العنوان الاجتياح الصهيوني والصمود الفلسطيني والمستقبل
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 18-مايو-2002
مشاهدات 57
نشر في العدد 1501
نشر في الصفحة 49
السبت 18-مايو-2002
الاجتياح الصهيوني للمناطق الفلسطينية لم يكن شيئًا عبثيًا، أو تصرفًا وقتيًا عرضيًا، وإنما كان بحسابات مرصودة، وأسباب أدت إلى شعور الكيان الصهيوني بالخطر الحقيقي الذي يتهددها وذلك لما يلي:
استمرار المقاومة التي أخذت تسجل انتصارات حقيقية على الأجهزة الأمنية الصهيونية، والتي بدأت تفقد المجتمع الصهيوني أهم مقوماته في البقاء وهي الأمن، والرخاء الاقتصادي.
قناعة شارون وحكومته بأن السكوت عما يجري في الأرض المحتلة من تعزيز الخيار المقاومة وتلاحم الشعب الفلسطيني، وانحسار خيار التسوية حتى بين الأوساط غير الإسلامية وبالذات داخل حركة فتح، لا يمكن السكوت عليه، وخاصة مع بدء ظهور علامات لتطوير الإمكانات العسكرية ولو بشكل محدود وثبوت بحث الفلسطينيين عن السلاح وتهريبه، كل ذلك عجل من اتخاذ شارون لقرار الاجتياح.
إحساس شارون والحكومة الصهيونية بأن السلطة الفلسطينية لم تقم بمهمة استئصال الأجهزة الجهادية، واعتقال المتورطين في العمليات الاستشهادية ومحاكمتهم
تآكل الفروق الحزبية والفكرية بين فصائل المجتمع الفلسطيني وتوحدها حول مشروع المقاومة كخيار استراتيجي للتحرير، كما سكتت السلطة تحت ضغط الشعب ونبذت فكرة تحولها إلى جيش لحد جديد، لحفظ الأمن الإسرائيلي وقمع المقاومة بدون ثمن.
طبيعة شارون العدوانية المعروفة التي أراد أن يستخدمها لتحقيق حلمه في الولوغ في الدماء لتحقيق الاجتياح لأنه لا يؤمن بالسلام بقدر ما يؤمن بالقوة سبيلًا لتركيع الفلسطينيين أو ترحيلهم، وبالاستيطان منهجًا لتغيير الواقع الجغرافي والديمغرافي على الأرض الفلسطينية.
كذلك جاء الاجتياح لتحقيق مأرب سياسية داخلية عند العدو، وليدفع عن شارون تهمة الفشل في تحقيق الأمن والسلامة لشعبه، الأمر الذي أخذ يتهدد مصيره السياسي أمام منافسيه.
اتخذ شارون لحملته تلك أهدافًا مباشرة معلنة استغل فيها الأحداث الجارية في العالم والتوجه السائد في الدول:
أولها: محاربة الإرهاب الذريعة والمشجب الذي أراد شارون أن يعلق عليه جرائمه، فاستغل تداعيات أحداث سبتمبر مدعيًا أنه إنما يلاحق الإرهاب الذي تحاربه أمريكا في أفغانستان وفي دول محور الشر كما تدعي أمريكا في أحاديثها المتكررة.
ثانيها: ادعاؤه في الاجتياح بأنه يريد أن يستأصل البنية التحتية للحركات الإرهابية بحجة أن السلطة الفلسطينية لم تقم بهذه المهمة، فوجب عليه أن يحمي بذلك إسرائيل وشعبها من الهجمات الإرهابية كما يدعي.
كما أن هناك عوامل ومواقف شجعت إسرائيل على المضي في إجرامها وصلفها وهمجيتها التي فاقت الحدود منها:
موقف أمريكا فقد بدا واضحًا لكل ذي عينين مدى تطابق الرؤية الصهيونية والرؤية الأمريكية للصراع، وظهرت أمريكا بشكل سافر عدوًا للشعب الفلسطيني وطموحاته من خلال تبنيها ومساندتها للمواقف الصهيونية وتغطيتها على المجازر التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني من هدم القرى والمخيمات على أصحابها وارتكاب المجازر والمذابح وبعد ذلك كله تصريح الإدارة الأمريكية وبوش بان شارون رجل سلام، وأمان ومحبة يحافظ على حقوق الإنسان.
أما عن الاتحاد الأوروبي فقد بدا واضحًا حجمه الضئيل وقدرته المتواضعة على التدخل في القضية الفلسطينية إلا ضمن الرؤية الأمريكية، مع وجود أصوات خافتة حاولت على استحياء التعبير عن رفضها لما يجري من مجازر وإعادة احتلال الأراضي، ولكن دون جدوى أو عمل فاعل على الساحة العالمية.
الأمم المتحدة فقد افتضح أمام ضعفها بشكل يدعو للرثاء خلال الاجتياح الصهيوني، فمن جهة كانت قرارات مجلس الأمن هزيلة من حيث المضمون أن تلزم دولة الاحتلال بتنفيذ أي من هذه القرارات وما كان قرار لجنة تقصي الحقائق إلا صفعة وبصقة في وجه الهيئة الدولية.
العالمان العربي والإسلامي لم يستطع معظم الدول العربية والإسلامية أن يحرك ساكنًا في وجه العصا الأمريكية المرفوعة فوق رؤوسهم أو يتخذ موقفًا فاعلًا أمام الصلف الإسرائيلي المستعد بسلاحه وعتاده والمتنمر للسلطات الورقية النائمة والحالمة واللاهية بشهواتها، فأخذ البعض يحاول الإعلان عن تضامنه مع الشعب الفلسطيني من خلال أعمال استعراضية هزيلة موجهة للاستهلاك الشعبي المحتقن ولم تستطع بعض الدول التي لها علاقة مع إسرائيل أن تقطع هذه العلاقات أو حتى طرد السفير الصهيوني.
أما على المستوى الشعبي فقد أعادت هذه الاعتداءات الصهيونية الحيوية للشارع العربي والإسلامي وظهر التلاحم والتعاطف والانتماء مع الاستعداد للبذل والعطاء من أجل فلسطين ولابد من الإشارة والإشادة بالمواقف الشعبية التي بلغت حدًا عرف بتنظيم قوائم آلاف الاستشهاديين الذين أعربوا عن استعدادهم للاستشهاد على تراب فلسطين دفاعًا عن الأقصى، ومحاولة كثير من الشبان اجتياز الحدود للانضمام إلى إخوانهم في فلسطين.
وبعد.. فما ملامح المستقبل: أظن أن الذي عنده القدرة على الصبر واستمرار الكفاح هو الذي سيغلب في النهاية ويربح الجولة، وبلا أدنى شك لن يستطيع الصهاينة إنهاء المقاومة، لأنها امتدت إلى كل الشعب وستبقى ما بقي الاحتلال جاثمًا على الأرض، وستتطور، قد تتوقف لبعض الوقت ولكنها لن تموت حتى لو وقعت السلطة كل الاتفاقات الأمنية المطلوبة من قبل الصهاينة، ولكن بلا شك ستكون هناك صعاب لابد من الاستعداد لها، أولها: محاولة بعض الأنظمة التخلص من المأزق الفلسطيني وثانيها السلطة الفلسطينية المطعمة بكثير من العملاء، وثالثها الضغط الأمريكي، ورابعها الصلف الإسرائيلي الذي يحتاج إلى الإذلال.
وكل هذا أمام إرادة الشعب وعون الله وحب الاستشهاد لا يساوي جناح بعوضة، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: ٢١) صدق الله العظيم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل