في زمن غزة لا معنى لما يُسمى حقوق الإنسان!
إيكو
إرنادا(*)
يُحتفل بيوم
حقوق الإنسان سنوياً في العاشر من ديسمبر، لتجديد التأكيد على مبادئ الكرامة
والمساواة والحماية العالمية التي نصّ عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام
1948م.
غير أنّه في زمن
غزة، تبدو هذه المبادئ خاوية من مضمونها، فالعالم يحيي هذا اليوم بخطب واحتفالات،
بينما يرزح شعب مدني بأكمله تحت القصف والتهجير والجوع وانهيار البنية التحتية
الأساسية، وسط إفلات شبه كامل من العقاب.
غزة أصبحت
المرآة الأشد وضوحاً لعصرنا؛ فهي تكشف عن عالم تُستخدم فيه الحقوق «العالمية»
بانتقائية، حيث تُزهق أرواح المدنيين حتى أثناء ما يُسمى بالوقفات الإنسانية، وحيث
يعجز النظام الدولي -أو يتقاعس- عن فرض معاييره.
المأساة ليست
فقط أنّ غزة تحترق، بل أنّها تحترق بينما يصرّ العالم على أنه ما زال يؤمن بحقوق
الإنسان.
هدنة لا تعني الأمان
المفارقة
المريرة في غزة أنّ وقف إطلاق النار لم يعد ضماناً للسلامة، فـ«إسرائيل» تعلن عن
توقف مؤقت للقتال، ثم تعود لتقصف المستشفيات والملاجئ ومساكن المدنيين بعد ساعات.
وهذه ليست حوادث
عرضية، بل إشارات إلى تحوّل عالمي خطير؛ عصر تآكل فيه ضبط النفس، وضعفت فيه
الشرعية، وأصبحت حماية المدنيين قضية قابلة للتفاوض السياسي.
كل هدنة تُنتهك
تبث رسالة خطيرة؛ أنه لا حدود لتجتهل قوانين الحرب من قبل من يملك القوة.
«إسرائيل» استثناء دائم
المفكر السياسي
كارل شميت قال: إن السيادة هي القدرة على تقرير الاستثناء، سلوك «إسرائيل» في غزة
يجسّد هذه الفكرة بوضوح مقلق؛ فهي تستدعي حق الدفاع عن النفس بلا حدود زمنية أو
أخلاقية، لتفرض سلطة تقرير متى يُطبّق القانون الدولي ومتى يُعلّق.
وهذا ينتج وضعاً
دائماً من الاستثناء، حيث يبرر استخدام القوة المميتة في كل الظروف حتى أثناء
الهدنات الإنسانية المعلنة.
النظام الدولي
الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، على وعد بأن يقيد الحروب ويحمي المدنيين،
يبدو اليوم هشاً ومتناقضاً.
ميثاق الأمم
المتحدة واتفاقيات جنيف كان يفترض أن يُلزم جميع الدول بالتساوي، لكن غزة تُظهر
عكس ذلك.
ازدواجية المعايير
يوم حقوق
الإنسان، الذي يُراد له أن يكون احتفالاً عالمياً، أصبح تذكيراً صارخاً بازدواجية
الأخلاق، فحين تُنتهك الهدنات في أوكرانيا، ينهال التنديد الغربي والدعوات
المنادية بالمحاسبة، أما حين يحدث الأمر نفسه في غزة، يُعاد توصيفه بأنه إجراءات
أمنية أو استهداف دقيق أو أضرار جانبية مؤسفة!
هذه الازدواجية
تقوّض مصداقية ما يُسمى بالنظام القائم على القواعد، وتحول حقوق الإنسان إلى خطاب فارغ.
فلسفة وتكنولوجيا في خدمة الحرب
انتهاكات «إسرائيل»
المتكررة للهدنات ليست مجرد أفعال عسكرية، ولكنها أيضاً فعل فلسفي.
فكرة جورجيو
أجامبن عن حالة الاستثناء -حيث يتم تعليق القانون ولا يتم استدعاؤه إلا لتبرير
العنف- تصف غزة بدقة مخيفة، فالهدنة تتحول من التزام إنساني إلى أداة إستراتيجية؛
وقت لإعادة التموضع وتشديد السيطرة واستئناف القصف.
يضاف إلى ذلك
بُعد جديد؛ وهو عنف مدعوم بالتكنولوجيا، والعمليات العسكرية «الإسرائيلية» تعتمد
بشكل متزايد على الاستهداف بمساعدة الذكاء الاصطناعي، والمراقبة البيومترية،
والتحليلات التنبؤية، والبيانات الفورية المستخلصة من الفلسطينيين.
الحياة المدنية
تتحول إلى نقاط بيانات، والقتل يصبح أفعالاً وخوارزميات.
لقد تطورت «تفاهة
الشر» التي وصفتها حنّة أرندت إلى شكل رقمي؛ من عنف بيروقراطي، وتقني، يُمارس
ببرود تحت ستار الحتمية التكنولوجية.
انهيار الأساس الأخلاقي
الإعلان العالمي
لحقوق الإنسان يضمن الحق في الحياة والكرامة والعلاج والحماية من العقاب الجماعي
والعنف التعسفي.
لكن في غزة،
تُقصف العائلات في منازلها، وتُهجر مراراً تحت النار، وتُحرم من الماء والكهرباء
والعلاج حتى داخل المستشفيات.
هذه ليست مجرد
انتهاكات، بل هي تفكيك للأساس الأخلاقي الذي يقوم عليه يوم حقوق الإنسان.
تداعيات عالمية
الأزمة لا تقتصر
على غزة، وانهيار تطبيق القانون في مكان واحد يؤدي إلى تسارع تآكل المعايير في كل
مكان، فحين يصبح القانون الدولي اختيارياً لدولة واحدة، فإنه يصبح اختيارياً
للجميع.
والنموذج الذي
يُرسَّخ الآن -أن سقوط أعداد هائلة من المدنيين يمكن تبريره بالتحالفات السياسية- سوف
يتردد صداه عالمياً.
في الشرق
الأوسط، الشعوب تتابع ما يحدث في غزة بشعور بالجرح الأخلاقي وفقدان الثقة، والنظام
الدولي، الذي أضعفته عقود من التدخلات الانتقائية والقرارات غير المنفذة يفقد
المزيد من مصداقيته، ونفاق القوى الكبرى يعمّق عدم الاستقرار ويغذي الاعتقاد بأن
العدالة لا يمكن أن تُنال عبر المؤسسات التي يُفترض أنها وُجدت لتحقيقها.
يوم بلا معنى؟
في هذا السياق،
يصبح يوم حقوق الإنسان مجرد طقس أجوف.
الدول ستصدر
بيانات تمجّد الإعلان العالمي، لكنها هي التي تمتنع عن الدفاع عن مبادئه عملياً، والمنظمات
الدولية ستدعو إلى المحاسبة، لكنها عاجزة بنيوياً عن فرضها، والقوى الكبرى ستواصل
التحدث بلغة الحقوق بينما تمارس ما يناقضها وينقضها.
في زمن غزة، يجب
إعادة النظر في معنى يوم حقوق الإنسان؛ حيث لا يمكن أن يبقى مجرد إحياء لمثل ومبادئ
منفصلة عن الواقع، بل يجب أن يصبح دعوة لمواجهة البُنى السياسية والقانونية
والتكنولوجية التي سمحت بتآكل الحقوق بهذا الشكل المريع.
السؤال الحقيقي
في هذا اليوم ليس ما إذا كانت «إسرائيل» قد تجاوزت حدود السلوك القانوني؛ فهذا قد
أُجيب عنه مراراً بكل قنبلة تُلقى أثناء هدنة، وبكل مستشفى يُقصف، وبكل أسرة مدنية
تُدفن، ولكن السؤال: هل ما زالت الإنسانية تؤمن بضرورة وجود حدود أصلاً؟
إذا استمر
العالم في التسامح مع تدمير غزة تحت شعار الأمن والدفاع عن النفس، فلن تبقى
الكونية أو العالمية -جوهر وعد حقوق الإنسان- على قيد الحياة.
في غزة، مدينة
تحترق، ومعها تحترق مصداقية النظام العالمي لحقوق الإنسان.
___________________
(*) المصدر:
ميدل إيست مونوتور.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً