; دور المرأة المسلمة في مسيرة النبوة | مجلة المجتمع

العنوان دور المرأة المسلمة في مسيرة النبوة

الكاتب زينب الغزالي الجبيلي

تاريخ النشر الثلاثاء 06-يناير-1987

مشاهدات 65

نشر في العدد 799

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 06-يناير-1987

ألقت الداعية الإسلامية السيدة زينب الغزالي الجبيلي هذا البحث في المؤتمر النسائي الدولي الثاني للسيرة والسنة الذي أقيم في الثاني والثالث من هذا الشهر في إسلام آباد بباكستان، وتنشر «المجتمع» الجزء الأول من البحث، والبقية في العدد القادم إن شاء الله.

الإسلام هو الدين الذي جعله الله كفيلًا بكل متطلبات الإنسان على مدى الدهور والأزمان حتى تقوم الساعة، فقد سوى بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، قال عليه الصلاة والسلام: «النساء شقائق الرجال» رواه الترمذي في سننه. فالمرأة في الإسلام تتحمل المسئولية كاملة. ككائن إنساني له استقلاله الذاتي هي وأخيها الرجل، وهما متساويان في دائرة التكليف. يقول تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (البقرة:21) ... فمن هم الناس؟ أليس الرجل والمرأة معًا. والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا (فصلت:30) ... أليس الرجل والمرأة معًا. فالمرأة عندما تبلغ سن التكليف تجدها والرجاء سواء مسؤولان عن أداء العبادات مثل الصلاة والصيام والزكاة والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والرجل مكلف عندما يصبح زوجًا، بتكاليف وواجبات، وهي كذلك، ومسؤوليتهما في الحلال والحرام واحدة، ومسؤوليتهما في الأسرة واحدة كل في اختصاصه الذي خطه له الإسلام.

والمرأة لا تستأذن أبيها ولا أخيها ولا زوجها في أن تقيم الدين. وإن كانت المرأة کتابية أو مشركة أو كافرة، لا تستأذن الرجل أكان أبًا أو زوجًا في أن تعتنق الإسلام وإن كانت مسلمة وارتدت عن دينها، فهي المسؤولة وحدها عن ردتها، وولي الأمر ينزل بها من العقاب ما تستحقه بغير مسئولية للأب أو الزوج.

 فالمرأة إذن مخلوق محاسب عن فعله من الخير والشر مثلها مثل الرجل تمامًا، وقد سبقت بيعة الرجال لرسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة النساء التي كان لها صيغة مستقلة عن بيعة الرجال، كما جاء في سورة الممتحنة ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ۙ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾  (الممتحنة:۱۲). 

امرأة.. وراء إسلام الفاروق

 وقد وقفت قبائل مكة وقريش، يناصبون رسول الله العداء، ومحمد صلى الله عليه وسلم يلتقي مع إخوانه من القلة المباركة المستضعفة وأسلمت فاطمة بنت الخطاب وعشيرتها كانت تحارب الإسلام وتطارد نبيه، وعندما علم أخوها عمر بن الخطاب بإسلامها، وقد كان يسير في شعب من شعاب مكة، فاعترض أحد المسلمين مسفهًا له، فقال له المسلم: أختك فاطمة اتبعت محمدًا، وهي أولى بلومك منى.

فأخذ عمر الغضب. وذهب إلى أخته، وعندما طرق الباب سمع همهمة، وعرف زوجها أنها طرقات عمر فاختفى داخل البيت هربًا منه أما فاطمة بنت الخطاب فلم تختبئ وواجهته ووضعت رقعة كانت تقرؤها من القرآن في صدرها، فسألها أن تعطيه إياها. بعد أن أدماها بضربة موجعة، فلم تنشغل بما وقع عليها من أذى وقالت له في عزة الإيمان والانتصار للحق، أنك رجل مشرك والمشركون نجس أذهب واغتسل وأنا أعطيها لك... ووجد عمر نفسه أمام إنسان لم ينقص من قدره أنه امرأة.. إنها عظيمة. فذهب عمر واستحى مما فعل واغتسل وتطهر وعاد إلى أخته بصورة جديدة غير التي دخل بها. وأحست فاطمة أنه قد تغير فنادت زوجها وأعطته الرقعة الحاملة لكلام الله العزيز الحكيم وقرأ عمر: ﴿بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ.. طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ (طه ۱:٥) حتى بلغ قوله تعالى ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ (طه:14)... ولم يكد يفرغ عمر رضي الله عنه من قراءة الآيات حتى تألق في وجهه النور، وسأل عن محمد صلى الله عليه وسلم، فقيل له أنه في بيت الأرقم ابن أبي الأرقم، وذهب عمر وطرق الباب، وأعلن إسلامه أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إسلامه يوم نصر للمسلمين. 

تلكم هي المرأة في ركب الإسلام الحنيف، في أيامه الأولى.. حرة سيدة لنفسها لها حريتها كاملة، وهي مسئولة أمام الله عز وجل متساوية مع الرجل تمامًا فيما لها وما عليها، وليس للرجل من تميز عليها إلا بالتقوى والعمل الصالح. يقول الله تعالى ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (الأحزاب:٣٥). ذلك قرار إلهي بالمساواة الكاملة في الحقوق والواجبات بين الجنسين والتمايز بينهما أساسه العمل للدنيا والآخرة وحسن التقدير للمسؤولية أمام الله ثم أمام الخلق.

أم المؤمنين خديجة

إن خديجة رضي الله عنها، عندما علمت أن الذي جاء محمدا صلى الله عليه وسلم في الغار هو الناموس الذي جاء من قبل لموسى وعیسی أقبلت باختيارها تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وكانت الأولى في الإسلام التي نطقت بالشهادتين بعد نبي الله الكريم، وشاركته مسئولية الدعوة إلى الله تبذل من مالها ونفسها في سبيل الله فاستحقت أن تكون الأم الكبرى للمؤمنين وعاشت لا يشاركها أحد شرف معاشرة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتقلت إلى جنات عرضها والسموات والأرض تنتظر صاحبها عليه الصلاة والسلام في الرفيق الأعلى.

سمية زوج ياسر

إننا يجب أن نقف وقفة طويلة مع تلك الرموز الجميلة من النساء اللاتي قررن بمواقفهن الخالدة أن المرأة في مسيرتها الإسلامية، كانت مستقلة في اختيارها الطريق الذي نادى إليه محمد صلى الله عليه وسلم.. طريق الإسلام. 

طريق القرآن والسنة.. طريق الحق والنجاة.. بغير مشورة أب أو زوج أو أخ.. كانت هي صاحبة القرار. فها هي ذي سمية بنت خباط الشهيدة السابقة في عقد النور فيمن شهد بأن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله كانت سمية قمة في رجاحة العقل، والحكمة والصبر وقوة التحمل.. عذبت حتى الموت، ما لانت وما ضعفت وعلى دربها كان زوجها ياسر وابنه عمار... طعنها أبو جهل لعنه الله وهي في قمة العذاب والألم، فما وهنت، وماتت وهي تهتف: لا إله إلا الله محمد رسول الله، داعية بالنصر للإسلام. 

ومن أرض الحبشة، نشهد جلال الثبات على الحق عندما ينتكس الرجل الزوج عن دينه، ويرتد عن الإسلام وهو الحق، فتقف المرأة الزوجة تحقر قراره، وتبرأ منه وتثبت على إسلامها، أنها رملة بنت أبي سفيان «أم حبيبة» ارتد زوجها عبيد الله ابن جحش عن الإسلام، واعتنق النصرانية وطلب منها أن تتبعه في باطله، فأبت واتخذت قرارها، وبرأت منه ومن فعله، وفارقته موثقة عرى ارتباطها بالدين الحق، الذي هاجرت في سبيله، فكافأها الله الله عز وجل، فأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم للنجاشي يخطبها وتزوجت منه عليه الصلاة مـن والسلام. وبقيت بالحبشة تحمل الوسام الذي به أصبحت أم المؤمنين، حتى عادت مع العائدين من المهاجرين إلى المدينة، وعاشت في بيت النبوة، حتى جاء أبوها أبو سفيان إلى المدينة، وكان لا يزال كافرًا، فدخل عليها، فطوت عنه فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها لم فعلت ذلك، فقالت إنه فراش رسول الله، وأنت رجل مشرك والمشركون نجس.

إنها لعظمة تلك هي المرأة المسلمة التي بنت الدولة الأولى مع محمد وأصحابه، وكانت قمة في رأس صحابته. تلكم هي المرأة المسلمة التي تأخذ قرارها بنفسها، لأن الإسلام كفل لها عزها وسؤددها، ومكانتها التي لم تحصل عليها قبله، فعاشت للإسلام، تعطيه نفسها ومالها وفلذات أكبادها، فبنت الأمة مع محمد صلى الله عليه وسلم.

زينب بنت الرسول صلى الله عليه وسلم

ولنحن الجبين إجلالًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما يعلمنا، أن حرية المرأة واستقلال إرادتها أمر لا يراجع، لأنه أمر حياتها وكرامتها، فها هي ذي ابنته وفلذة كبده زينب، فرق الإسلام بينها وبين زوجها العاص بن الربيع وهو ابن خالتها ثم كانت غزوة بدر الكبرى واشترك فيها العاص في صفوف المشركين، فأسره المسلمون فبعثت زينب إلى رسول الله في المدينة تفتدي العاص بقلادة كانت أهدتها لها أمها خديجة رضي الله عنها، وعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر على الصحابة فأذنوا بقبول الشفاعة وفك الأسير، وسأل رسول الله العاص بن الربيع أن يخلي سبيل زينب إذا رجع إلى مكة، فهاجرت رضوان الله عليها إلى المدينة، ولكن زوجها أسر مرة أخرى، فأجارته زينب العظيمة وقبل رسول الله شفاعتها فيه بموافقة الصحابة، ورجع العاص إلى مكة، وسوى أموره باسترجاع ما له ودفع ما عليه من أموال وودائع، وعاد إلى المدينة ليعلن إسلامه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد عليه الرسول الكريم زوجته، فأي شجاعة وأي وفاء وأي مروءة.. أليست هذه هي المرأة، قمة في الشجاعة وحفظ العشرة والوفاء لصاحبها حتى بعد أن فرق الإسلام بينهما، وأي عظمة وأي مروءة يا رسول الله وأنت تقول لأصحابك هل تفكون لها أسيرها، وينظر إلى قلادة خديجة فيعز عليه أن تؤخذ من زينب، فيقول لأصحابه هل تردون عليها قلادتها فيستجيبوا فيردوا لها قلادتها.

الرابط المختصر :