العنوان المنظمة الدولية وحقوق الإنسان.. الحقيقة والاتهام
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يوليو-1993
مشاهدات 61
نشر في العدد 1059
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 27-يوليو-1993
· ستظل المأساة الرهيبة في البوسنة والدماء التي سالت- ولا تزال- وثيقة إدانة للأمم المتحدة على تواطئها، وتبعيتها للسياسة الغربية ذات المعايير المزدوجة والظالمة.
· ازدواجية الخطاب الأخلاقي لأمريكا وأوروبا في حقوق الإنسان حيث تهملها في البوسنة وفلسطين، وترفعها عندما يكون مصلحة.
المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان وازدواجية المعايير
ستظل المأساة الرهيبة في البوسنة والدماء التي سالت- ولا تزال- وثيقة
إدانة للأمم المتحدة على تواطئها، وتبعيتها للسياسة الغربية ذات المعايير المزدوجة
والظالمة. ازدواجية الخطاب الأخلاقي لأمريكا وأوروبا في حقوق الإنسان حيث تهملها
في البوسنة وفلسطين، وترفعها عندما تكون مصلحة.
صاحب انعقاد المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان في فيينا جدلاً طويلاً، لا
تزال وقائعه وقراراته تتناولها الأقلام بالنقد والمراجعة والتحليل، وقد ذهبت
الآراء بين التطرف والواقعية والاعتدال، بطريقة تعكس الخلفية الثقافية والتاريخية
لكل منهم، كما تعبر عن واقع السيادة والتبعية التي تنعم بها أو تكابد منها تلك
الأقلام.
إن أحداً لا يمكن أن ينكر حالة التوجس وعدم الاطمئنان التي أبدتها
الوفود غير الرسمية تجاه التناولات والمواقف والأجندة الرئيسة للمؤتمر، حيث إن
المعطيات التمهيدية التي سبقت الانعقاد كانت توحي بأن هناك توجهاً من قبل دول
الشمال «الدول الصناعية الغنية» لفرض رؤيتها وأفكارها على التطلعات النهائية
للمؤتمر؛ لذلك كانت الكثير من أطروحات الوفود الرسمية والمنظمات غير الحكومية
مغايرة تماماً لمجمل التصورات التي تناولتها أجندة دول الشمال، وإذا ما حاولنا في
هذه القراءة المتأنية مراجعة حجية النداءات والمخاوف والاتهامات؛ فإننا سنأتي إلى
طرق فكرة حقوق الإنسان وتطورها التاريخي المرتبط بالجغرافيا السياسية للنظام
الدولي، والتحولات التي صاحبت تطورات مفاصل الأحداث المؤثرة فيه، وإذا بادرنا
بالاستعراض التاريخي لظاهرة حقوق الإنسان في المجتمع الدولي، فإن البداية كانت-
رسمياً- قبل 45 عاماً، حين وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على الإعلان
العالمي لحقوق الإنسان، وكما أوضح واضعو الإعلان في عام 1948، فإن مواده تنطبق على
جميع الشعوب في جميع الدول، وكانت المادة الأولى تنص على أن «جميع الناس ولدوا
أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق»، أما المادة الثانية فقد نصت على أن «كل فرد
يتمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في الإعلان بغير تمييز من أي شكل كان،
كالتمييز بسبب العرق واللون والجنس واللغة والدين والرأي السياسي أو غيره، والأصل
القومي أو الاجتماعي والممتلكات والميلاد أو أي وضع آخر».
وعلاوة على ذلك ينبغي ألا يكون هناك أي تمييز على أساس الوضع السياسي
أو القضائي أو الدولي للدولة أو الإقليم الذي ينتمي إليه الفرد. لقد كرر المؤتمر
العالمي لحقوق الإنسان في طهران عام 1968 تأكيد الإعلان العالمي، وكانت فكرة حقوق
الإنسان تنتشر بسرعة تنامي شبكة الاتصالات العالمية، كما كانت المنظمات الخاصة
التي تعنى بحقوق الإنسان تزداد قوة، وبحلول أواسط السبعينيات أصبح السجين السياسي
الذي يجري تعذيبه وتوقيفه في أي مكان من العالم موضوع مئات من رسائل الاحتجاج
الموجهة لحكومة بلده، وفي كل مكان كان الناس يقولون: نعم، إن للأفراد حق التعبير
عن رأيهم بصراحة، وأن يكونوا متحررين من القمع، كما للأفراد حق التصويت وانتخاب
حكومة تمثلهم في عملية ديمقراطية، وحق رفض الحكومة عندما تقصر في حقهم.
وبالنسبة إلى بعض الحكومات لم تكن هذه مجرد فكرة تاريخية، بل كانت ولا
تزال فكرة ثورية، لقد شاهدنا- كما تقول جيرالدين فيرارو، مندوبة الولايات المتحدة
إلى المؤتمر- سقوط جدار برلين نتيجة لها، وشاهدنا جغرافية أوروبا الشرقية تتغير،
وفي السنوات 20 الماضية شاهدنا تفجر الوعي بحقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم،
ولقد أصبح من الصعب جداً على الحكومات القمعية أن تخفي أدلة ما تقوم بعمله، وتجاوب
الناس، وأصبحنا في وسط اتجاه يبتعد عن الأنظمة الاستبدادية، ويقترب من الأنظمة
الديمقراطية الممثلة للشعب، إن هذه التغيرات العالمية هي التي دفعت الأمم المتحدة
إلى عقد هذا المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان.
المنظمة العالمية وحقوق الإنسان: الاتهام
إن الدور الذي لعبته الأمم المتحدة إبان حرب تحرير الكويت أكسبها
وجهاً تختلف ملامحه وتقاطيعه عن ذلك الوجه الذي غزته حالة الترهل والتجاعيد، وجه
الأمم المتحدة العاجزة عن القيام بأي دور جاد لحل المنازعات وفض الاشتباكات التي
غطت القارات الخمس، وفجأة وبعد انتهاء الحرب الباردة بدأ الحديث عن أمم متحدة قوية
قادرة، وعن نظام دولي جديد، تحظى في ظله الأمم المتحدة بالاحترام، وتتمتع بالقوة
والشرعية، وكان هذا الحال في مدة المواجهة والحرب في الخليج، إلا أن مآسي المسلمين
في البوسنة، والتجاهل الدولي لتقديم الحماية والحل العادل، أفقد المنظمة الدولية
أي مصداقية فيما تدعيه، وجعلها رهينة للمعايير المزدوجة التي سادت في تعاملات
القوى الكبرى كالولايات المتحدة وبريطانيا.
من هنا جاءت المقتلة لهيبة المنظمة الدولية، وطالتها الاتهامات حتى في
مؤتمرها العالمي لحقوق الإنسان، فالبعض يرى- خالد توفيق في صحيفة كيهان- بأنه «إذا
استطاعت أمريكا وحلفاؤها الغربيون أن يطوعوا الأمم المتحدة، بحيث تنتهي إلى أن
تكون واجهة لإسباغ الشرعية على حروبها وتدخلاتها بشؤون الآخرين، فإن المسألة ربما
بدت لهم أسهل حين يكون المسوغ هذه المرة حقوق الإنسان..!!».
أما عبد الرحيم حسن في مجلة العالم فيرد على التساؤل حول المطالبات
«الأخلاقية» الأمريكية بحقوق الإنسان بالقول: «إن أمريكا تحاول استحداث شرعية
أخلاقية لتصرفاتها، وذلك من خلال دعاوي الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم من
جهة، وتحصيل تأييد الأمم المتحدة لسلوكها العسكري من جهة أخرى».
وقد انتقد عرفات نظام الدين في صحيفة الشرق الأوسط ازدواجية الخطاب
الأخلاقي للولايات المتحدة ودول أوروبا، وأشار بأنها لو كانت جادة حقاً في الدفاع
عن حقوق الإنسان لتصدت للظلم الإسرائيلي، وأجبرت إسرائيل على القبول بالحد الأدنى
للسلام، وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، ومنح الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة عوض
تشجيعها على التمادي في انتهاك أبسط قواعد حقوق الإنسان، وقتل الأبرياء، وحصد
أرواح أطفال صغار لا ذنب لهم سوى أنهم آمنوا بحتمية كفاحهم لوقف الظلم والجور
والجرائم بحق الإنسانية، والتي ترتكب في وضح النهار، وتحت سمع العالم وبصره، ولو
كانت الولايات المتحدة ودول أوروبا جادة فعلاً في غيرتها المفاجئة على حقوق
الإنسان، لتدخلت في البوسنة والهرسك لوقف جرائم الإبادة «والتطهير العرقي» التي
يرتكبها الصرب كل يوم، أو على الأقل سمحت للمسلمين بممارسة أبسط حق من حقوقهم وهو
الدفاع المشروع عن النفس وعن الأعراض التي انتهكت.
إن المتابعين والمشاركين في المؤتمر كانوا يلحظون ضغط دول الشمال على
توجهات المؤتمر العامة، بحيث تخلو الصيغة النهائية لوثيقة المؤتمر من أي تنديدات
للدول التي تنتهك حقوق الإنسان، كما أن الوفود الرسمية عملت على ألا يركز النداء
على قضايا استراتيجية!! وبالتالي خرجت معظم الدول التي تمارس تجاوزات إنسانية من
هذا «السامر العالمي» دونما إصابات أو اتهام..!! أي أن نتائج المؤتمر- كما جاء على
لسان العديد من المراقبين والمشاركين- كانت عبارة عن «فقاعة فارغة بلغت كلفتها
ملايين الدولارات».
إن المؤتمر كان «قمة من الفرص الضائعة» كما جاء على لسان بيرسين
الأمين العام لمنظمة العفو الدولية، إذ إن إعلان فيينا كان وثيقة يعتريها خلل،
لأنه أخفق في إلزام الحكومات باتخاذ إجراءات ملموسة لحماية حقوق الإنسان وتعزيزها.
اتهامات الشمال والجنوب
إن دول الشمال تنظر إلى أن الديمقراطية هي الحتمية الاستراتيجية
والأخلاقية للتسعينيات، وهي تبني سبل حماية حقوق الإنسان في كل دولة، كما أن
الديمقراطية هي السبيل الأفضل لنشر وتعزيز سلام وازدهار دائمين في العالم. وقد عبر
عن هذه المفاهيم وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر بالقول: «إن الديمقراطية هي
التي ترسي المؤسسات المدنية التي تحل محل سلطة الحكم التعسفية، وإن الديمقراطية هي
أفضل سبيل لا لنيل حقوق الإنسان فحسب، بل لضمانها أيضاً».
أما دوغلاس بيني فقد أشار في صحيفة الواشنطن بوست إلى تخوفه من أن دول
الجنوب تحاول أن تضع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية قبل الحقوق المدنية والسياسية،
وذلك سعياً وراء تحقيق مكاسب «مصلحية» بادعاء أن أولويات «التنمية» يجب أن تسبق أي
إصلاحات ديمقراطية، وهذا يهدف إلى الاستفادة من العطاءات والمساعدات الدولية دونما
أن تكون هناك جهات لها سلطة المحاسبة والربط بين برامج التنمية والمساعدات
وانتهاكات حقوق الإنسان في هذه الدول، لذلك يرى دوغلاس بأن الربط لا بد وأن يكون
قائماً، وأن عملية التحول الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان يجب أن تكون متزامنة مع
أي مساعدات أو برامج تطويرية لهذه الدول، وهذا ما رفضته كتلة دول الجنوب باعتباره
وسيلة للتدخل في شؤونها الداخلية، والاعتداء على سيادتها، ولاعتبارات التباين
الثقافي والخصوصيات الدينية لكل منها.
إن خلاصات المؤتمر لم تكن بالمستوى المطلوب، وإن كانت فرصة لتبادل
الاتهامات بين كتل الشمال والجنوب، لعبت فيها المنظمات غير الحكومية دوراً أساسياً
استطاعت من خلاله أن تؤكد هويتها الإنسانية بطريقة أفضل، ولعلها في الوقت نفسه عرت
الكثير من الخطابات الأخلاقية المصلحية للغرب، حيث كشفت قضية البوسنة عن الوجه
البشع للمجتمع الدولي ويديه الملطختين بالدماء على حد تعبير وزير خارجية البوسنة.
والخلاصة التي يمكن أن تنتهي إليها نتائج هذا المؤتمر لا تبعث على
التفاؤل، والسبب وراء ذلك بسيط جداً على حد قول حليم بركات- الأستاذ في جامعة جورج
تاون- وهو «أن الشعوب هي التي تخوض معركة حقوق الإنسان، وليست الأنظمة التي هي
مصدر المشكلة»، أو هي- كما قالت العرب في أمثالها- الخصم والحكم، والحر يعرف
بالطبع ما تريد المحكمة وقضاته سلفاً قد ارتشفوا دمه.
إن هذا المؤتمر- من وجهة نظري- لم ينعطف على الأماني التي علقتها
الشعوب المضطهدة عليه، وإن سجل بعض النجاحات الرمزية في مجال حرية المرأة وحقوقها،
وستظل قضية المأساة الرهيبة في البوسنة والدماء التي سالت- ولا تزال- على وجه
الادعاءات الأخلاقية للغرب وثيقة إدانة للأمم المتحدة على تواطئها وتبعيتها
للسياسة الغربية ذات المعايير المزدوجة والظالمة.. حتى وإن تلبست بعض أنشطتها بوجه
إنساني ظاهره فيه الرحمة.
انظر أيضا:
في زمن غزة لا معنى لما يُسمى حقوق الإنسان!
حقوق الإنسان في العالم الإسلامي.. نظرة غربية