العنوان المجتمع التربوي- العدد (1437)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-2001
مشاهدات 61
نشر في العدد 1437
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 06-فبراير-2001
وقفة تربوية
عالم رباني (1)
أذكر عندما جاء ذلك الصحابي يبشر الفاروق -رضي الله عنه- بالنصر في إحدى المعارك، ثم ذكر له أسماء الشهداء وختم بقوله: «وآخرون لا تعرفهم» فبكى عمر، وقال: «إذا كان عمر لا يعرفهم فرب عمر يعرفهم».
كم من العلماء والزهاد والأتقياء لا يعرفهم الكثير من الناس، لكن الله يعرفهم، ويعلم الإيمان المتقد في صدورهم، والتقوى التي تعمر قلوبهم، والقربات التي لا يعلم بها أحد من الخلق إلا الله، هؤلاء هم الأتقياء الأخفياء.
كان الشيخ منصور منصور عويس أحد هؤلاء العلماء الربانيين، الذي لا يعلم الناس عنه شيئًا، إلا تلامذته الذين كانوا يتمتعون بغزير علمه وجميل خصاله.
كان الشيخ منصور أحد علماء الأزهر من الذين قدموا إلى الكويت في السبعينيات ليعمل إماماً في أحد مساجدها، وكان ذا علم غزير في أحكام التجويد والفقه والعربية، وقد اكتشف علمه طلبة العلم، فالتصقوا به ولم ينفكوا عنه حتى غادر هذه الدنيا.
يحدثني الشيخ عبد الوهاب الفهد أحد تلامذة الشيخ منصور في بعض خصاله وكراماته الشيء العجيب، الذي يندر أن ترى مثله في هذا الزمان الذي غلبت عليه المادية، فأعمت القلوب ودرست الكثير من خصال الخير.
أبو خلاد
albelali@bashaer.org
نظرة من الداخل.
العقلية التنظيمية أين هي في المؤسسة الدعوية؟
عبد العزيز العوضي.
أین تسير العقلية التنظيمية في المؤسسات الدعوية؟ إلى الأمام أم إلى الوراء؟ وهل تتقدم أم تتراجع؟ الذين يعيشون خارج هذه المؤسسات يرون أن العقلية التنظيمية في المؤسسات الدعوية تتقدم بشكل مستمر وملحوظ، وأن عمل هذه المؤسسات في تنام وازدياد، ويلاحظون كذلك أن مشاريعها تنتشر انتشارًا واسعًا بين جميع الطبقات في المجتمع، ويرجع السبب في هذه الرؤية إلى توفيق الله أولًا، ثم إلى وجود أشخاص ذوي رؤية ثاقبة، وفكر ناضج، وعقلية عبقرية يسيرون هذا العمل، ويجبرون أخطاء وزلات غيرهم.
ولكن بالنسبة للذين يعيشون داخل هذه المؤسسات فإني أرى بعض التخبط الذي لا ضرورة له، وبعض الأخطاء التي لا مبرر لها، وبعض العقبات والعثرات التي قد نصنعها بأيدينا، ومثل هذه الأمور من شأنها أن تعرقل سير العمل وتعيق حركته.
ويرجع سبب هذا التخبط والتعثر إلى عوامل عدة منها -فيما أرى-:
1- وصول بعض الأفراد غير المؤهلين إلى المناصب القيادية: «فالأصل في القيادة أن تعطى لأهلها، وأهلها من ملك خصائص معينة، وصفات أهلته لها» (۱) ويجب ألا يتقلد الفرد هذه المناصب إلا بعد إعداده وتدريبه تدريبًا كافيًا، ولا يستعجل في تصدره لهذا المنصب بحجة نقص الكفاءات أو القول إن نموه الفكري سيكتمل، وهو في المنصب.
2- عدم الموازنة بين تغذية القلب والعقل، يقول الدكتور فتحي يكن: «وعناية الداعية بقلبه دون عقله ستجرده من أقوى أسلحته وأبعثها على انطلاقه وانفعاله، كما أن عنايته بعقله دون قلبه ستفقده أهم عوامل الاستقرار والاطمئنان والثبات، وشخصية الداعية لا يمكن أن تبلغ درجة الكمال ما لم يتحقق صلاح القلب والعقل معًا».
٣- عدم مواكبة التطور الإداري والعلمي، والإصرار على نظريات وفرضيات تجاوزها الدهر، في وقت تتطور فيه الحياة، وتتغير بما يستوجب تغييرًا في طريقة التفكير وأساليب العمل، و«إن واجب الحركة الإسلامية أن تفكر «اليوم» بغير العقلية التي كانت تفكر بها في الأمس؛ لأن الأمس وظروفه وأوضاعه لم يعد في واقع اليوم إلا ذكريات مضت، وهيهات أن تعود» (۲)
٤- وجود بعض التصرفات الهوجاء، وبعض الأقوال غير الموزونة التي تؤخر أكثر مما تقدم، وتُضر أكثر مما تفيد، وتفقد أكثر مما تُكسب، ما يستلزم اتخاذ إجراءات رادعة لمثل هذه التصرفات، والأقوال الطائشة، و«إدراك الداعية لما يريد يوفر عليه الوقت والجهد، ويجعل سيره وانطلاقه على بصيرة ونور، فلا يخبط خبط عشواء، أو يدخل البيوت من غير أبوابها دونما تقدير للعواقب أو تحسب للنتائج» (3).
5- الرضا بالدون والقليل، ودنو الهمة وعدم التطلع إلى التميز، لذلك كان أخطر ما يواجه الدعاة في هذا الزمن تصدع جبهات المقاومة في نفوسهم، وتسليمهم أحيانًا بما يسمى «بالأمر الواقع» والرضا بالترقيع في إسلامهم، والقبول بأنصاف الحلول من مبادئهم وأهدافهم، وكثيرًا ما كانت سياسة التراخي هذه تستدرج البعض إلى مخالفة المسلمات الأساسية، والخروج عن دائرة التصرف والتفكير والسلوك الإسلامي» (٤)
٦- عدم معرفة بعض أصحاب الشأن مبادئ مؤسساتهم الدعوية جميعًا، وقلة إلمامهم بشؤونها الفكرية والتنظيمية، وجهلهم بالشبهات المثارة حولها، وبالتالي عدم مقدرتهم على الرد عليها من خلال براهين دامغة.
7 - قلة الاهتمام بالاقتراحات والملاحظات عند بعض القياديين، إذا كانت مرفوعة من مستويات دنيا في التنظيم، مع العلم بأن هذه المستويات هي من يمارس العمل القريب من ساحة الواقع، وبالتالي فهي الأعلم بأمور العمل.
8- العمل في نطاق الروتين الإداري الذي يستوجب مرور العمل فيما يسمى بالقنوات التنظيمية من أسفل الهرم التنظيمي إلى أعلاه ثم صدور القرار ورجوعه من أعلى إلى أسفل؛ مما يستهلك الكثير من الوقت والجهد، وبالتالي ضياع الكثير من الفرص التي لا تعوض بسبب هذه البيروقراطية.
9- الاهتمام بالشكليات على حساب النتائج، وإعطاء أهمية كبيرة للاجتماعات، وعقدها بشكل دوري لا عند الحاجة، مما يؤدي إلى إضاعة الوقت وهدر الطاقة، خاصة أن الكثير من الأعمال يمكن إنجازها بالاستعانة بوسائل الاتصال الحديثة.
10- عدم منح الأفراد العاملين فرصة جيدة في صناعة وصياغة القرار، وحكر هذه المسألة على مستوى تنظيمي معين مما يطفئ الحماسة عند بعض العاملين، ويشعر بأنه شريحة تنفيذية محضة.
هذه الأسباب يمكن تلافيها -ببساطة- بالتدقيق في أعمالنا، ومراجعة خططنا، وتوفير الدراسات العلمية، مع عدم إهمال الجوانب الإنسانية للعاملين معنا.
الهوامش:
(۱) سعيد حوى - دروس في العمل الإسلامي - ص ٦٣.
(۲) فتحي يكن - مشكلات الدعوة والداعية - ص ١٤٣.
(۳) فتحي يكن - كيف ندعو إلى الإسلام - ص ٤٣.
(٤) فتحي يكن - مشكلات الدعوة والداعية - ص ۱۰۷.
في وداع موكب الحجيج.
د. زيد بن محمد الرماني:
من الألفاظ الواردة في التهنئة بالحج وتفخيم أمره، وتعظيم مناسكه ومشاعره، ما أورده أبو منصور عبد الملك الثعالبي -رحمه الله- في كتابه «سحر البلاغة وسر البراعة» فقال:
قصد البيت العتيق، والمقام الكريم، والمطاف الشريف والملتزم النبيه، والمستلم النزيه، ووقف بالمعرف العظيم، وورد زمزم والحطيم، حرم الله الذي أوسعه كرامة، وجعله للناس مثابة، وللخليل خطة، وللذبيح حلة، ولمحمد ﷺ قبلة، ولأمته الهادية كعبة، ودعا إليها حتى لبى من طرف سحيق، وتسرع نحوه من كل فج عميق. يعود عنه من وفق، وقد قبلت توبته، وغفرت حويته، وسعدت سفرته، وأنجحت أوبته، وحمد سعيه، وزكا حجه، وتُقبل عجه وشجه.
انصرف عن الحج الذي انتضى له عزائمه، وأنضى فيه رواحله، وأتعب نفسه بطلب راحتها، وأنفق ذخائره يشتري سعة الجنة وساحتها، قد زكيت -إن شاء الله- أفعاله، وتُقبلت أعماله، وشكر سعيه، وبلغ هديه.
قد أسقطت عن ظهرك الثقل العظيم، وشهدت الموقف الكريم، ومحضت من نفسك بالسعي من الفج العميق إلى البيت العتيق، حمدًا لمن سهل لك قضاء فريضة الحج والمشعر والمقام وبركة أدعية الموسم، وسعادة أفنية الحطيم وزمزم، قصد أكرم المقاصد، وشهد أشرف المشاهد، فورد مشارع الجنة، وخيم بمنازل الرحمة، قد خصتني مواهب الله لديك في الحج، أديت فرضه، وحرم الله وطئت أرضه، والمقام الكريم قمته، والحجر الأسود استلمته، وزرت قبر الرسول ﷺ مشافهًا لمشهده ومباشرًا لمسجده، ومشاهدًا لمبدأه ومحضره، وماشيًا بين قبره ومنبره، ومُصليًا عليه حيث صلى، ومتقربًا إليه بالقرابة العظمى، وعدت وثوابك مسطور، وذنبك مغفور، وتجارتك رابحة، والبركات إليك غابية رائحة.
تلقى الله دعاك بالإجابة، واستغفارك بالرضا، وأملك بالنجح، وجعل سعيك مشكورًا، وحجك مبرورًا، عرف الله ما نواه وأناه، وقصده وتوخاه، وما يُسعده في دنياه ويحمد عقباه.
يا أكرم من أمسى وأضحى، سعدت بطلعة الأضحى، عرفك الله فيه من السعادات، ما يُربي على عدد من حج واعتمر، وسعى ونحر، وما يُربي على عدد من حج وعج وشج.
أسعد الله عباده بهذا العيد سعادة تجمع به حظوظ الدنيا والآخرة، ومصالح العاجلة والأجلة، وجعل أعاديه كأضاحيه، وأولياءه المسرورين المحبورين فيه، وقضى له بكفاية المهم والحياطة من السوء الملم.
عاودتك السعود، ما عاد عيد واخضر عود، عاد السرور إليك في هذا العيد، وجعله الله مبشرًا بالجد السعيد والخير العتيد والعمر المديد، جعل الله أيامه تواريخ وأعيادًا، وجعل له السعادات آمادا وامدادًا.
الطريق إلى النهضة:
لكي نقود الإنسانية قيادة الربان للسفينة إلى بر الأمان، فإن علينا التأسي بقائدنا الأعظم ومرشدنا الأول محمد بن عبد الله ﷺ، وعلينا أيضًا أن نحدد بوضوح الهدف الذي نسعى من أجل تحقيقه، وهو الذي نطلق عليه اسم «الغاية الكبرى» ثم نرسم الطريق الذي يوصلنا إلى هذه الغاية، وهو طريق طويل لا يمكن قطعه في مرحلة واحدة، إذن علينا أن نقسم هذا الطريق إلى مراحل تنفيذية، تبدأ كل مرحلة بممارسات محددة، وتنتهي بتحقق هدف معين.
ويجب أن نقدر لعامل الوقت قيمته الحقيقية دون إفراط أو تفريط، ونتحاشى الوقوع في العجلة والتهور، إذ المهم هو التقيد بأداء المستلزمات الخاصة بكل مرحلة حتى يتحقق الهدف المرسوم لها، فلا تحملنا الظروف المستجدة والمشكلات الطارئة والمعارضات المدروسة على استعجال النتائج أو اختلاط الأوراق أو الاغترار بالواقع المتحقق، فلا نبدأ في المرحلة الثانية إلا بعد تحقق الهدف المرسوم للمرحلة الأولى، ولا ندخل في تنفيذ المرحلة الثالثة إلا بعد التأكد من استيفاء المرحلة الثانية، وهكذا.
وهذه هي عين سنة نبينا ﷺ، فقد لبث في مكة المكرمة سنوات لم يحمل السلاح البتة على الرغم من محاولات الخصوم لجره إلى ذلك مرارًا؛ وذلك لأن الهدف المرسوم للمرحلة الملكية لم يكن قد تحقق، فلم يكن هناك أي مجال لخلط الأوراق واستعجال النتائج والدخول في تنفيذ متطلبات المرحلة التالية.
إن الكثيرين من الأوفياء لهذا الدين يعتقدون أن إصلاح الوضع الراهن يحتاج إلى تغيير الأنظمة السياسية القائمة، ويحاولون جاهدين تنفيذ هذا الاعتقاد وترجمته إلى واقع فعلي من خلال تغيير رؤوس الأنظمة في البلاد الإسلامية نفسها، وهؤلاء الأوفياء يحاولون -بذلك- خلق معجزة ليس لهم أن يأتوا بها، ويريقون في سبيلها دماء إخوانهم في الملة، ويعرضون حرماتهم للانتهاك، فهم -مع إصابتهم في تعيين الغاية الكبرى- لم يحسنوا رسم خطة ملائمة للوصول إلى تحقيقها، فبدؤوا بالصعود من آخر السلم فظلوا يحاولون عن غير جدوى.
إن السبيل الرئيس الذي ينبغي أن يسلكه كل مصلح لعالم اليوم ليس إصلاح الأنظمة السياسية فحسب، بل ينبغي أيضًا إصلاح الأنظمة الاقتصادية القائمة على مبادئ عارية من الأخلاق، وفي جميع الأحوال يجب ألا يغيب عن البال لحظة واحدة أن المطلوب هو الإصلاح وليس الانقلاب.
فمحاولة قلب نظام سياسي -ولا سيما في البلاد الإسلامية- محظورة حتى من وجهة نظر شرعية، فضلًا عن عواقبها الوخيمة التي يتحدث عنها التاريخ القديم والحديث، فهذه المحاولة لا تورث إلا انشقاقات داخلية وخسائر بشرية ووهنًا اقتصاديًا، وفتح الباب للدخلاء، كما تساعد على طمس صور الشخصيات القيادية المخلصة بتهم الطمع في السلطة، واستغلال الدين لتحقيق الأهداف السياسية.
ولكن الإصلاح بالحكمة والموعظة الحسنة هو المطلوب، بدءًا بإصلاح المصلح نفسه، وانتهاء بإصلاح رؤوس الأنظمة السياسية والاقتصادية بالنصح والإرشاد.
وحري بحملة راية الهداية والإصلاح ألا تقتصر جهودهم على رؤوس الأنظمة السياسية في البلاد الإسلامية، بل عليهم أن يجربوا حظوظهم في المروج الخصبة الأخرى التي هي أحوج إلى السقاية والرعاية، فلعل التاريخ يعيد نفسه ويخرج من صلب جنكيز خان وهولاكو أمثال تيمور وعالمكير.
ولو أن كل داعية ومصلح ركز جهده في میدان واحد يغني حياته لتحقيق هدفه المرسوم من غير تصادم مع زملائه، ومن غير الحرص على تتبع عوراتهم، لبرأ ذمته، وأدى أمانته، ولساهم في استعادة عجلة القيادة إلى أمته.
اللهم اهدنا إلى الإخلاص في القصد والعمل، واجمع كلمة المسلمين، إنك على كل شيء قدير.
محمد عامر مظاهري
فقه الأولويات في مواجهة التحديات (1 من 2)
فقه شرعي منضبط يحل مشكلة تزاحم الواجبات وتعارض الاجتهادات
القرآن يخاطب البشر في مختلف البيئات والشريعة تلازمهم في جميع الأوقات
د. مسفر بن علي القحطاني
أنزل الله -عز وجل- شريعة الإسلام خاتمة للشرائع كلها، وخالدة باقية إلى أن يرث الله -عز وجل- الأرض ومن عليها، فكان القرآن الكريم -منهج هذه الشريعة- آية خالدة إلى يوم القيامة، تضمن ما جاء في الشرائع السابقة من توحيد وعبادة، وجمع كل ما كان متفرقًا فيها من الفضائل والخيرات، فكان رقيبًا ومهيمنًا عليها، يقر ما فيها من الحق، ويبين ما دخل عليها من تحريف وتغيير، قال الله -تعالى-: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (سورة المائدة: ٤٨).
إن هيمنة القرآن الكريم على ما سبقه من الكتب السماوية جعلته أكثرها شمولًا، وأعظمها نفعًا، وأحكمها بيانًا، وزاده الله من الكمالات ما ليس في غيره، فلهذا جعله الله -عز وجل- شاهدًا، وأمينًا، وحاكمًا عليها كلها، وتكفل الله -تعالى- بحفظه بنفسه الكريمة، إذ قال -تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (سورة الحجر: 9) (۱).
ولم تكن هذه مزية الشريعة الإسلامية فقط، بل تعدى خيرها ونفعها لذلك الإنسان المتعبد بها، فأصبحت كالروح تسري في جسده، وتبعث فيه الحياة، ونورًا يهتدي بـهـا إلى طريق الحق والنجاة، فلا غنى للإنسان أبدًا عن شريعة الرحمن مهما اختلفت الأزمنة والأمكنة، أو الظروف والأحوال، ولذلك قال -تعالى-: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ﴾ (سورة الشوري:٥٢)، وقال -تعالى-: ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (سورة فصلت: 42)، فالله -عز وجل- قد تكفل بأن تبقى هذه الشريعة صالحة لكل الناس تفي بحاجاتهم مهما اختلفت الظروف والأحوال، فلله الحكمة البالغة فيما أنزل وشرع وهو اللطيف الخبير.
من خصائص الشريعة:
ولعل من أهم الخصائص التي حققت هذه الصلاحية المطلقة للشريعة ما يلي:
1 - هذه الرسالة تخاطب الإنسان من وراء الظروف والبيئات والأزمنة، فهي تخاطب فطرته التي لا تتبدل ولا تتحور، ولا ينالها التغيير، مما يجعل هذه الفطرة في حال من الاتساق والاعتدال، فلا تتصادم أحكام الشريعة وتعاليمها مع طبيعة الإنسان وطاقاته وإمكاناته وتطلعاته: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (سورة الروم: ٣٠).
٢ - الشريعة قابلة بأصولها وكلياتها للانطباق على مختلف الأحوال الإنسانية والمعيشية والبيئية بحيث تساير أحكامها مختلف الأحوال دون حرج ولا مشقة ولا عسر، والأمم قابلة للتشكل على مقتضى الأحكام الشرعية، فقد غير الإسلام أحوال العرب والفرس والقبط والبربر والروم وغيرهم، من غير أن يجدوا حرجًا سرًا في الإقلاع مما نزعوه من قديم أحوالهم الباطلة، ومن دون أن يلجئوا إلى الانسلاخ مما اعتادوه وتعارفوا عليه من العوائد المقبولة (٢).
3- وضعت الشريعة الإسلامية سُبلًا لعلاج ما يجد من أحكام، وما ينزل في حياة الناس من وقائع ومستجدات بتشريع أحكام الاجتهاد للمتأهل من أهل العلم، وبذلك تحصل المواكبة لتطورات الحياة اليومية والمعالجة لكل مشكلاتها الواقعة أو المتوقعة (۳).
إن شريعة الإسلام محاسن كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، فهي تنزيل من حكيم حميد، وكيفما تأمل فيها المتأمل، فإنه واجدها كما قال الشاعر:
كالبدر من حيث التفت وجدته يهدي إلى عينيك نورًا ثاقبا
لقد أتم الله هذه الشريعة المباركة، وحاول الكفار الذين أعمى ضوء الشريعة أعينهم أن يكيدوا لهذه الشريعة، وأن يطمسوا ضوأها، ولكن أنى تستطيع الأفواه الضعيفة أن توصل زفيرها الشمس الساطعة في عليائها: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (سورة التوبة: 32).
وقد تحطمت مؤامرات الكفرة على صخرة الإسلام القوية الراسخة:
كناطح صخرة يومًا ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
ولكن أعداء الله وقد أعياهم أن يطمسوا نور الشريعة الوهاج المتلالئ انصرفوا إلى المسلمين، وشنوا غارتهم على العالم الإسلامي، وأجلبوا على المسلمين بخيلهم ورجلهم، وحشدوا كل قواهم، وردهم المسلمون في الماضي على أعقابهم، ولكنهم نالوا في القرنين الأخيرين من المسلمين مثالًا، فبعد أن سيطر أعداء الله على ديار المسلمين واحتلوها، أقصوا الشريعة عن الحكم، وشوهوا الدين في ديار الإسلام، وحجبوا بالشبهات نور الإسلام؛ فغشي ظلام الباطل على عقول كثير من المسلمين، ولئن كان تمسك الناس بالشريعة في الماضي القريب سيئًا فإنه في ظل تحديات العولمة المعاصرة أسوأ وأردى.
حملات واختراقات:
فحملات العدوان والاختراق للهوية الإسلامية، والمسلمات والثوابت الشريعية والأخوة الدينية تزداد وتعظم، وتهدم ليس عن طريق لي الذراع، وإشعال الحروب، فهذا الأسلوب لم يعد حضاريًا، وإنما تعمد إلى المفاهيم والثوابت العقدية والسياسية والثقافية فتهمشها، ثم تبذر محلها مفاهيم اقتصادية مادية استهلاكية شهوانية استمتاعية، يُنبذ ويهمش من لم يلحق بركابها، وقد بات من المؤكد أن معظم -إن لم نقل جميع- دول العالم اليوم تشهد انخفاضًا في مستوى الاهتمام بالشرائع والأديان والخصوصيات والمثاليات التي أصاب المؤمنين بها نوع من الانكماش والانحسار؛ بسبب الهجمة الشرسة للعولمة، حتى اللغة العربية التي سودنا في بيان مأثرها ألوف الصفحات أضحت تضطرب كالذبيح بين فكي كماشة اللغة الإنجليزية بوصفها لغة العلم والحضارة والعولمة واللهجات العامية بوصفها رمزًا للانخلاع من الانتماء الأرحب للأمة، ورمزًا للانكفاء على الأدبيات القطرية (٤).
إن العولمة المعاصرة لم تعد تهدف إلى غزو الشعوب مجتمعة، بل بدأت تغزو كل فرد بعينه -وإن بعُدت دياره- من خلال ما تمليه على عقولنا من أفكار وقيم بواسطة البث الفضائي الموجه، وشبكات الاتصال العالمية لتهدم الثوابت والمسلمات، وتحقق غرض المستعمر من الهيمنة على مجتمعاتنا بتغيير حقائق القيم الدينية والسلوكية والثقافية، فاستهدفت الفضيلة وانهار بناء الأسرة، وشاعت الأخلاق المادية بين الناس؛ فزادت الهوة بين علاقاتهم، وتوتر -إلى حد بعيد- أمن مجتمعاتهم واستقرارها.
وهناك دراسة علمية حول أثر الأطباق الفضائية على الأسر وخصوصًا النساء، جاءت نتائجها مذهلة، فـ (٨٥٪) من العينة يحرصن على مشاهدة قنوات فضائية تعرض مواد إباحية، و(53%) قلت لديهن تأدية الفرائض الدينية، و(22%) قصرن في تحصليهن العلمي، و(22%) تعرضن للإصابة بأمراض نسائية نتيجة ممارسة عادات خاطئة (5).
وحتى دعوات العولمة لأسواق مفتوحة واقتصاد حر لم تخل من إشاعة الفساد وإغراق العالم -سوى الغرب المتحضر- بالديون والبطالة والتخلف وصراع البقاء بين طبقات المجتمع المختلفة.
أمام هذه التحديات المعاصرة التي يواجهها المسلمون اليوم، والتي تتجدد صورها، ويقوى كل يوم أثرها -مع تعاقب الأيام وغفلة المسلمين- لم تقف دعوات الغيورين وجهود المصلحين لرد الناس إلى شريعة الله -تعالى- وتذكيرهم بعبودية ربهم -عز وجل-، وواجبهم نحو دينهم، ولكن هذه الدعوات المباركة، والجهود المبذولة من المصلحين قد تصاب أحيانًا بالحيرة، وضعف الحيلة والقدرة من جراء كثرة التحديات وتنوعها، وعظم الأمانة وضخامة التكليفات الملقاة على عواتقهم؛ مما قد ينتج عنه تزاحم بين الواجبات التكليفية، واختلاف وتعارض في الاجتهادات الدعوية بين الأولى والأهم، وما يجب أن يبدأ به في الدعوة والعمل بالشريعة، فكانت الحاجة لطرح موضوع «فقه الأولويات» في مواجهة هذه التحديات الموجعة للمسلمين والمهاجمة للعمل بالشريعة والداعين إليها.
لماذا هذا الفقه؟
قد اخترنا فقه الأولويات -كخطوة أولى- لمواجهة هذه التحديات للمبررات الآتية:
أ- أن مرادنا بفقه الأولويات هو إعطاء كل عمل أو حل قيمته، وقدره في ميزان الشرع، ولا نبخسه ولا نشتط في تقويمه، وبهذا نقدم ما حقه أن يقدم، ونؤخر ما حقه أن يؤخر، فإن من أكبر ما أخذ على المسلمين في عصور التخلف والانحطاط أنهم كبروا الأمور الصغيرة، وصغروا الأمور الكبيرة، وعظموا الشيء الهين، وهونوا الشيء العظيم.
والواجب على الأمة المحافظة على النسب التي جعلها الشرع بين التكاليف والأعمال بعضها البعض حتى يبقى كل عمل في مرتبته الشرعية لا ينزل عنها، ولا يعلو عليها (۷).
ب - إن معرفة أولويات العمل، وما يجب أن يقدم أو يبدأ به يكفل للداعي إلى الشريعة حسن القيام بما وجب عليه، ويضمن تحقق المصلحة المرجوة من عمله، ولا يكلفه جهد الإعادة بعد الانتهاء أو حسرة عدم الجدوى بما حصل من أعمال وتكليفات.
ولهذا بين النبي ﷺ لمعاذ بن جبل -رضي الله عنه- فقه الأولويات الدعوية عندما بعثه إلى اليمن، فقال له: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم ان الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تُؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» (۸).
فوجود إطار شرعي مرجعي للداعية -يضبط دعوته وتصرفاته- أمر مهم، وخصوصًا عند تغير الظروف والأحوال، وتزاحم الأعمال والواجبات.
ج- إن فقه الأولويات فقه شرعي منضبط، له أصوله وقواعده التي ينطلق منها، واعتباره عند التخطيط، ووضع الإستراتيجيات الدعوية والإصلاحية أمر ضروري للغاية، وفقدان هذا النوع من الفقه عند الممارسة العملية والتأثر بردود الأفعال الانعكاسية أو عدم التفكير إلا عند وجود الأزمات- يوقعنا في حرج بين خيارين أحلاهما مر، فإما أن نستسلم للأزمة، أو نعالج الحدث بعد فوات الأوان، وضياع الفرص.
د- إن فقه الأولويات مدخل جديد لنعيش الواقع المعاصر بكل تحدياته وسلبياته، ونبحث عن الأولى والأنفع من الحلول والوسائل لننقل الدعوة إلى الشريعة من الأحلام والنظريات إلى واقع ملموس، وحقيقة عملية نتلمس آثارها النافعة، ونجد فيها مصدرًا للقوة والحياة، ولا يمكن أن نحقق ذلك إلا بالتخطيط السليم الذي يحدد الهدف، ويرتب سلم الأولويات (۹).
الهوامش:
(۱) تفسير ابن كثير: ۳/ ۱۲۸، طبعة طيبة.
(۲) مقاصد الشريعة الإسلامية للطاهر بن عاشور، ص 92، 93.
(۳) شريعة الإسلام، د القرضاوي، ص ۱۸، ۹۸ وخصائص الشريعة الإسلامية للأشقر، ص ٦٢، ووجوب تطبيق الشريعة للسدلان، ص 74-88.
(٤) العولمة، د. بكار ص ٦٩.
(٥) جريدة المدينة في 23/١١/1430هـ.
(6) العولمة، د. بكار، من 65-102، والمسلمون والعولمة د. القرضاوي، ص 21-88.
(۷) السياسة الشرعية، د. القرضاوي، ص ٣٠٦.
(۸) رواه البخاري (١٤٢٥) 2/544، ورواه مسلم (۱۹) 1/50.
(۹) مقدمات للنهوض بالعمل الدعوي، د. بكار، ص ٣٤ ،٤٢، فقه الأولويات للوكيلي، ص ١٤٣.
المنهج الإسلامي والدور الحضاري في منتدى بجنوب الفلبين:
اختتمت جمعية الحرمين الشريفين بالفلبين منتداها السنوي الرابع مؤخرًا بمدينة كوتاباتو، تحت شعار «معالم المنهج الإسلامي ودور المسلمين الحضاري»، وبحضور نحو مائتي مشارك من المسلمين بالمدينة.
افتتح المنتدى المهندس علي ياسين -رئيس الجمعية- الذي تطرق في كلمته إلى حجم التحديات التي تواجه المسلمين في المنطقة، وعالمنا الإسلامي خاصة، مطالبًا المشاركين ببذل الجهد للتوصل لبرنامج عمل يخدم مسلمي الفلبين، ويعزز وحدتهم، وانتماءهم الإسلامي.
شارك بالمنتدى الشيخ فهد المسعود مبعوث وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف بالمملكة العربية السعودية، الذي تطرق في كلمته إلى أهمية مثل هذه المنتديات للمسلمين في الفلبين.
حملت المحاضرات العناوين التالية: «المكانة الدينية للحرمين الشريفين في الإسلام»، «منهج التربية الإسلامي»، «مكانة المسجد الأقصى في قلوب المسلمين»، «دور المثقفين المسلمين في الدعوة»، «نحو ترشيد للصحوة الإسلامية»، وأخيرًا: «التنمية من منظور إسلامي»، «السنة ومكانتها من التشريع».
وفي ختام أيام المنتدى طالب المجتمعون بتكوين «لجنة فلسطين» برئاسة هارون المفانج للتعريف بقضية المسلمين الأولى والأخطار المحيطة بالمدينة المقدسة، ودعوا إلى المحافظة على المقدسات الإسلامية والتراث الإسلامي للأمة، وفي مقدمتها الحرمان الشريفان بالسعودية، والمسجد الأقصى المبارك بفلسطين المحتلة.
كما أوصى المنتدى بتكوين مجلس «التعليميين المسلمين» مع العمل على وضع برنامج لأسلمة مناهج التعليم في المنطقة.
صادق أمين-كوتاباتو-الفلبين
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل