العنوان المجتمع التربوي: المجتمع (1287)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 10-فبراير-1998
مشاهدات 86
نشر في العدد 1287
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 10-فبراير-1998
- إعداد: عبد الحميد البلالي.
- وقفة تربوية
صور من بر الوالدين
- قيل لعمرو بن ذر: كيف بر ابنك بك؟ قال: ما مشيت نهارًا قط إلا مشى خلفي، ولا ليلاً إلى مشى أمامي، ولا رقى علية وأنا تحته. (العقد الفريد ٤٢٤/٢)
- عن حفصة بنت سيرين قالت: كان محمد - أخوها - إذا دخل على أمه لم يكلمها بلسانه تخشعًا لها .
- وعن عون قال: دخل رجل علی محمد بن سيرين وهو عند أمه، فقال: ما شأن محمد يشتكي شيئًا؟ فقالوا: لا ولكن هكذا يكون إذا كان عند أمه. (صفة الصفوة٢٤٥/٣.(
- كان التابعي الجليل ابن محيريز يقول: «من مشى بين يدي أبيه فقد عقه، إلا أن يمشي فيميط له الأذى عن طريقه، ومن دعا أباه باسمه أو بكنيته فقد عقه، إلا أن يقول: يا أبة « (صفة الصفوة ٢٠٧/٤.(
- ليقرأ أبناؤنا هذه الصور الفذة ويعرفوا قدر والديهم، الذين قرنهما الله تعالى مع الأمر بعبادته والوصية ببرهما، وأخبر رسوله -r- بأن رضا الله مقرون برضا الوالدين وأن العاق لهما يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخره له من العذاب في الآخرة ..... فهل يرتدع العاقون عن غيهم قبل أن يصيبهم الله بعذاب من عنده لا يقومون بعده أبدًا؟؟
أبو خلاد
حال الرسول r في تحمل المسؤولية
- بقلم: عبد الله عبد الهادي
عن عبد الله بن شفيق قال: قلت لعائشة: «هل كان النبي r يصلي وهو قاعد؟ قالت: نعم بعدما حطمه الناس» )رواه مسلم ۷۳۲(
والمعنى كأنه r لما حمله من أمورهم وأثقالهم والاعتناء بمصالحهم صيروه شيخًا محكومًا، حتى كان له يحزن على كفر قومه كما قال تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (الكهف: 6)
والمعنى: أن الله سبحانه وتعالى يقول لرسوله r هون عليك يا محمد فإن مهمتك تبليغ الرسالة وليس هداية الناس، وأصل البخع: أن تبلغ بالذبح البخاع وهو عرق في الصلب يجري في عظم الرقبة وذلك أقصى حد الذبح والمراد لا يكن منك قتل نفسك حزناً لإعراضهم عن الإيمان.
وعن أبي هريرة t أنه سمع رسول الله يقول: « إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها فجعل ينزعهن ويغلبنه فيقتحمن فيها فأنا أخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقحمون فيها» (البخاري: ٦١١٨)، وهذا الحديث يبين فيه الرسول r معاناته في هداية قومه.
من مهام المسؤولية:
أولاً- إظهار الحق: الحق قوي بذاته والباطل قوي بغيره وهذه حقيقة يجب أن يدركها كل مسلم لأن الحق بحاجة إلى رجال لا يخافون في الله لومة لائم لا يداهنون ولا يجاملون ولا ينافقون، بل إن همهم الأول وشغلهم الشاغل هو: كيف يعرف الناس الحق ويعملون به ويكونون من أنصاره حتى؟ قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t: «إن لله رجالاً أحيوا الحق بذكره وأماتوا الباطل بهجره»، والحق من أراده عليه أن يتواصي ويتعاون مع إخوانه في إظهاره لأن الحق ثقيل وطلابه قليل ولأن طريقه طويل، لذلك نجد أن النبي r أوصانا بالتبليغ عنه ولو بأية حتى لا نترك الكلمة الطيبة وإن كانت قليلة فالمقصود ليس الكلمة ولكن المقصود إظهار الحق سواء بالكلمة أو بالفعل أو بالتفكير أو بإيجاد البدائل المباحة أو بإنشاء المؤسسات التربوية.
ومقصود الحديث: أن الله شبه تساقط الجاهلين والمخالفين بمعاصيهم وشهواتهم في نار جهنم وحرصهم على الوقوع في ذلك مع منعه إياهم وقبضه على موانع المنع منهم بتساقط الفراش في نار الدنيا الهواه وضعف تمييزه وكلاهما حريص على هلاك نفسه ساع في ذلك لجهله. ( النووي، ج ١٥ ، ص ٤٤٩).
وعن أبي موسى قال: قال رسول الله r: «مثلي ومثل ما بعثني الله، كمثل رجل أتي قومًا فقال رأيت الجيش بعيني وإني أنا النذير العريان فالنجاء النجاء فأطاعه طائفة فأدلجوا على مهلهم فنجوا وكذبته طائفة فصبحهم الجيش فاجتاحهم» (البخاري: ٦١١٧).
ومقصود الحديث: أنه r ضربه لأمته لأنه تجرد لإنذارهم.
ثانيًا- تحمل هموم الناس: الخطاب التعليمي خطاب تجريدي قائم على تحديث الناس بأسس الإسلام العقيدية والتصورية والتشريعية ... الإسلام وهموم الناس - أحمد عبادي وهذا الجانب مع ضرورته إلا أنه لا يكفي في دعوة الناس وهو تبني هموم الناس حتى أن الله سبحانه جعله من التكذيب بالدين كمن منع الماعون في حالة الاستطاعة عمن يحتاجون إليه فقال سبحانه: ﴿أَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ فَذَٰلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلۡيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ فَوَيۡلٞ لِّلۡمُصَلِّينَ ٱلَّذِينَ هُمۡ عَن صَلَاتِهِمۡ سَاهُونَ ٱلَّذِينَ هُمۡ يُرَآءُونَ وَيَمۡنَعُونَ ٱلۡمَاعُونَ﴾ (سورة: الماعون).
فهذا أبو عثمان شيخ البخاري رحمه الله يقول: «ما سألني أحد حاجة إلا قمت له بنفسي فإن تم وإلا قمت له بمالي فإن تم وإلا استعنا له بالإخوان فإن تم وإلا استعنت بالسلطان».
وهذا نهج الأنبياء عليهم السلام من قبل فهذا موسى وهارون -عليهما السلام- يطالبان فرعون أول ما خاطباه بإطلاق سراح شعب بني إسرائيل وعدم تعذيبهم والكف عن استضعافهم واستغلالهم، فقال تعالى حكاية عنهما: ﴿فَأۡتِيَاهُ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَلَا تُعَذِّبۡهُمۡۖ قَدۡ جِئۡنَٰكَ بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكَۖ وَٱلسَّلَٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلۡهُدَىٰٓ﴾ (طه: 47).
الفرض الكفائي:
يقول الإمام الفقيه الشاطبي -رحمه الله- وهو يشرح معنى قول الفقهاء إن فروض الكفاية إن قام بها البعض سقط الإثم عن الباقين: يقول رحمه الله: وإن سقط وجوبها عن غير القادر عليها، فإنه مطالب بالتفتيش عن القادر وحثه وإعانته على القيام بها فالقادر إذن مطالب بإقامة الفرض، وغير القادر مطالب بتقديم ذلك القادر من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ( الموافقات للشاطبي).
وهذا الكلام صريح لا يعذر فيه أحد مهما كانت ظروفه العائلية أو الصحية أو الوظيفية أو الدراسية وأمثالها عذر يمنعه بالقعود عن أداء الواجب، كما قال تعالى: ﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرۡضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ (التوبة: 91).
ثالثًا- التفكير في رؤية المستقبل: فهذا نبي الله يوسف -عليه السلام- يتبنى مشاكل وهموم الناس في السنين العجاف ويتطوع لتحمل عبء توزيع المواد الغذائية ليقوم بذلك بعدل فلا يظلم أحد، يقول تعالى حكاية عنه: ﴿قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٞ﴾ (يوسف: 55).
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: «إنما سأله أن يجعله على خزائن الأرض لما يستقبلونه من السنين التي أخبرهم بشأنها فيتصرف لهم على الوجه الأحوط والأصلح والأرشد....» ابن كثير (٤٨٢/٢).
تأملات قرآنية
الكلمة الطيبة ... الكلمة الخبيثة
- بقلم: د. محمد الدسوقي([1])
يقول الحق تبارك وتعالى ﴿أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا كَلِمَةٗ طَيِّبَةٗ كَشَجَرَةٖ طَيِّبَةٍ أَصۡلُهَا ثَابِتٞ وَفَرۡعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ تُؤۡتِيٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينِۭ بِإِذۡنِ رَبِّهَاۗ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٖ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجۡتُثَّتۡ مِن فَوۡقِ ٱلۡأَرۡضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٖ﴾ (إبراهيم: 24-26).
تتحدث هذه الآيات الثلاث عن الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة ومنزلة كل منهما، وجاء حديث الآيات عن الكلمتين بأسلوب ضرب المثل، وقد ورد هذا الأسلوب في مواطن كثيرة من كتاب الله وهو لون من التعبير البياني الذي يراد به توضيح المعاني، وتقريب الصورة، وتأكيد الدلالة، فكلمة المثل تطلق ويقصد بها المثل أو المساوي، كما تطلق على الصفة العجيبة كأنها لقرابتها يشبه بها ويتمثل، وتطلق أيضًا على الحكمة النافعة والقول الصادق، وعلى ما يجري التشبيه به لبلوغه الغاية في معنى من المعاني.
ومعنى ضرب المثل إيراده وذكره والتمثل به وفي هذا يظهر أثر المثل في غيره، فالغاية من ضرب المثل كما أشرت أنفاً تقريب الدلالات وتأكيدها.
وقد بدأت تلك الآيات باستفهام ﴿أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا﴾ وهو استفهام منفي للحث على النظر والاعتبار، وقد ورد هذا الأسلوب في القرآن نحو ثلاثين مرة، وترى في الآية بمعنى تعلم، فبداية الآية بهذا الاستفهام توجه النظر إلى التفكير فيما يضرب الله له المثل، وهذا يدل على أهمية ما يرد الحديث عنه بعد الاستفهام ووجوب الاعتبار به.
والكلمة الطيبة مهما تتعدد الأقوال في تفسيرها هي كلمة الحق ابتداء من الشهادة بالوحدانية، ونبوة محمد - r- وانتهاء بكل كلمة لا يراد بها إلا الخير والمعروف، هذه الكلمة الطيبة هي شعار المؤمن لا ينطق بغيرها، لأنه على يقين من أن كل ما يلفظ به سيحاسب عليه، وأن الإنسان قد يتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالًا، بيد أنها تهوي به في النار سبعين خريفًا كما جاء في الأثر، وأن حصائد الألسن تكب الناس في النار على وجوههم، ولذا يصون المسلم لسانه إلا من الكلمة الطيبة، فهي صدقة وخير، وهي آية من آيات الخشية والتقوى والاستقامة. هذه الكلمة الطيبة شبهت في الآية بشجرة طيبة، وهذه الشجرة لا يتفق العلماء على مدلول لها، فمنهم من يقول إنها النخلة، ومنهم من يقول إنها شجرة في الجنة، ومنهم من يرى أنها شجرة غير معينة، ولكنها وصفت بصفات أربع هي: أنها طيبة، أي كريمة المنبت، والثانية رسوخ أصلها وهذا يدل على تمكنها، وعلى أن الرياح لا تقصفها، وهي لهذا طويلة العمر، والثالثة علو فرعها، وهذا يدل على رسوخ عروقها في الأرض، والرابعة أن ثمرها دائم مستمر، وأن عطاءها لا ينقطع، فهي تعطي جناها في كل وقت أراده الله سبحانه، فكل شجرة اتصفت بهذه الصفات فهي شجرة طيبة، وقد شبه الرسول المؤمن الذي يقرأ القرآن بالأترجة، وهي شجر يعلو ناعم الأغصان والورق والثمر.
فمثل الكلمة الطيبة كهذه الشجرة الطيبة، أي أن الكلمة الطيبة ثابتة مثمرة، لا تزعزعها الأعاصير، ولا تعصف بها رياح الباطل ولا تقوى عليها مقامع الطغيان، إنها كلمة راسخة في القلب قوية في النفس لا تهاب إلا الذي بيده الملك، وهو على كل شيء قدير، ومن ثم تواجه هذه الكلمة الباطل في ثقة وشجاعة لا تقيم له وزنًا مهما يملك من أسلحة الإرهاب ووسائل الإعنات والاضطهاد.
وتختم الآية الثانية من هذه الآيات بأن الله تبارك وتعالى يضرب الأمثال للناس لعلهم يتذكرون أي لعلهم يحافظون على الكلمة الطيبة، ويذودون عنها، ويجاهدون في سبيلها لا تنسيهم أعراض الحياة حق هذه الكلمة عليهم، وهو حق مقدس لا يفرط فيه مسلم حتى لا يبوء بغضب الله.
أما الكلمة الخبيثة فهي كلمة الباطل، ابتداء من كلمة الكفر وانتهاء بكل كلمة تعبر عن السفاسف والتوافه، فتشمل كل قول لا يعرف الحق والصدق ولا يعرف للأخوة الإسلامية حرمة، ولا يتحرز عن الساقط والسوقي من الألفاظ والعبارات، وهذه الكلمة كشجرة خبيثة، وكما اختلف العلماء في تأويل الشجرة الطيبة اختلفوا في تفسير الشجرة الخبيثة، ولكن هذه الشجرة وصفت بأنها ليست ثابتة الجذور فهي في غاية الوهن والضعف وإن بدت ضخمة عالية متشابكة الفروع والأغصان ولهذا لا تصمد أمام الريح ولو كان رخاء، فأصولها غير راسخة، وجذورها غير قوية فهي شجرة هشة لا قرار لها ولا بقاء.
وهذا مثل ضربه الله للكلمة الخبيثة، ليذكر الناس بأن هذه الكلمة لا نفع فيها، ولا خير منها.
بل إنها كلمة تنفر منها الفطرة السليمة، وتضيق بها الأذواق الرفيعة على العكس من الكلمة الطيبة التي تهش لها الأفئدة، وتسعد بها القلوب، وتتجاوب معها المشاعر الإنسانية، فكل طيب محبب للإنسان يهفو إليه، ويحرص عليه وكل خبيث تشمئز منه النفوس والصدور فهي تتحاماه وتنأى عنه.
إن هذه الآيات تضع للإنسان قانون الحق والخير، وتبين له أن ما ينفع يمكث في الأرض وأن الزيد يذهب جفاء، وأن المؤمن فطن كيس فهو يحافظ على الكلمة الطيبة في عقيدته وسلوكه، لأنه بهذه الكلمة يكون كروضة غناء عامرة بالحياة والعطاء روضة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، فالمؤمن بالكلمة الطيبة قلب سخي يفيض بالخير، ولسان عفيف يربأ بنفسه عن الدنايا، وعقل يقود إلى الفكر الذي يترسم خطى الحق والعدل والتجديد والتطوير، ويقابل هذا الكلمة الخبيثة التي يتحول بها الإنسان إلى صورة للجدب لا يعرف العطاء والنماء، وإنما يعرف القحط والهلاك هلاك الدين والدنيا .
يقول الله تعالى: ﴿إِلَيۡهِ يَصۡعَدُ ٱلۡكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلۡعَمَلُ ٱلصَّٰلِحُ يَرۡفَعُهُ﴾ (فاطر: ۱۰).
الكلمة الطيبة تصعد إلى الله في علاه، والعمل الصالح يرفعه الله إليه وفي هذا وذاك تكريم للكلمة الطيبة والعمل الصالح، وهو تكريم للإنسان الذي يعض بالنواجذ على الكلمة الطيبة والعمل الصالح.
وأما الكلمة الخبيثة فهي مرذولة مرفوضة، لا تعرف صعودًا ولا رفعة، ولا تكريمًا ولا تقديرًا.
([1]) رئيس قسم أصول الفقه - كلية الشريعة جامعة قطر
- المجتمع التربوي
التبشير والتطاوع
- بقلم: حجازي إبراهيم([1])
عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه، عن جده - y- أن النبي الله بعثه ومعاذاً إلى اليمن فقال: «يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا»([2]).
وعن أنس بن مالك - t- قال: «قال النبي يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تنفروا»([3])
يقول الإمام النووي: إنما جمع في هذه الألفاظ بين الشيء وضده، لأنه قد يفعلهما في وقتين، فإن اقتصر على يسروا لصدق على من يسر مرة أو مرات، وعسر في معظم الحالات، فإذا قال: ولا تعسروا انتفى التعسير في جميع الأحوال من جميع وجوهه، وهذا هو المطلوب.
وكذا يقال في بشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا، لأنهما قد يتطاوعان في وقت ويختلفان في وقت، وقد يتطاوعان في شيء ويختلفان في شيء([4])
الدروس والعبر:
1- سبقت رحمة الله: الدعوة إلى الله يجب أن تكون بالتبشير والترغيب قبل الإنذار والترهيب فإن رحمة الله - عز وجل - قد سبقت غضبه، فعن أبي هريرة - t- عن النبي r قال: «لما قضى الله الخلق كتب كتاباً عنده: غلبت - أو قال سبقت - رحمتي غضبي، فهو عنده فوق العرش»([5]).
ولأن يساق الناس على أجنحة من الرحمة خير من أن يساقوا بسوط العذاب، كما أن الداعية الناجح عليه أن يقرن بين الترغيب والترهيب والخوف والرجاء، حتى لا يقنط الناس أو بيأسهم من رحمة الله، وهذا منهج القرآن الكريم.
فالحديث عن الرحمة مشفوع بالحديث عن العذاب وغالبًا ما يسبقه: ﴿ نَبِّئۡ عِبَادِيٓ أَنِّيٓ أَنَا ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ (الحجر: 49).
والحديث عن الجنة والنعيم يجيء في القرآن مقرونًا بالحديث عن النار والجحيم ﴿فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ ﴾ (البقرة:24) ﴿ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡهَا مِن ثَمَرَةٖ رِّزۡقٗا قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِي رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُۖ ﴾ (البقرة: 25).
والحديث عن المعاصي والعقوبة يتبع باستثناء التائبين ﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ﴾ ( المائدة: 33-34).
٢ -التبشير لتأليف القلوب: وفي هذا الحديث حث على التبشير بفضل الله، وعظيم ثوابه، وجزيل عطائه، وسعة رحمته، فإن في ذلك جذب للقلوب وكسبها، كما أن فيه النهي عن - التنفير بذكر التخويف وأنواع الوعيد محضة من غير ضمها إلى التبشير.
وفيه تأليف من قرب إسلامه، وترك التشديد عليه، وكذلك من قارب البلوغ من الصبيان، ومن بلغ، ومن تاب من المعاصي، كلهم يتلطف بهم ويدرجون في أنواع الطاعة، قليلاً قليلاً، وقد كانت أمور الإسلام في التكليف على التدريج، فمتى يسر على الداخل في الطاعة، أو المريد للدخول فيها، سهلت عليه، وكانت عاقبته غالباً التزايد منها، ومتى عسرت عليه، أوشك أن لا يدخل فيها وإن دخل أوشك أن لا يدوم، أو لا يستحليها([6]).
«لا يستغني المسلم عن النصح مهما علا قدره أو تقدم سنه في الإسلام والنصيحة جرعة مرة المذاق لا يتحملها إلا من وفقه الله»
3- الحكمة في النصيحة: إن النصيحة جرعة مرة المذاق، لا يتكلفها إلا من وفق، وينشأ عن هذه الجرعة افتان، يجب على الناصح أن يحذر منهما جهده:
إحداهما: عداوة المنصوح وبغضه، فقد قالوا : «الحق مبغضة، وبغض النصيحة للعداوة مكسبة».
الثانية: أداء النصيحة إلى فساد قبل صلاح المنصوح بها، وقد قال الخطابي واصفًا أهل زمانه، وهو فيمن بعدهم أحرى وقد كانوا - والناس ناس والزمان زمان - يستبشعون الحق، ويتمررون طعم النصح ويتنكرون لمن يهدي إليهم عيوبهم، ويعوقهم عن أنفسهم، فما ظنك بهم الآن؟ أتراهم يذعنون إلى الحق، أو يصيخون إلى النصح؟ كلا إنك إلى أن تفسد بهم أقرب منهم إلى أن يصلحوا بك، فقد قيل من قابل الكثير من الفساد باليسير من الصلاح فقد غرر بنفسه ([7]).
ألا فليفطن المسلم لهذا الدرس، وليتخذ منه مقياسًا للتعامل مع كل ما يلقى في طريقه وليسدد وليقارب، وليخلص وليصدق مع الله حتى يلهمه الرشد في كل ما يعرض له من مواقف.
4- النصيحة للولاة ضرورة: والمسلم مهما علا قدره، أو تقدم سنه في الإسلام، فإنه لا يستغني عن النصح، والتذكير ﴿وَذَكِّرۡ فَإِنَّ ٱلذِّكۡرَىٰ تَنفَعُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾
(الذاريات: 55)، فمع أفضلية وأسبقية أبي موسى ومعاذ - y - فإن النبي r ذكرهم ونصحهم، حين ابتعثهم إلى اليمن، وفي ذلك يقول الإمام النووي: وفيه وصية الإمام الولاة، وإن كانوا أهل فضل وصلاح كمعاذ وأبي موسى، فإن الذكرى تنفع المؤمنين ([8]).
5- دعوة للاتفاق ونبذ الخلاف: وللمسلم في عصر كثر فيه الاختلاف، وضربت الفرقة بأطنابها في كل مكان، وكثر التناحر فيما بين المسلمين، لاسيما في أمور الدين، وبين شباب يرفع راية الإسلام، ويعلن أنه يعمل لنصرة دين الله، وإعلاء كلمته.
للمسلم في هذا العصر إن كان صادقًا حقًا أن يقف طويلاً، ويتأمل كثيرًا في نصيحة النبي لصحابيين جليلين : «... وتطاوعا ولا تختلفا».
وفي ذلك يقول الإمام النووي: فيه أمر الولاة بالرفق واتفاق المتشاركين في ولاية ونحوها وهذا من المهمات فإن غالب المصالح لا يتم إلا بالاتفاق([9]).
٦ -موقف عملي للتطاوع وعدم الاختلاف: يروى أن رسول الله r له بعث عمرو ابن العاص - t- يستنفر العرب إلى الإسلام، وذلك أن أم العاص بن وائل كانت من بني بلي، فبعثه رسول الله r يتألفهم بذلك، حتى إذا كان على ماء بأرض جذام يقال له: السلاسل - وبه سميت تلك الغزوة ذات السلاسل - قال فلما كان عليه وخاف بعث إلى رسول الله r يستمده، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح - t- في المهاجرين الأولين فيهم أبو بكر وعمر - y- وقال لأبي عبيدة حين وجهه: «لا تختلفا»، فخرج أبو عبيدة، حتى إذا قدم عليه، قال له عمرو: إنما جنت مددًا لي، فقال له أبو عبيدة: لا، ولكني على ما أنا عليه، وأنت على ما أنت عليه، وكان أبو عبيدة رجلاً لينا سهلاً، هينًا عليه أمر الدنيا، فقال له عمرو: أنت مددي، فقال له أبو عبيدة: يا عمرو إن رسول الله r قد قال لي: «لا تختلفا» وفي رواية أنه قال له: إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا، وإنك إن عصيتني أطعتك، فقال له عمرو: فإني أمير عليك، وإنما أنت مدد لي، قال: فدونك، فصلى عمرو بن العاص بالناس. ([10])
وروي أن المغيرة بن شعبة - t- قال لأبي عبيدة - t- إن رسول الله أمرك علينا، وإن ابن النابغة ليس لك معه أمر .
يعني عمرو بن العاص - فقال أبو عبيدة إن رسول الله r أمرنا أن نطاوع فأنا أطيعه لقول رسول الله . ([11])
فتأمل معي هذا الفقه الأكبر من صحابي جليل من العشرة المبشرين بالجنة، وقال عنه الرسول r: إنه أمين هذه الأمة، وكان أميرًا على خيرة من المهاجرين، على رأسهم أبوبكر وعمر ومع كل هذه المنزلة والمكانة، حين يرى من عمرو الرغبة في البقاء على رأس الجيش، فإنه يتذكر وصية النبي له بأن يتطاوعا ولا يختلفا، فيتنازل عن القيادة له، طاعة لرسول الله r وحين يغضب بعض الجند من تصرف عمرو ويرى أحقية أبي عبيدة بالقيادة، ويحدثه في ذلك فإنه يرده رداً جميلاً، وبكلمات لا تترك مجالاً للجدل، حيث يقول له: إن رسول الله أمرنا أن نطاوع، فأنا أطيعه لقول رسول الله r وتطاوع أبي عبيدة، وانخراطه كجندي تحت قيادة عمرو، لم يقلل من شأنه، ولم يخفض من منزلته بل رفع من قدره، حيث كشف عن معدن طيب كريم جعل غايته نصرة الدين، وجمع الصف، ورفع الخلاف من بين الجيش، ولو أدى ذلك إلى أن يتنازل عن مكانة ومنزلة، هو بها جدير، ولها كف وليس هو فقط بل كان معه أبوبكر وعمر وصفوة الصحابة والمهاجرين، وكلهم أهل للقيادة، ومع ذلك الجميع يسمع ويطيع ، وينخرط تحت قيادة عمرو، وبذلك أغلقوا أبواب قرة .. التنازع المفضية إلى الفشل وذهاب القوة ..
تعال نؤمن ساعة
بكاء الصالحين
البكاء حالة نفسية يعيشها الإنسان، إما بسبب حزن أو فرح أو خوف، وهو من العوامل التي تريح الإنسان نفسيًا، والبكاء عند الصالحين معنى خاص إذ إنه بكاء خشية لله تعالى فهم في وجل يرجون رحمة خالقهم ويخافون عذابه فينظرون إلى الأحداث بنظرة المؤمن التقي، فكل همسة أو نظرة أو حركة إما محسوبة لك أو عليك، وقد نبهنا على ذلك رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم وفقهه صحابته حين قال: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا» (من أفراد البخاري على مسلم)، فغطى أصحاب رسول الله r وجوههم ولهم خنين. متفق عليه. بكاء الخشية: يقول الحسن - t. ما اغرورقت عين بمائها من خشية الله إلا حرم الله جسدها على النار فإن فاضت على خدها لم يرهق ذلك الوجه قتر ولا ذلة، وليس من عمل إلا له وزن وثواب إلا الدمعة من خشية الله فإنها تطفئ ما شاء الله من حر النار، ولو أن رجلا بكى من خشية الله في أمة لرجوت أن يرحم الله ببكائه تلك الأمة بأسرها بالرحمة الله بعباده حتى الدمعة لها وزنها؟
كيف لا وقد قال عز وجل: ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: 7) فلذلك ترى المؤمنين دائمًا في محرابهم يتململون تململ المسكين، ويتضرعون إلى الله ويبكون بكاء الخائف الحزين، وقد قال عنهم رسول الله r: «عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» (أخرجه الترمذي (1639)، وابن أبي عاصم في ((الجهاد)) (146) واللفظ لهما، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (796) باختلاف يسير)، فكم ميزان تلك الدمعة عند الله عز وجل؟
أفي الجنة أم في النار؟
بكاء الصالحين هو رجاء لرحمة الله بأن يدخلهم الجنة ويبعدهم عن النار، بل وصل الحد بهم أنهم تمنوا أن لم يخلقوا ويتعرضوا ليوم الحساب فإنه يوم شديد، وكما روي عن معاذ - t- أنه بكى بكاء شديدًا، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: لأن الله عز وجل قبض قبضتين فجعل واحدة في الجنة والأخرى في النار فأنا لا أدري من أي الفريقين أكون؟ لهذه الشفافية الإيمانية أمضوا نهارهم وليلهم في طاعة خالقهم، ولم يذوقوا طعم الراحة فراحتهم عند أول قدم يضعونها في الجنة، وكما يقول الشاعر:
امنع جفونك أن تذوق منامًا |
| وذر الدموع على الخدود سجاما |
واعلم بأنك ميت ومحاسب |
| يا من على سخط الجليل أقاما |
فكيف لا يبكون وهم يعلمون أن هناك حسابًا وعقابًا وثوابًا بل لا يأمنون على أنفسهم الفتنة، فالقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، وكما روى عبدالرحمن بن المهدي أن سفيان الثوري بكى فقال له رجل: أراك كثير الذنوب؟ فرفع سفيان شيئًا من الأرض وقال: «والله لذنوبي أهون عندي من ذا، إني أخاف أن أسلب الإيمان قبل أن أموت ».
وقفت وأجفاني تفيض دموعها |
| وقلبي من خوف القطيعة هائم |
وكل مسيء أو بقته ذنوبه |
| ذليل حزين مطرق الطرف نادم |
أثر القرآن على نفوس الصالحين:
كتاب الله هو كلام الله المتعبد بتلاوته وقد كان عثمان بن عفان يضم المصحف على صدره ويبكي وهو يقول: كلام ربي كتاب ربي، وقد كانوا رحمهم الله يعيشون مع آيات كتاب الله وكأنهم يرونها رأي العين وكثيراً ما يصل بهم الحد إلى البكاء تأثراً بكتاب الله ومما يذكر أن محمد بن المنكدر بينما هو قائم يصلي كثر بكاؤه ففزع أهله فأرسلوا إلى أبي حازم وأخبروه بأمره فجاء إليه وقال له ما يبكيك فلقد فزعت اهلك؟ فقا أهلك؟ فقال قول الله U: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمۡ يَكُونُواْ يَحۡتَسِبُونَ﴾ (الزمر: ٤٧) ، فبكى أبو حازم واشتد بكاؤهما فقال أهله لأبي حازم، جئنا بك لتفرج عنه فزدته ».
لنفسي أبكي لست أبكي لغيرها |
| لنفسي في نفسي عن الناس شاغل |
وهذا الحارث بن سويد يقرأ: «إذا زلزلت» حتى إذا بلغ: «فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره» فبكى وقال إن هذا الإحصاء شدید.
هذه بعض النماذج من بكاء الصالحين، فهم قوم طلقوا الدنيا وخافوا من مولاهم وقد سمت نفوسهم نحو خالقهم، حالهم يقول إنهم في محطة عبور في هذه الدنيا ولا يحلو طيب المقام إلا في جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.
فهل نسير على خطاهم؟؟
خالد علي الملا
([1]) من علماء الأزهر.
([2]) مسلم بشرح النووي ( ٤١/١٢ ١٧٣٣) وفتح الباري ٦١٢٤/٥٢٤/١٠.
([3]) فتح الباري ٦١٢٥/٥٢٤/١٠ مسلم بشرح النووي) ٧/٤١/١٢ ۱۷۳۳ (
([4]) مسلم بشرح النووي ٤١/١٢
([5]) فتح الباري ٠٧٥٥٣/٥٢٢/١٣
([6]) مسلم بشرح النووي ٤١/١٢
([7]) بدائع السلك ۳۱۷/۱
([8]) مسلم بشرح النووي ٤١/١٢
([9]) مرجع سابق
([10]) البداية والنهاية ٢٧٢/٤
([11]) الإصابة ١٢/٤
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل