «أنه كان يتعوذ من الشيطان من همزه ونفثه ونفخه» (أحمد). وحين طلب منه أبو بكر مرة أن يعلمه ما يقول في صباحه ومسائه قال له: «يا أبا بكر قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة لا إله إلا أنت رب كل شيء ومليكه أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه وأن أقترف على نفسي سوءاً أو أجره إلى مسلم» (أحمد).
تدرج الشيطان فى الغواية.
وإذا عرف كل منا أن الشيطان الرجيم عدو له ولأبيه آدم منذ بدء الخليقة، وأن تلك العداوة ما زالت مستمرة، وجب عليه أن يتحصن ضده، بل ويأخذ بوسائل الدفاع القوية التي ترد كيده وتصد عدوانه ولن يكون ذلك إلا بمعرفة أسلحته التي يفتك بها بضحيته، وشباكه التي يصيد بها فريسته، وهي وسائل الإغواء لديه، ومداخله التي يغزو من خلالها الأنفس والقلوب.
وقد ذكر ابن قيم الجوزية - رحمه الله - أسلوب الشيطان في دعوته وتدرجه فيها على ست مراحل:
المرحلة الأولى: يسعى الشيطان أن يكفر الإنسان أو يشرك، فإذا كان هذا الإنسان من المسلمين نزل إلى المرحلة الثانية.
المرحلة الثانية: وهي مرحلة البدعة، وهي أن يجعل الإنسان يبتدع، ويطبق البدعة، فإذا كان ذلك الرجل من أهل السنة، بدأ معه في المرحلة الثالثة.
المرحلة الثالثة: مرحلة الكبائر، مرحلة المعاصي الكبيرة، فإذا كان الرجل قد عصمه الله من تلك الأمور فإن الشيطان لا ييأس.
المرحلة الرابعة: مرحلة الصغائر، فإذا عصم منها أيضاً يبدأ فيشغله بأسلوب (شيطاني) آخر …
المرحلة الخامسة: وهي أن يشغل الشيطان الإنسان بالمباحات بحيث ينشغل الإنسان فيضيع وقته في أمر مباح فلا ينشغل بالأمور الجادة.
المرحلة السادسة: وهي أن يشغل الشيطان الإنسان بالعمل المفضول عما هو أفضل منه بعمل معين طيب، ولكن ينشغل به عما هو أطيب منه، فينشغل مثلاً بسنة عن فريضة، كأن ينشغل بصلاة النافلة ويترك صلاة الفريضة!!
احذر بأس عدوك..وسد عليه مداخله
وقال : كل ذي لب يعلم أنه لا طريق للشيطان عليه إلا من ثلاث جهات:
إحداها: التزيد والإسراف، فيزيد على قدر الحاجة فتصير فضلة وهي حظ الشيطان ومدخله إلى القلب، وطريق الخلاص منه يكون بالاحتراز عن إعطاء النفس تمام مطلوبها من غذاء أو نوم أو لذة أو راحة، فمتى أغلقت هذا الباب حصل الأمان من دخول العدو منه وأهم شيء الابتعاد عن الشهوات والمحاذير.
الثانية: الغفلة فإن الذاكر في حصن الذكر، فمتى غفل فتح باب الحصن، فولجه العدو فيعسر عليه أو يصعب إخراجه فيجب التحصن بالأذكار ﴿وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا ..﴾( الجمعة : ١٠).
الثالثة: تكلف ما لا يعنيه من جميع الأشياء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل